وجهات النظر والسرد الدرامي: ماريو يوسا.. رسائل إلى روائي شاب

يواجه الكتاب المبتدئين مشاكل عدة عند كتابة الرواية الأولى تحديدا، مما يتطلب جهدًا قويًا على مستوى التحضير، بداية من الموضوع أولاً، وشكل الكتابة ثانيًا، قد لا تكون الكتابة علمًا صحيحًا، إذ تعتمد وبقدر كبير على الخبرة الذاتية وتجارب الكُتاب، وهو ما يتوفر لنا من خلال أعمال عدة، لكُتاب مختصين، تخبرنا عن طرق السير الأفضل من وجهة نظرهم.

ربما تكن معرفة كتابة الرواية بحراً من العلم لا يمكن حصره، لكن ما تقدمه المواد حول تقنيات الكتابة، هو تحديد الأفكار السائلة، ووضعها في أطر معرفية محددة بدقة، لتصبح تقنيات مفيدة وممكنة الاستخدام والتطوير من قبل كُتاب آخرين.

إذ يبقى فن عمومًا وفن كتابة الرواية بالتأكيد، عبارة عن معرفة تراكمية من توارث الإبداع السردي في قالب فني دينامي يقارب أن يحاكي واقع حياتي أحيانًا، أو عالم فانتازي محلق في أفق الخيال، بفضل صناعة وخبرات الكُتاب عبر التاريخ، وفي هذه المادة نقدم لكم وجهات نظر يوسا حول نقلات السرد الدرامي من كتابه الشهير رسائل إلى روائي شاب.

في عام 1916 قال اينشتاين بان هناك بعد مختلف للحالة الفيزيائية بعد زمكاني يتأثر فيه الزمان والمكان بتموجات مختلفة ناتجة عن انفجار نجم عملاق مثلاً مما يشكل فروق في الجاذبية فتصنع التواءات تنتشر في الكون كله وتم تسميتها بالموجات الثقالية مما يصنع حالة من عدم الثبات الدائمة،كذا نجد الحالة الفيزيائية للسرد.

فالسرد أيضا يمكن اعتباره حالة من حالات الفيزياء تسيطر عليها خيالات الكاتب مما يصنع حالة من التموج حول نقاط معينة في العمل السردي لتنتج لنا وجهات نظر قد يتم توصيلها بشكل جيد وقد تفقد الطريق إلى عقل المتلقي .

يرى يوسا بأن تبدل وجهة نظر الراوي وما يمكن أن نطلق عليه النقلة ينتج عنه بالطبيعة تبدل في مستوى السرد مع الاتفاق بأن وجهة النظر تتبدل تبعا لتبدل موقع السارد، فبينما تتحد إحدى تلك التبدلات التي تطرأ على أي من مستويات السرد يجب عليها أن تخلق موجة ما داخل عقل المتلقي تلتحم مع ما كان راسخ بوعيه سابقاٌ فتحدث احدي حالات اليقظة والوعي .

قد تكون هذه التموجات والتنقلات داخل مستويات السرد مجدية أو غير مجدية إلا أن جدواها من عدمه يظهر نتيجته في النهاية، إذ يتضح من خلال التحام جميع تلك التبدلات في نهاية العمل السردي مما يصل بالقارئ إلى حالة من الرضا أو السخط على العمل السردي المقدم له .

قسم يوسا النقلات الى ثلاثة أنواع يختلف كل منها في أثره وفي نتيجته على العمل ككل نجد أن أقلها حدة هي النقلات في الزمن إذ إنها تعد تنقلات اعتيادية في أدب القرن العشرين وأدب ما بعد الحداثة.

فقد دأب الكتاب دوما باللعب من خلال الزمن مع ظهور تقنية الفلاش باك أصبح انقطاع التسلسل الزمني وحتى المكاني أيضا في بعض الأحوال -إحدي حالات التحام نقلات من نوعين مختلفين- يشعر القارئ بأنه تم السفر به من واقع لحظة معاشه إلى واقع آخر للحظة قد عيشت بالفعل، وترتب عليها ما نحن فيه الآن من ضرورة استدعاء لحظة سابقة.

فمثلا في رواية الفندق الأبيض للكاتب دي إم توماس توماس و التي تدور معظم أحداثها عن إحدى مجازر اليهود نجد أن الكاتب قد قسم الرؤية إلى ثلاث مراحل ماضي وحاضر ومستقبل. من خلال اعترافات البطلة فالزمن هنا يتحرك من الماضي إلي الحاضر أو وقت المذبحة ويحدث في نهايتها تحول آخر للمستقبل والذي يصحبه نقلة على مستوى الواقع.

للمشاركة والنشر معانا 

فيؤثر هنا واقع فانتازي يتحدث عن المستقبل أو ما بعد المذبحة فالنقلات على مستوى الرؤية تعد هي مستودع ترتيب الخطة السردية للعمل وهي أداة هندسته الاهم والاكبر.

يختار السارد أحد مستويات الواقع المتعددة ليقف فيه بينما ينطلق منه إلى آخر فيما يسمى نقلات على مستوى الواقع. تعدد تلك التقنية هي الأكثر تنوعا والأكثر استخداما على مر الزمن فقد استخدمها تقريبا جميع الكتاب لإعطاء أنفسهم فرصة لترتيب مادتهم السردية بصورة أولية ومعقدة فهي التي تحدد جوهر القصة سواء كانت واقعية أو فانتازية فهذه النقلة دائما ما تصنع انقلابا في كينونة النظام السردي بأكمله كما في رواية أفراح القبة لمحفوظ.

إذ بتعدد الرواة داخل العمل يحكي كل منهم نفس الحدث ولكن من وجهة نظر واقعه ،هنا يمكن أن نفرق بين النقلات المفاجئة التي تحدث ثورة في عالم السرد وبين النقلات البطيئة كما عند كافكا، لنعرف ما المقصود بمثل هذه النقلات وكيف أنها تصنع فارقا عملاقا في السرد وبنيته.

فالنقلات السريعة تشبه المعجزات والخوارق ولا تستجيب لأي قوى أما عن النقلات البطيئة فهي تتميز بالتكثيف الشديد مما يولد لدى القاريء بأنه غارق في عالم شديد الواقعية كانه يضاعف العالم الذي نعيش فيه بملله وتناقضاته .

وهنا نجد أن الأدب الفانتازي هو الأدب الذي يحتوي على حدث غير عقلاني ولا يمكن تفسيره عقلانيا ويكون غير مقصود عن عمد ولكن بوعي كامل من الكاتب ويبدأ دوما بصورة اعتيادية وذلك بحسب تعبير روجيه كايوا في مقدمة كتابه أنطولوجيا الأدب الفانتازي .

هنا يمكن لنا أن نشدد على أن النقلات تختلف ايضا من حيث طابعها بين أن تكون عرضية وتمر في سلام أو جوهرية داخل القصة إلا أننا لا برد ان لا نهمل أن النقلات شيئ هام جدا داخل العمل السردي .

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: