مروة مصيلحي تكتب: كل الطرق تقود إلى أنغام


مثلما جميع الطرق تؤدي إلى روما، قد تؤدي جميع الطرق أيضًا إلى القيمة، فرحلة البحث عن قيمة أفعالنا أو حتى ممتلكاتنا نسلك من أجلها طرقات عديدة، وقد نتوه في كلٍ منها، فهناك من يجد قيمته من تقدير الناس له واعترافهم بنجاحه، وهناك من يشعر بالنجاح فور ملامسة الأوراق النقدية وتفقد حسابه البنكي ليجد عائد مادي مجزي يأكد له أهمية ما يفعل، وهناك من يدرك قيمته من داخله متجاهلًا كل شيء قد يلمّح له بعكس ذلك.

لذلك عندما صادفت برنامجًا بعنوان “الموهوبون في الأرض” يحكي عن تفاصيل حياة بعض المشاهير محاولًا إظهار جانب أكثر إنسانية لهم، واستحضار أعمالهم المحببة لنا بنفس الوقت، رنّت في أذني جملة تلاها الكاتب ومقدم البرنامج بلال فضل عن النجمة أنغام وهي تقول “لو حد عايز يعتبر دماغي متركبة غلط براحته، لكن أنا الموضوع عندي بمنتهى البساطة، مبعملش غرفة عمليات عشان اختار شغلي، أنا بختار اللي يعلم في مشاعري”، قدّرت تلك العبارة والخبرة الكامنة ورائها وحاولت التأكد من مدى فعالية تطبيق هذا المبدأ في الواقع لتحقيق ما نريد.

ومن خلال النظر إلى أعمال أنغام التي أتابعها منذ صغري بالفعل، وجدت أن مقياس النجاح خادع في معظم الأحيان، ويغلب عليه الكثير من الشكليات ومبدأ “الصيت ولا الغنى” ولعل هذا هو أكثر ما يؤرق أي شخص يحاول تذوق النجاح الحقيقي اليوم، فسرعة الأحداث من حولنا تجعلنا نسعى دون دراية لما نسعى نحوه، ولعل الإيقاع هو أكثر ما يجعل اليوم غريبًا عن البارحة.

سمعنا عن أيام زمان وجمالها ورونقها وهدوءها حين يتحدث أجدادنا عن الخمسينات والستينات والسبعينات، حتى أصبحنا أيضًا نردد نفس الجملة “فين أيام زمان” ولكن عن فترة مختلفة تمامًا، حيث تغير الإيقاع مع نهاية الثمانينات والتسعينات ليُشكِّل عصرًا مختلفًا عما نعيشه الآن وعما عاشه أجدادنا من قبلنا، اليوم قد تتخذ قرارًا بمنتهى السهولة لترك أي شيء مللت منه، وظيفة، حبيب، زوج، هاتف، مسلسل، طموح، حتى أصبحت الأشياء تُصنَّع خصيصًا لتدوم قصيرًا، صورة على فيسبوك تدوم ليوم واحد وتختفي، هاتف بعمر قصير، علاقات تبدأ مع إدراك داخلي أنها ستنتهي قريبًا، ووظائف نشغلها ليمضي الوقت حتى نجد وظيفة ذات دخل أعلى بالقريب العاجل، على عكس الفترات السابقة كلها، كانوا الناس أكثر ثباتًا وصبرًا، كانوا يختارون التحمُّل والانتظار، يحتفظون بوظائفهم ورواتبهم وعلاقاتهم، وكل ممتلكاتهم، لكننا اليوم سريعون الملل، متعجلين لمعرفة المزيد وعيش كل جديد وتحقيق كل ما نريده فورًا، ولسنا على استعداد تحمل أي شيء رغمًا عن أنفسنا، حتى أحلامنا أصبحت قصيرة المدى.

أما أنغام، فمن الواضح أنها كانت في الركن البعيد الهادئ لفترة أطول مما تخيلت، تحسب خطواتها وتحاول أن تنتقي أعمالها، مما أهلها لأن تربط بين كل زمن وآخر بإيقاع يناسبه ويناسب ذوقها في نفس الوقت متجاهلة بذلك مقاييس السوق الغنائي الدالة على النجاح، والدليل على ذلك ليس فقط أنها قصرت مدة أغانيها، بل لأنها حرصت أن تعاصر جمهورها كلما تغير، فعندما غنّت عن الوحدة في التسعينات تجد لها أغنية “القالك حد” الدرامية ذات الإيقاع البطيء والمدة الطويلة بمقاييس اليوم، وعندما تحاول تناول نفس الموضوع فيما بعد، تجد طابع موسيقي مختلف تمامًا مثل “باحتاج أتكلم”، ثم تُسرع من الإيقاع مرة أخرى في الأغنية المجنونة “وحدانية”، أو تعود بنعومة موسيقية في أغنية “مابحبش” وأخيرًا “على حسك في أيامي”، ومع تغير الموسيقى والإيقاع تعاصر أنغام الزمن أيضًا بتغيير طبقة الصوت التي تختارها في كل أغنية، وفي كل هذه الأوقات لا يختار معظم المطربين التحدث عن الوحدة أساسًا كحالة مجردة.

وعندما تنضم أنغام لشلة الغناء عن مواضيع الحب والفراق، تجدها تختار مواضيع وحالات مميزة مثل “بعتلي نظرة” و”بافكر فيك” في التسعينات، وتواظب على انتقاء الحالات المميزة في الألفينات أيضًا مثل “طول مانت بعيد”، و”كل ما تقرب”، و”مابتعلمش” و”اتمناله الخير” و”تحب اتغير” وغيرهم، فعندما غنت “للإكس” تتحداه بمنتهى الدراما بسؤال “بتحبها ولا؟” و”مجبش سيرتي؟” في التسعينات، ثم تطور شكل أغنيتها لتغني “رجعنا في كلامنا” و”مهزومة” في الألفينات، وبنفس درجة الدراما غنت للحبيب المحتمل في التسعينات أيضًا بسؤال “بتحب مين؟”، ثم تعود بنفس الحالة في “حيران”، و”انا بالنسبالك ايه” و”مش في بالك”، فهي لا تختار المواضيع فقط، بل تحاول إعادة تقديمها مرة بعد مرة دون يأس لتصل لأكثر شكل عصري مع الاحتفاظ بما تختاره في الأساس.

ولذا أعتبر أنغام مثالًا حيًا على تحطيم مبدأ “الجمهور عايز كدا”، لأني أراها تقدم فقط اللي هي عايزاه منذ سمعت أغنيتها الشهيرة “سيدي وصالك” التي قد يعتبر كلماتها البعض غريبة وغير صالحة للغناء، ولكن ما يميز أنغام أنها تبادر وتأخذ الخطورة الأولى وتراهن على مشاعرها كما تقول، وإلا ما كانت غنت تترات “حديث الصباح والمساء” ذات المعاني العميقة والألحان الصعبة، أو “شنطة سفر”، أو مؤخرًا “اكتبلك تعهد”، ولا كانت تجاهلت قصائد نزار قباني واختارت قصيدة “من بعيد” للشاعر عصام عبدالله لثقتها أن قيمتها كمطربة وكامرأة تظهران معًا في كلمات الشاعر عصام عبد الله وتخفتان في كلمات نزار قباني الذي لا يذكر من المرأة أكثر من جسدها، ولا كانت أيضًا عادت بلون جديد كل فترة، مثلما عادت في ألبوم “محدش يحاسبني”، صاحبة أغنية “ساندة عليك” تسند نفسها أيضًا من وقت لأخر بإصدار الأغاني الخليجية لتظل تفعل ما تؤمن به، وتكون في نفس الوقت مدخلي إليها. 

وكما سمعت الأغاني الخليجية لأول مرة من أنغام، تعرفت على الكثير لأول مرة من أنغام أيضًا، الشعر القصير مثلًا، ورقصة السالسا والفستان الأحمر والمطر والمطاردة بكليب سيدي وصالك الذي لفتني منذ اللقطة التي تقف فيها أنغام أمام باب عربة القطار وتبتسم للرجل الوسيم المحرج أمامها، كان الكليب كله ذكرى محببة لي منذ رأيته إلى الآن لأن من خلاله رأيت صورة جديدة للمرأة القوية وأنا صغيرة السن، وتأكدت الصورة أكثر بعدها بسنوات عندما رأيتها ترد في لقاء وهي تضحك، “أه تقويم الأسنان باعتبره عملية تجميل طبعًا”، لأن تلك العبارة سمعتها في وقت رفض باقي المشاهير إطلاق اسم “عملية تجميل” على أي تعديل في شكلهم.

وهكذا كلما رفضت وتحدت وأصرت أن تظل حقيقية وتختار ما تريد، كلما ثبتت الصورة في ذهني أكثر، اختيارات انغام لا تتم بسهولة الحديث عنها، بل تكلفها الكثير ماديًا ومعنويا بجانب عدد من السنوات لتثبت أنها جديرة بالمراكز الأولى سواء في القيمة أو الشعبية التي جنتها بالتدريج على مدار السنين لتصبح الآن ما هي عليه، ووسط الكثير من اليوم الذي يعود بنا للماضي لتخيلّنا أنه كان أكثر قيمة، أسعد كثيرًا عندما يأخذني صوت أنغام لذكرى لا تزال لليوم تتطور وتتأقلم وتعد بالاستمرار وأن اليوم والبارحة ليس منفصلين تمامًا حتى وإن اختلف الإيقاع الذي يشوش مفهومنا عن القيمة والنجاح.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: