فؤاد الأخضر يكتب: مرمرية (متتالية قصصية)

متتالية: لذة المرة الأولي

مراجعة لغوية: أسماء العطار

كأنّه حلم غريب، في تمام السادسة صباحًا استيقظت على صوت المنبه، وخطرت ببالي أحداث البارحة كأحلام يقظة بعيدة حيث قابلت هذا الغريب، وأخبرني بأنّ لي حظًا مع ألف امرأة إحداهن ربّما تكون توأم روحي، ثم قابلت هذه الفتاة؛ نورهان. حلم جميل حقًا، ولكنّه انتهى.

ذهبت واغتسلت، ثم سألت نفسي لماذا استيقظت في هذه الساعة المبكرة وأنا لا أعمل الآن؟ ثم تذكرت أمر الكتاب. ربّما لم يكن حلمًا حقًا! الكتاب الأصفر؛ الدليل الذى أعطاه لي. ذهبت حيث حاجياتي وأخرجت كتابه الأصفر، قلّبت صفحاته الفارغة التي ظهرت على إحداها صورة امرأة! 

امرأة عشرينية ربّما، وظهر اسمها أسفل الصورة “مرمرية”، وتحت الاسم ملحوظة: “مرمرية، ركنة ملوكي الخامسة مساء”.

أين بحق شارب (سلفادور دالي) ركنة ملوكي هذه؟ وهل حقًا سأقابل اليوم مرمرية هذه؟ وماذا سيحدث عندها؟

كتابه مفتوح ومستلقِ بشطريه على أضلعي، وأنا مستلقِ على السرير في غرفة شبه مظلمة. تتغير تعابير وجهي تباعًا كفصول السنة، ولكن على غير هدى أو ترتيب، وتراودني كل مخاوفي وآمالي.

تمنيت الحب لأعوام طوال؛ أن أجد أحدًا يحب أن يشاركني مشاعري. مللت من تلقيه كمنتج أو كشيء بعيد عني في الأفلام، والأغاني، والقصص، وحكايات الأصحاب. ولم يكن حظي فيه إلّا من طرف واحد، والآن كما قال الغريب، هناك فرصة أنّه سيغدو متبادلًا. هل أنا جيد كفاية؟ هل أنا مستعد؟ ومَن هذه التي ستحبني؟ وهل يكفي يوم واحد لأعرفها وتعرفني؟

أصوات زقزقة العصافير في الخارج كعادتها في الساعة الأولى من الصباح؛ تتسلل لأذني كما تتسلل أشعة شمس الصبح خطوط زرقاء لعيني من وراء النوافذ المغلقة. شعرت بالجوع. لم أجد طعامًا يرضيني بعد أن فتحت باب الثلاجة. نزلت واشتريت إفطاري، ثم عدت للاستلقاء. وبينما أنا على هذه الحالة بين اليقظة والنوم عادني النوم.

استيقظت بعد أذان العصر. لقد تأخرت في الاستيقاظ. أبحث على الانترنت عن هذا المكان الذي يُدعي (ركنة ملوكي). حسنًا، إنّه في منطقة وسط البلد بالقاهرة، وتحديدًا في  ممر الألفي. 

لا تمر سوى دقائق معدودة وإذا بي أنزل الدرج، وأصل إلى الشارع الرئيس باحثًا عن مواصلة.

*****

في ساعة أخرى

في قاعة ساكنيها الكراسي، وضيوفها أغلبهم شباب جالسين عليها، مهتمين بالثقافة كما بدا لي. نظروا إليّ حيث أنّي آخر مَن يدخل. رأيت أنّه لم يبق في القاعة إلاّ كرسي شاغر في الصف قبل الأخير كأنّه ينتظرني! وكان للصفين الأخيرين كراسي مميزة؛ هي كراسي المقاهي الشعبية القديمة. بدا أنّني أقاطع شيئًا فجلست، وتنقلت عيناي في اتجاهات عدة حولي، لكنّهما لم تلتقطان ملامح مرمرية هذه. المحاضرة كانت قد بدأت، وعرفت أنّها عن الكتابة الإبداعية.

  • “هناك مدارس كثيرة للكتابة؛ الكلاسيكية، والواقعية، و الرومانسية، وكذلك الفانتازيا، وتيار الوعي، والواقعية السحرية. الفن واسع، ولكن ابتعدوا عن الكليشيهات”.

“هذا ناقد روائي”، أجابني شاب جالس عن يميني عندما سألته بفضول شديد وصوت هامس عن هذا الرجل الخمسيني الأشيب الذي يتحدث.

عادت عينيّ إليه وهو يكمل حديثه.

  • “نعم ، الكليشيهات مثل جملة (الشمس في كبد السماء.”(

بينما أسمع كلامه عن الكتابة الإبداعية – الذي بدا مهم بالنسبة إليهم- تنقلت عيناي في هذه القاعة العجيبة مرة أخرى، ولكن بتأنِ.

قاعة تجمع بين التراث والمعاصرة، بين القديم والحديث. على اليمين بطول وعرض الحائط هناك هذه النوافذ الزجاجية الكبيرة كما في البنايات الحديثة، تصل من الأرضية إلي السقف كاشفة خلفها بنايات الشارع القديم ذي الطراز الفرنسي التي تتنوع ألوان واجهاتها بين السمني والبني والبيج، وعلى اليسار على الحائط الأبيض كبقية حوائط القاعة هناك تلك الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود المعلقة في إطارات. يبدو أنّها صورًا لمشاهير وصالونات أدبية من القرن الماضي، وعلى اليسار أيضًا، إلى جواري تمامًا هناك قطعة أثاث قديمة وربما أثرية معلق عليها طربوش !

في قلب القاعة تراصت في الصفوف الأمامية والوسطى هذه الكراسي الجلدية السوداء حيث يجلس أغلب الحاضرين، تلك التي أراها في المراكز التعليمية، كرسي ومسند، أمّا في الصفين الأخيرين حيث أجلس، كراسي خشبية مصرية عتيقة، كراسي مقاهِ شعبية كما قلت. أتذكر اسمها من فم جدى (كراسي هلال الشرق(.

لم أذهب قطّ إلى مكان كهذا !

ثم بطرف عيني ألمح خلفي عن يساري كتابان في النقد الأدبي ساكنان على تنورة سوداء لفتاة جالسة. سحراني بغلافيهما، وتبينت أنّهما عن سيرة نجيب محفوظ وأعماله. نظرت لثوانٍ إلى الغلافين، ثم نظرت بعفوية إلى صاحبتهما، فجأة تصلبت ثم ارتخت الدماء في عروقي، عرفت أنّها هي !

صاحبة القميص الأصفر الداكن، والتنورة السوداء المحتشمة وغطاء الرأس الأسود من الشيفون، هي مرمرية التي جئت من أجلها .

كي لا يبدو نظري المطول لها وقاحة أسرع وأبادر بالسؤال:

  • هل اشتريتهما من وسط البلد؟

تبتسم وتجيب:

  • نعم، لكن اشتريتهما من على أحد الأرصفة بأسعار زهيدة.

علقت:

  • لم أقرأ رواية كاملة قطّ لنجيب محفوظ.

نظرت إليّ.

  • حقًا ؟! أعني أنّي قرأت له بعض الروايات فحسب، ولا تزال أمامي أعمالًا كثيرة لقراءتها.

تعجبني ملامح شخصيتها، وأنّها مرتاحة في الحديث الهامس معي، ملامحها وصوتها أقرب لملامح وصوت الممثلة شهيرة، أو كارولين خليفة.

ابتسامتها بطيبتها وعفويتها هي ابتسامة محسنة توفيق، ورغم هذا هي بروحها أصيلة لا تشبه روح امرأة أخرى. كالألوان ربّما تتشابه الأرواح، لكنّ الدرجات مختلفة.

واصلت حديثي معها، ولاحظت على يمينها شاب ثلاثيني يرتدى قبعة توفيق الحكيم، ومطلق لحيته. نظر إليّ نظرة خاطفة، وأطلق جملة واضحة بنبرة مغتاظة حازمة وعينان تتصنعان الأدب:

  • الصوت إذا سمحت.

لا أعرف أيّ نظرة بادلته إياها، ولكنّها شعرت بالحرج، وعاودت الصمت، صمتها وهروب عينيها مني بعد جملة هذا الأبله المزعج جعلا الحرج يتسلل إلي أيضًا، استدرت ببطء تاركًا في حسرة وغيظ ظهري يواجهها.

جاء حديثها إليّ بعد ذلك بدقائق. جاء صوتها واضح فاستدرت إليّها.

  •  هل تريد رؤية الكتابين؟

*****

في ساعة مبكرة في صباح هذا اليوم عندما خرجت لشراء إفطاري، تجولت في منطقتي باحثًا عن عربة فول حتى وجدت عم صلاح يبيع كعادته من بعد الفجر منذ كنت صغيرًا. أمسكت بإفطاري في الأكياس البلاستيكية. في الطريق رأيت امرأة تمسك بأكياس بلاستيكية مشابهة، ولكنّها ترمي منها بقايا قطع الدجاج النيئة لأسراب من القطط تدور حولها وتمسك بأطراف ثيابها. تلتقط بأفواهها الجائعة هذه البقايا، والحق أنّها كانت بقايا كثيرة، ولكن حال المرأة أغرب ويتضح ذلك من هيئتها. هي عجوز ربّما بين الخمسين والستين، أنفها مقوس، وخصلات شعرها بيضاء تتدلي من غطاء للرأس لا يستر إلّا أعلي رأسها، وجلبابها متسخ، وترتدى شبشب قديم. تحرك شفتيها وتتمتم بكلمات غير مسموعة، ربّما لا تسمعها إلّا القطط، تنظر حولها يمينًا ويسارًا بالتفاتات متشنجة، ثم تعاود رمي أرجل وأمعاء وأجنحة الدجاج للقطط. لا تهتم سوى بنظرات هذه القطط. غائبة عن العالم. قد تابعتها بنظري وأنا أعبر في لحظات فحسب .

وتساءلت: يا تري ما سرها مع هذه القطط؟!

في ساعة أخرى

  •  أتحبين الروايات الرومانسية؟
  • أحب الجيد منها.

هكذا جاء حديثنا، وعلى اليمين واليسار متاجر ومحال للملابس من ماركات عالمية تحت أسماء مضيئة تظللها سماء الليل. تسكن المحال الأدوار الأرضية من عمارات وسط البلد القديمة. سارت معي تتأمل هذه المحال، ولكنّها توقفت عند كتب مفروشة على الرصيف. تحفز البائع، ولكنّها ظلت تنظر فحسب. وقفت ونظرت بدوري للكتب المنشورة تحت قدميّ. 

  • لم ألحظ هذه الرواية وأنا قادمة.

لا تزال تضم كتابيها إلي صدرها وهي منحنية تنظر للرواية. 

  • هذا الكاتب له أعمال في السينما تحقق إيرادات عالية. الجميع مهووس برواياته.

ابتسمت، ثم نظرت إلي.

  •  إنّه حرفي ماهر، ولكنّه ليس بكاتب حقيقي.

لم أفهم الشطر الأخير من جملتها. ماذا يعني أن يكون المرء كاتبًا حقيقيًا؟

ولكن لم أهتم بسؤالها، كانت هي مَن تهمني.

لا يكفي يوم واحد لتتعرف على فتاة. لن تعرف أكثر من 30 أو 40%  إذا كان حديثك عميقًا، هكذا يقول الخبراء! ولكن عندما تكون مثل غلاف كتاب يعجبك، تبدأ القراءة، ولا تهتم متى تنتهي ساعة القراءة؟ أو إلى أين ستصل؟ إنها لذة المرة الأولى. وهي مرتي الأولى حقًا أن أسير مع فتاة في وسط البلد من دون مخاوف، أو اهتمام بالوقت، أو جهة السير، لا يشغلني منها إلّا

ابتسامتها وأنا أعبر معها إشارات المرور، وحديثها معي طوال شارع طلعت حرب إلى أن خرجنا لميدان التحرير. ساعة لا تنسى. هذه الشخصية تهتم بالأدب حقيقة، ومنفتحة على مَن يشاركها اهتماماتها، وقد تصنعت هذا الاهتمام في البداية، ولكن في النهاية أحببت الأدب منها، وأدركت أنّه قد فاتني الكثير في حياتي لأقرأه. 

انتهت هذه الساعة، عندما لاحت في الأفق إشارة محطة المترو، قالت:

  • لقد تأخرت. سأستقل المترو.

صدمني الواقع. هل انتهي ذلك حقًا؟ كانت الساعة لا تزال التاسعة، ولكنّه وقت متأخر لفتاة مثلها.

تنظر إليّ مع ابتسامة أقرب ليقين بأنّها ستراني ثانية، ربّما في هذا الصالون الثقافي الشهري الذى أخبرتني عنه. هي لا تدرك أنّها إحدى أيام حياتي، يوم سيمضي وربّما لن يعود. لا تعلم أنّ لقائي بها محض معجزة، وصفقة مع رجل غامض. هل أودعها الآن؟ قد لا أراها ثانية! أردتها أن تترك لي أثر، لمعت ببالي فكرة.

  • هل نجلس لخمس دقائق على هذا المقعد قبل رحيلكِ؟ أعلم أنّها المرة الأولي للقائك، لكن خطرت ببالي لعبة لا يمكنني مقاومتها، ولا يمكنني خوضها إلا معكِ. 

نظرت إليّ بابتسامة عريضة، ودهشة. 

  • أيّة لعبة؟

في ساعة قبل ذلك

في هذا اليوم في شارع ممر الألفي، هناك بائع متجول عشريني يحمل على كتفيه ما يبيعه. يقف لثوان بعد إرهاق اليوم الطويل، وقد سرحت عيناه دون قصد منه إلي سُمية، امرأة ثلاثينية لها طاولة جوارب في أحد أركان الشارع. يراها كثيرًا منذ شهور. يلقي عليها السلام أحيانًا أو يمزح معها بخفة. تقف وحدها؛ بائعة متجولة في هذا الشارع. يا لها من شجاعة! عندما ينظر إليها مطولًا يشعر بوخزِ في قلبه. في العادة يتجاوز هذا الشعور بالاهتمام بشيء آخر، أو بالمزاح.

يفيق على يد صديقه على كتفه؛ بائع آخر.

  • هل عرفت بما حدث البارحة؟

ينظر إليه جاهلاً.

  •  على هذا المقعد جلس سكير، مر بعض الشباب فرأوه وأرادوا العبث معه، وتسلية أوقاتهم. أخذوا يصورونه وهم يضايقونه فأطلق العديد من الشتائم والسباب. بادلوه السباب بسباب وهم يضحكون، ثم تدخل أحد أصحاب المحال بعد أن أغلق.
  •  هل كانت سُمية موجودة؟

بدا متوترًا وهو يسأله.

  • لا، لم تكن موجودة، أنت تعلم أنّها تغادر في العاشرة. حدث ذلك بعد منتصف الليل.

ثم أثناء حديثهما ظهر أمامهما شاب أتي كأنّه يبحث عن مكان لأول مرة. قامته متوسطة، وجسده رفيع. بشرته قمحية، وملامحه ساذجة. أنفه طويل، وشعره أسود مجعد كخواتم الأصابع. 

  • أين (ركنة ملوكي) إذا سمحت؟

سحب البائع يده من على كتف صاحبه، ونظر للسائل وهو يشير بإصبعه.

  •  أمامك في هذا المبني. اصعد السلالم فحسب.

كانت الخامسة وعشرين دقيقة مساءً.

في ساعة أخرى

في التاسعة والنصف مساء يجلس مريد في هذا اليوم بأنفه الطويل في حديقة مجمع التحرير يراقب بعينيه رقصات عشوائية علي البلاط الناعم المصقول حيث الباحة أمام مجمع التحرير، فتيان وفتيات يمارسون رياضة التزلج بالأحذية ذات العجلات، ويؤدونها كأنّها رقصات تحت سماء الليل، ولا يعرف أحدهم الآخر. إنّه وقت مناسب ليفتح هذا الظرف الذى أعطته إياه مرمرية. كانت فكرة اللعبة – بعد أن لاحظ مريد في حقيبة مرمرية المفتوحة جوابات وردية صغيرة فارغة، أخبرته بأّنّها زائدة عن حاجتها- أن يكتب كلًا منهما للآخر سؤال في هذه الجوابات، ولا يفتح الآخر الظرف إلّا بعد رحيلهما. وعندما يري مريد مرمرية ثانية يجيبها عن سؤالها، وتجيبه عن سؤاله. حمل مريد قلمًا معه في جيب ثيابه، لم يكن يعلم بوجوده، ولكّنه اكتشفه أثناء السير. لم تكن مرمرية تحمل قلمًا، لذا استخدما قلمه.

جلس مريد ماسكًا الظرف وقد رحلت مرمرية، ينظر لهؤلاء الراقصين الهواة، والأسر السعيدة الجالسة على جوانب الميدان، وفوق عشب الحدائق. ابتسم وشعر بشعور دافىء في صدره رغم الهواء البارد بعض الشيء من حوله، ثم فتح الجواب ببطء ونظر لأحرف مرمرية المتشابكة التي تكّون سؤال بخط جميل:

“ما الحب؟”

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: