ب ١٠٠ وش: درس في صناعة الكوميديا

كتب: محمد سميح

مراجعة وتدقيق لغوي: شذا لاشين

في  أجواء كئيبة تأتي كاهنة عجوز لزيارة مدينة أثينا، يخرج سقراط فيلسوف المدينة ليقابلها، وسط شيوع وباء الطاعون، وفي ظل هذه الأجواء يجري سقراط معها محاورة عن معنى الحب؟ يقف بعيون لامعة يسألها: “ما هو الحب يا ديوتيما؟” وعلى مدار السنين بقت الأوبئة تخيم على الحياة بالكآبة، وبقى البعض مثل سقراط يبحث عن السعادة، وحين أخبروا كاملة أبو ذكري أن تحضر عملاً دراميًا لرمضان 2020، فكل ما شغل بالها أن تقدم لنا جرعة من البهجة اليومية تزيد عن مدة النصف ساعة من رسم ابتسامة على وجه المشاهدين، وفي وقت خيم الوباء على حياتنا بالكآبة، في ظل صراخ مقدمي برامج التوك شو أمثال عمرو أديب وأحمد موسى بالتحذير من أخطار وباء الكورونا، وفي ظل ترند درامي رمضاني يرتكز على جرعات نكد نسوي سنويًا عن الخيانة والقهر وقسوة الحياة، قد تكون كاملة بصٌحبة نيللي كريم أصحاب السبق فيه، ليأخذنا كليهما إلى سبق جديد كوميدي خفيف يسعى إلى رسم البهجة. 

منذ البداية تجد التتر مهرجانًا يجعل جسمك يهتز رقصًا تماشيًا مع إيقاعه، وعلى الرغم من كل ما أثار المهرجان من أزمات إعلامية وأخلاقية في نفس العام، يقدم لنا المسلسل صورة مغايرة لتنفيذ المهرجان، تحمل نوعًا من البهجة اللطيفة، دون صراخ ردئ أو كلمات تصوب ضربات قاتلة إلى الأخصام، يعتمد المسلسل بشكل كبير على الأغاني بخلاف تتر المهرجان، فتجد نغمة موبايل نيللي كريم بصوت حسن شاكوش لمهرجان سكر محلي محطوط على كريمة، وتقف نيللي لتقدم لنا وصلة أمام المرآة، كما أن هناك حضور لأغنية تميم يونس سالمونيلا، وكأن هناك تعمد بالحضور الموسيقي لأغاني الترندات التي تقف ما بين مساحة مثيرة للجدل بين البعض، ومساحة عالقة في أذهان البعض من البهجة البسيطة، وفي مشهد يجمع عمر بماجي تجد أغنية Rock Star في الخلفية.

الكادرات:

لا تجد الرقص من طرف نيللى كريم ولا آسر ياسين أو باقي أبطال المسلسل فقط في المشاهد المختلفة، الكاميرا أيضًا ترقص محلقة بين كادرات واسعة من أعلى، وكادرات مغلقة من أسفل، وكادرات قريبة جدًا، تشعر وكأن الكاميرا تعمل بحرية تامة حول الأحداث الجارية، تلتقط ما تشاء بالشكل الذي تشاء، لتشعر أن العمل قائم على فكرة عدم الالتزام بالقوالب والقيود التقنية، فالعمل كوميدي، مقدم بواسطة أبطال  تراچيديين، بطلة العمل إحدى آلهة النكد الدرامي، مع مخرجة تضرب بسلسلة نجاحات متكررة معها عرض الحائط، وتذهب إلى المخاطرة والتجريب في خطوة جريئة جدًا، إلا أنها نفذت هذا بإتقان شديد، حتى على مستوى المونتاج الذي يقدم قطع بين المشاهد بالمللي، ليشعرك أن حركة الكادرات غير المألوفة مألوفة جدًا للعين، كما برزت مشاهد التصوير الخارجي درجة عالية من نقاء الألوان وصفاء الصورة، بينما قدمت المشاهد الداخلي حضور ملون جميل، داخل البار أو بيت ماجي، حتى في المشاهد الأقل تلوينًا تجد حضور المسحة الصفراء من أثر اللمبة الفلورسنت.

البناء الدرامي 

تقوم تيمة العمل على الرغبة في الثراء، ويبدو هذا واضحًا بداية من تتر المسلسل الذي يدور حول الفلوس، وتتردد فيه جملة: “مليونير مليونير بكرة هبقى مليونير”. كما يقدم العمل تمهيد بذكاء من البداية لظهور أبطاله الرئيسيين سكر وعمر، بداية من حجم الظهور المتساوي أمام الكاميرا والصراع بينهما وحتى التقارب سويًا، كما أن الأصدقاء يلعبون أدوار هامة في حياة أبطال المسلسل، فسُكّر لا يمكن أن تنفذ خططها في الاحتيال بدون مهارات حمادة التقنية، ومساعدة كابتن فتحي بالأموال، بينما عمر الشخص المرفوض بين أصدقائه لا يمكنه الاستمرار في أعماله في ابتزاز الرجال الكبار إلا بمساعدة إنجي في استلام أمواله المحولة من أمريكا، وهكذا ظهور بقية الشخصيات كعناصر مهمة لإتمام العملية الكبرى -الاستيلاء على ثروة غزال-، مما يقلل درجة الترهل الدرامي، ويجعل العمل متماسك ومكثف بدرجة تخلف المتعة وحسب. بخلاف وضوح الحدث الرئيسي وهو أمر يغيب عن معظم الأعمال الدرامية في رمضان ٢٠٢٠، إذ يمكن لأي مشاهد فهم أن الحدث الرئيسي عملية نصب تعيقها مجموعة الإجراءات والمستندات لتحقيقها وتعقبها مجموعة من التوابع إثر تنفيذها.

سمات الشخصيات:

في الأعمال الكوميدية غالبًا ما يسيطر عالم الإفيه على الدراما، فنجد أن الشخصيات سطحية بلا عمق، إلا أن في هذا العمل نجد أن عمر يعاني من طفولة مضطربة بعد قيام والده بالنصب والاحتيال على درية زوجته ووالدة ابنه عمر، نجد سكر أيضًا تعاني بسبب قيام الأب بجريمة نصب أدت إلى سجنه، وكليهما ورث مهنة النصب جينيًا من الوالد، حمادة أيضًا تعرقلت حياته التعليمية بعد فقدان والديه، وكأن المسلسل يصور لنا صورة غياب أبوي تامة، لا وجود لآباء الأبناء، كما أن الآباء مثل سباعي غير موجودين بالنسبة لأبنائهم، بخلاف هذه الرؤية تجد رسم دقيق للشخصيات فعمر شاب متلاعب وغير مسؤول ويتحرك دائمًا من خلال هذه الدوافع، فلا تشعر بغرابة حين يكذب ليبيع عقد والدته التي يبدو تمامًا أنه يحبها، ولكن ذلك الحب لا يمنعه من الكذب عليها واستغلال طيبة قلبها، أما سكر تبدو كمانيكان صنع داخل كوافير، دبت فيه الروح خلال رمضان ليقنعنا بمدى كونه مانيكان حقيقيًا، ففتاة الكوافير دائمًا تجد لديها لمسة أنوثة زائدة بداية من لون الشعر إلى المشية حتى طريقة ندغة اللبانة، وربما ذلك السبب في تعطيش حرف التاء هو جزء من تلك الأنوثة الزائدة لدى شخصية الكوافيرة، إذ تعتبر نفسها منصة دعائية لعملها. وتبدو العلاقة بين عمر وسكر أشبه بعلاقة إلها الغنى والفقر اللذان أنجبا من تناقضهما الحب في أساطير الإغريق، إذ يسيطر على عمر طابع الأرستقراطي ابن الناس الذي يعيش كالفقراء، بينما يسيطر على سكر طابع الفتاة الفقيرة المتطلعة لترقي اجتماعي وحياة كالأغنياء، ويتجلى كل هذا التناقض الدرامي بين عمر وسكر في تسجيله اسمها على موبايله شوجر، بينما تسجله هي بابن الجزمة.

الافيهات والكوميديا

يعتمد المسلسل على كشف شخصياته من خلال الأحداث أولاً وأسلوب الراوي ثانيًا، فبعد ان تتعرف على كل شخصية تجدها تعرفك بنفسها، مما يجعل دوافع الأشخاص للمشاركة في عملية النصب منطقية، كما تم الاعتماد على كوميديا الموقف بدلاً من كوميديا الإفيه، فالعمل عبارة عن مواقف مضحكة ومتماسكة دراميًا، وتنشأ الكوميديا من خلال الكاركترات المرسومة، إذ تجد سكر مندفعة غير متعلمة، بينما حمادة أقرب لبيل جيتس مصنوع في البيت يمتاز بتعبيرات رخيصة، سباعي الشخصية الهاربة من الواقع، ماجي الفتاة الكول، ونجلاء الأنثى الثرثارة النكدية، وفتحي البلطجي التائب، وزيزو بوب مارلي بولاق، وسامح الموظف المرتشي الضلالي، ربما أقل الشخصيات حضورًا من ناحية الدراما، هي مجرد نسخة أقل جودة من شخصية سكر، وربما أهميتها الوحيدة تأتي من خالها سباعي، ومن خلال السمات المصاحبة لكل شخصية تتولد الكوميديا في كل أحداث المسلسل بنجاح، حتى أقارب غزال يبدون في مظهر الجشع والبخل والغباء، بقيادة الأخ الأكبر صلاح المحامي، مما يكون من أقارب غزال مجموعة يمكنها خوض صراع ضد أفراد العصابة،  العمل ككل مصنوع بحرفية شديدة، أشبه بمذاق قهوة مظبوط. ربما أهم أسرار نجاحه الحرفية التي تفهم الفن كفن كما أنها تحترم عقل المشاهد. 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: