فيلم أصحاب ولا أعز: عن مرآة نتفليكس والمجتمع الملائكي!

لا أحد سيقبل أن يلعب “لعبة الموبايلات” سوى الملائكة؛ ذلك لأنهم لا يملكون موبايلات!وبما أن جميع الطبقات الاجتماعية تملك هذا الجهاز فقصة فيلم “أصحاب ولا أعز” 2022، تعنيها، حتى لو لم تكن تملك موبايلات. تناقش القصة- في نسختها العربية من الفيلم الإيطالي “غرباء تمامًا” 2016- مسألة الخصوصيات والأسرار، بلسان حال يقول: “ما خفي كان أعظم” أو “تحت السواهي دواهي”. وتُثبت في الأخير أننا لسنا ملائكة وأن لدينا ما نخفيه عن أقرب المقربين، مع استثناءات قليلة، وأن المظاهر خادعة أحيانًا، والهدف من القصة، ليس نفي الخصوصيات والعيش في مجتمع بلا أسرار، أو القول بضرورة البوح بكل المخبوء.

لعبة يخسر فيها الجميع

لو تعاملنا مع هذا الفيلم من منظور واقعي فسينتهي الفيلم بمجرد اقتراح اللعبة، وهو ما يبدو أنه قد حدث، كما توحي مشاهد الفيلم الأخيرة. فلا أحد يقبل أن يلعب لعبة يعرف أنه سيخسر فيها. لكن اللعبة هنا مجرد تقنية أو عتبة متخيلة للولوج إلى الموضوع، بلسان حال يقول: “ماذا لو حدثت اللعبة؟!” فموضوع الفيلم ليس الموبايل ولا مخاطره؛ هو مجرد أداة للموضوع. فثمة نوع من الأسرار لا توجد على الموبايل، كما تشير مريم (منى زكي) في سياق حديثها عن زوجها شريف (إياد نصار).

تدين قصة الفيلم الخيانة، وتقدمها بمفهوم مختلف. جميع المشتركين في اللعبة يعرفون منذ البداية أن لكل واحد منهم أسرارًا وحياة خفية يُخشى عليها من الآخرين.

مع ذلك يقبلون الاشتراك في اللعبة بعد تردد من قبل البعض، خاصة الرجال. ويعكس قبولهم اللعبة- مرغمين- الرغبة في تنزيه الذات وإظهار صفحاتهم البيضاء وإعلان براءتهم من الاتهامات والشكوك المضمرة. وترددهم هو إشارة تشكك في الرجال من جهة وتمتدح من جهة ثانية إخلاص النساء، وهو ما تثبته الوقائع لاحقًا.

هدف آخر للقصة هو الخروج بمفهوم مختلف للخيانة، سبق وشاهدناه في فيلم “من الخامسة إلى السابعة” من إخراج فيكتور ليفين سنة 2014، وفيلم “في مزاج للحب” من إخراج كار واي ونج سنة 2000. يعاد في هذين الفيلمين تعريف الخيانة: الخيانة ليست كذلك إلا عندما تكون في السر، أما حين تكون في العلن تكف عن كونها خيانة. ليست الخيانة في أن يكون لك حباً آخر، الخيانة ألا تصارح شريكك بهذا الأمر.

الخيانة في مفهومها هذا يقترب من مصطلح “الرأسمالية العاطفية” بحسب توصيف عالمة الاجتماع الفرنسية إيفا إيلوز في كتابها “The End of Love: A Sociology of Negative Relations” أو “نهاية الحب: علم اجتماع العلاقات السلبية”، وهو توصيف ينظر في مآل العلاقات العاطفية في ظل الرأسمالية التي حولت الإنسان إلى آلة قابلة للاستبدال عبر تطبيقات المواعدة، أو الحذف والحظر عبر تطبيقات وسائل التواصل الأخرى.

الوحيدة التي لم يُكشف سرها في هذه اللعبة المتخيلة هي “مي”(نادين لبكي) التي اقترحتها وهي تعلم أنها لن تُكشف؛ لأن الطرف الذي يمكن أن يرسل لها رسالة موجود بينهم وهو زياد. نظرات زوجها لها تشي بأنه يعرف الحقيقة- دون الحاجة إلى قراءة رسائل الموبايل- بالنظر إلى حلقتي أذنيها وإلى إشارته إليهما قولًا. مع ذلك فضَّل التكتم؛ حرصًا على تماسك الحياة الأسرية. في النسخة الإيطالية من الفيلم يقول لزوجته أنه لا يريد أن يعرف أنها تخونه. يخضع الزوج لعلاج نفسي وقد علَّمه ذلك أن ينزع الفتيل، أي ألا يحوِّل كل جدال إلى قتال من أجل التفوق. كما علَّمه أن الاستسلام ليس ضعفًا، بل حكمة، وأن العلاقة الزوجية الصامدة هي تلك التي يتدبر فيها أحد الزوجين العودة بخطوات إلى الوراء، وهي في الحقيقة خطوة إلى الأمام.

صوفي تكذب على أمها؛ لعلمها أن مصارحتها ستنغص عليها حريتها، وهذا ما لا تفعله مع أبيها الذي تصارحه بخصوصياتها فيتفهمها؛ لكونها إنسانة حرة وبالغة وتعرف مصلحتها. ينمي الأب في ابنته مبدأ المسؤولية، بينما تحاول الأم استعمال سلطتها التقليدية المحافظة كأم. في هذا السياق يشير الفيلم إلى قضية أخلاقية أهم: أيهما المُنافي للأخلاق، أن تفتش الأم حقيبة ابنتها بدون علمها أم أن تكتم الابنة عنها علاقتها مع حبيبها؟

علاقة وليد (جورج خباز) بابنته تضعنا أمام خيارين: أي الآباء تريد أن تكون؟ أن يصارحك أبناؤك بالحقيقة أم أن يخفونها عنك؟ المتغير هنا هو أنت لا أبناؤك؛ لأن علمك بتفاصيل حياتهم ومناقشتها بوعي سيعلمهم معنى المشاركة وسيساعدهم في تجنب بعض المشاكل، وسيسهم في تنشئتهم نفسيًا على نحو طبيعي، والحال خلاف ذلك إن قررت العكس.

السؤال المحير هو ذلك الذي طرحته مي على زوجها: “ليش ما كان بدك تلعب؟” يجيبها: “ما حبيت الفكرة.” فهل تمت اللعبة أم لا؟

للخسارة وجه رابح!

لماذا قررت نتفليكس إنتاج نسخ دولية من الفيلم نفسه؟

تستعمل السينما مادة الحياة وعناصرها المكثفة، لكن السينما في تعريفها الأخير ليست هي الحياة، من ناحية إنها تخييل يقوم على الانتقاء والتنميط والتكثيف. ولا شك أن لكل ثقافة قصصها الخاصة، أو أنها قادرة على تخييل واقعها الخاص، ولا يعني هذا نفي وجود مشتركات بين المجتمعات الإنسانية، كما أن القصة في هذا الفيلم ليست إيطالية أو عربية. من منظور فني هي إما قصة جيدة أو غير جيدة، وهنا ستختلف الذائقة دون الحاجة إلى الاحتكام إلى الفن ومدارسه السردية المختلفة. ثمة تركيب عام للسرد، والتحكم فيه ضرورة بالنسبة لكل من يرغب في التعبير سينمائيًا أو أدبيًا عن عمق الحيوان البشري وتعقيده، كما يذهب السيناريست الأمريكي جون تروبي.

تعميم النسخة الإيطالية في مناطق مختلفة من العالم فيه إشارة إلى وجود مشترك إنساني. ستختلف مستويات التلقي للقصة، لكن الاختلاف لا يعكس اختلافًا في الجوهر. لعل فرادة الفكرة في نسختها الإيطالية الأصلية ونجاحها تجاريًا هو ما حفز نتفليكس على استنساخها عالميًا. يمكن النظر إلى هذه التجربة الفنية كمقياس اختبار للجمهور. من ذلك أن ردود فعل الجمهور المصري الغاضبة تختلف عن تلقي الجمهور اللبناني للفيلم؛ نظرًا لاختلاف الثقافة السائدة. من جهة ثالثة، ثمة مضامين أو رسائل أخلاقية في الفن لكنها لا تظهر مباشرة؛ لدواعي فنية. “القصص الجيدة تطرح دائمًا سؤالًا أخلاقيًا” كما يقول تروبي، والشخصية الجيدة من منظور هوليوودي هي تلك التي”تُجسد مشكلة سيكولوجية وأخلاقية في الوقت نفسه”.وتهدف الحبكة غالبًا إلى الكشف أو تحقق الوعي، في شقها الإيجابي، أو إلى الحرمان منه، في جانبها السلبي. لكن الحرمان من الوعي هنا أو عدم تحققه للبطل هو وعي إيجابي إذا تحقق لدى المشاهد.

يُعتقد أن السينما ضد الأخلاق. والواقع أن للسينما أخلاقياتها التي تهدف إلى تصديرها أو عولمتها. السينما، في السياق الهوليوودي، وسيط لنقل “الإيتيقا” الرأسمالية إلى عقول المتفرجين، وتنجح في ذلك عبر إثارة الانفعال. والإتيقا أو “الإيثيقا” هي “جهد نظري مبذول لبلورة المبادئ التي تنظم علاقتنا مع الآخرين”. وتحاول الإجابة عن السؤال: “ما هي أفضل طريقة عيش للناس؟” أو “ما هي الأفعال الصحيحة أو الخاطئة في ظروف معينة؟”، وتسعى عملياً “إلى حل مسائل الأخلاق البشرية، عن طريق تعريف مفاهيم مثل الخير والشر، الصحيح والخاطئ، الفضيلة والرذيلة، والعدالة والجريمة.”

لكن الرأسمالية، وهي تسعى لعولمة الجمهور، لا يمكنها تجريد الثقافات المحلية من تنوعها. وهي مع ذلك تنجح في هدفها الخاص وهو هدف ليس شيطاني بالضرورة؛ فهي لا تصنع الشياطين وإنما تصورهم.

مرآة نتفليكس والمجتمع الملائكي

لماذا أثار فيلم “أصحاب ولا أعز” ضيق ونفور البعض؟

كل من اعترض على الفيلم وجد فيه نفسه بالصورة التي لا يحب أن يراها ماثلة في المرآة. وسيعمد الرافضون للفيلم إلى محاربته من زوايا أخلاقية واجتماعية ودينية وحتى فنية مختلفة. هكذا يكون الفيلم قد كشف عن مستويات مختلفة من الذهنيات السلفية.

عند مقارنة النسختين نجد أن الموقف من المثلية هو نفسه في المجتمعين العربي والإيطالي. نوع المداعبات بين جَنى (دياموند وعبود) وزوجها زياد مقابل القُبل الصريحة بين الزوجين في النسخة الإيطالية، إلى غيرها من الاختلافات التي تثبت كم الإملاءات التي يرضخ لها صناع السينما العربية. لا شك أن الجمهور العربي المعترض لا ينكر المثلية وممارسة الجنس خارج إطار الزواج في المجتمعات العربية، إنما منطق الاعتراض قائم على أساس: “إذا بُليتم فاستتروا”! ومنطق آخر عشائري ينكر هذه “التجاوزات” في السينما العربية ويتقبلها في السينما غير العربية.

القول بأن هذا الفيلم، وغيره من الأفلام، يسيء إلى “قيم الأسرة العربية” هو قول يريد إخراج الفرد والمجتمع العربي من فئة البشر إلى فئة الملائكة. فكرٌ كهذا هو أخطر من كل سلبيات الأفلام مجتمعة.

ومحاولة لرفع شأن الذات العربية إلى مصاف الأنبياء الذين يحرم تصويرهم في السينما والتلفزيون انطلاقًا من قداسة متخيلة في الظاهر، وفي الجوهر نابع من تحريم جذري للفن ما لم يكن على مقاس وهوى الذات المتضخمة.

الاقتباس والاستنساخ

لا أعلم مدى مرونة العَقد المبرم بين صناع النسخة العربية ومنتجها الأصلي. لكن كنت أحبذ إتاحة المجال للتصرف وحرية التعديل في الأفلام المستنسخة وفق ما يقتضيه التنوع الثقافي واختلاف الهموم ومن باب إبداعي لا أخلاقي طهراني. وهذا لا يعني بأي حال مفارقة القضايا التي يناقشها الفيلم للواقع العربي. الفكرة هي البطلة، ولعل التزام النسخة العربية بحذافير النسخة الأصلية حماها من الوقوع في فخ التقليد الحر الذي قد يفشل لابتعاده عن مقادير الوصفة الناجحة الجاهزة.

ينطوي عنوان الفيلم في نسخته الإيطالية “غرباء تمامًا” على مفارقة مفادها أن العلاقات العميقة كالصداقة والحب والزواج تُخفي غربة ما؛ بدليل وجود أشياء كان يُفترض معرفتها، وإلا فلا معنى لهذه العلاقات. بعبارة أخرى: إن ما يجعلنا مقربين هو البوح وما يجعلنا غرباء هو إخفاء الأسرار. هذا المعنى حاضر في مضمون النسخة العربية وفي التهكم المضمر في العنوان. لا يخلو الحوار العربي من طرافة وكوميديا تولد من رحم الموقف. والفيلم، في المجمل، متقن ومصنوع على النمط الهوليوودي، لكن لن نجد فيه كادرات بصرية لافتة تحمل معاني ودلالات مختلفة. فالبطولة هنا للفكرة الواضحة وللأداء المحترف.

تثير النهاية مشكلة غياب السارد الواضح. ويمكن قراءة النهاية من منظورين: الأول يرى أن اللعبة متخيلة، أي أنها لمتحدث بالفعل، وهذا هو المرجح؛ فلا أحد يجرؤ على الاشتراك في لعبة يعرف أنه سيخسر فيها. أما المنظور الثاني فهو يرى أن اللعبة حدثت بالفعل وقرر الجميع نسيان ما حدث، وكأن شيئا لم يكن. ولذلك شعر الجميع بالراحة حين كُشفت الأوراق وانتهى الخسوف وخرج الجميع إلى الهواء الطلق وقد عاد القمر بدرًا. من اليوم فصاعدًا لن يكون هناك لعبة مشابهة، ما من حاجة تدعو إلى ذلك. الخسوف في الفيلم مرادف للحجب والستر، وانتهاء الخسوف وظهور القمر بدرًا يرادف الكشف والشفافية والوضوح.

وفي كلا الحالتين ثمة دعوة للشفافية وللتعايش والتعامل مع الواقع. وإذا كانت شخصيات الجمهور لا تطابق بالضرورة شخصيات الفيلم، فإن الهدف من الفن، والسينما خصوصًا، ليس حل مشاكل الواقع بتغييره ليكون مطابقا لواقع السينما. ليس مطلوبًا من الجمهور أن يحب البطل أو يوافق على اختياراته. المطلوب هو التقبل وفهم سبب هذا الفعل أو ذاك؛ فالسينما واقع موازٍ، وتمايز الواقعين لا يعني فراقهما كخطين متوازيين لا يلتقيان.

فائدة هذا الفيلم- والفن والسينما عمومًا- أنه يقدم لنا صورة لما هو واقع أو لما ينبغي أن يكون عليه الواقع، وبالتالي تعفينا التجربة الفنية من تجربة (غير) المجرب الثابت فشله أو خطله. وبهذا المعنى يربح الجميع في لعبة الموبايلات؛ لأنها وإن لم تتم في واقعنا فقد حدثت في مرآتنا أو في واقعنا الافتراضي الفني البديل.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: