شذا لاشين تكتب: علاقة سامة تقودك إلى قبلة حياة

مراجعة لغوية: عبد الرحمن شريف

تعُجُّ السوشال ميديا بشعارات تدعو إلى الهروب من الشخصيات المؤذية (toxic)، وانتشر رافعو شعار علم النفس من life coaches وinfluencers بعدد شعر الرأس من التخصصات التي إذا قام فرويد الآن من قبره، لبرّأ علم النفس منها جميعًا. وملئوا حياتنا بشعارات تحذيرية ومخيفة، كلما فتحتُ فيديو وجدتُ أصابع الاتهام تتجه نحوي بشكل أو بآخر، “ابتعد عن الشخص كثير الشكوى!” و”احذر مصاصي الطاقة!” و”إننا نتجه بمجتمعنا لمجتمع سيكوباتي!” و”فِر من النرجسي كما تفر من الأسد!” 

أصبحتُ أشعر بالانزعاج من كم الأصابع المشارة إلي بالاتهامات، وأمسيتُ كل ليلة أراجع نفسي: هل أنا شخص توكسيك؟ هل أنا من مصاصي الطاقة؟ لا لا هي جارتي حتمًا من تبتزني عاطفياً! وفي غالب الأمر أنا لا أعلم تحديدًا ما معنى” الابتزاز العاطفي” أنا فقط اتهمتُها بالابتزاز العاطفي بعد أن سمعتُ المصطلح في فيديو من ثلاث دقائق وأنا أشرب شاي العصرية؛ حتى أُبعِد كل أصابع الاتهام الموجهة نحوي. سئمتُ من كل التصنيفات، والاتهامات، والمصطلحات. واستيقظتُ ذات صباح وقررتُ أن أمحو كل علامات see first التي وضعتها لأصحاب الأكونتات الذين يشيرون إلينا باستعلاء ويمنعونا من أن ننخرط مع بعضنا البعض كبشر بعفوية وسلاسة. 

حسنًا، سأفرُّ حتمًا من كل الشخصيات التوكسيك إذا كان باستطاعتي الفرار من أمي ومن مديري بالعمل وسائق الميكروباص وصديقتي المقربة، وربما زوجي. سأفرُّ بلا شك إذا سنحت لي الفرصة بأن أعيش معزولةً تمامًا عن العالم في جزيرة تحدُّها المياه من الأربع جهات وبها بيت واحد من غرفة واحدة بها سرير واحد لفرد واحد. ولكنني لن أقدر على فعل ذلك، ليس فقط لأني لا أملك رفاهية أن أمتلك جزيرتي الخاصة، بل لأنني بطبيعتي كائنٌ اجتماعي يستحيل علي العيش دون بشر. فالإنسان لا يستطيع العيش وحيدًا تمامًا حتى وإن كان طرزان، فلقد تربّى طرزان وسط مجموعة من أكثر الحيوانات ذكاءً التي تقرُب البشر في تصرفاتها، وما أن رأى بشرًا حتى صاح: “أيوة أنا أهو، علموني! مش حاسس غربة وأنا وياكو يا أغراب.” بأعلى صوته. 

في البداية، فلنفرق بين الأذى والألم، الأذى هو الضرر الذي يسببه أحدهم لك أو الذي قد تسببه أنت لنفسك، فالأذى يحتاج فاعل ومفعول به، وفي العادة نتجنب جميعًا ما يؤذينا بفطرتنا ما أن أدركنا أنه أذى، ما لم ندرك ذلك، فإنه لن يعتبر أذى على الإطلاق، بالعكس قد يعتبر احتياج ما يعطينا معنى، فإنك لن تتأثر بأذى أحدهم إلا إذا كان هذا الشخص قد قدم لك بالفعل ما قد احتجته في فترة معينة من حياتك، وبسبب ما قدمه استطاع أن يصل إلى المكان بداخلك الذي يسمح له بأذيتك. إذًا هو شخص مهم ومؤثر وله بصمة كبيرة. وهذا ليس استعذابًا للأذى بمازوخية، إنما هو نوع من التعايش معه، ووضع الأمور في حجمها. إن كان لا يخلُ كل منا من الأذى وبكل الأحوال تسببنا في الأذى لأحدهم هذا لا يمنع عنا الخير، دون استعذاب للضرر ودون جحود للخير الآتي إليك حتى وإن كان على كفي ذئب. والمقولة الشهيرة لعمر بن الخطاب “اعتزل ما يؤذيك.” في محلها تمامًا، فلقد قال “ما يؤذيك” وليس من يؤذيك، فمن البديهي أن ندفع ما يؤذينا بعيدًا عنا، أما اعتقادك أنك قد تعزل نفسك تمامًا عن كل شخص مؤذ وتعيش في مدينة فاضلة بلا سُمية فهذا قول آخر وهو غير واقعي. يمكننا اعتزال الأذى باعتزال السلوكيات المؤذية فمن المستحيل أن نجد شخصيات ملائكية بدرجة سُمية صفر بالمئة، ولا أن نجد شخصيات مؤذية بدرجة سُمية تصل إلى مئة بالمئة. كلنا مزيج بين هذا وذاك.

 أما الألم فهو الشعور الذي يشعر به كل منا بسبب ما وقع علينا من ضرر، هو الشعور الداخلي الذي يصاحب المرء إذا ما وقع عليه ضرر ما، وهذا الألم لا يراه الآخرين، ولا يدوّي له أرجاء المكان. فالألم ليس له صوت، إنه خفي، لا يدركه إلا صاحبه، لا يوجد موسيقى تصويرية في خلفية الأحداث كما في الأفلام إذا ما شعر البطل بالألم، قد يمرُّ أكثر المواقف عليك إيلامًا دون أن يدري أحد بما تشعر. وإذا سمحنا لأنفسنا للشعور بالألم، سيكون هذا مكمن النضج والتطور الشخصي في الحياة.

هل بدأت ذاكرتك الآن في استدعاء كل تجاربك المؤلمة؟ فلم يتوقف الزمن حينما تألمت بسبب تلك الفتاة الصاخبة التي حطمت قلبك وأنت شابٌ يافع لم تدرك بعد كيف تسير الأمور في ساحات الحياة والحب والخداع. ولم يسمع أحد صوت نحيبُكِ الداخلي آنستي في تلك الفترة المظلمة من حياتك التي لم تخرجي منها إلا مؤخرًا وبعد عناء كبير حينما سرق قلبك ذلك المخادع بمهارة وفتته إربًا ووقف متبجحًا على حطام قلبك ساخرًا من ألمك. نعم سيدتي أقصد تلك اللحظة التي علمتِ فيها بخداع صديقتك المقربة وسرقتها لزوجك الأبله ولم يعلو صوت الموسيقى في خلفية المشهد. هل شعرت بالشفقة على ذاتك حينما تذكرت تجربتك المؤلمة التي سلبتك مفهومك المسالم البريء عن الحياة؟ لا مانع بأن نشفق على ذواتنا لبعض الوقت، ولكن فلنشفق على ضحايانا مع ذلك؛ فلم تخلُ حياة أيًا منا من ظلم الآخرين أبدًا. علمنا بذلك أم لم نعلم، اعترفنا بذلك أم لم نعترف، كل منا بدون شك كان الشرير بقصة أحدهم. لا أنفي وجود شخصيات درجة السُميّة في دمها نسبها أكبر بكثير مما قد نتخيل، فلقد دمّرت تلك الشخصيات السامة حيواتٍ بلا رحمة.

وعلى كل الأحوال، لا تبتئس، فيكاد يكون مستحيلًا أن يعيش المرء بلا أذى وبلا ألم. فإذا تخيلنا الآن سيناريوهات مختلفة تمامًا، وبدلًا من تلك القصص المليئة بالأذى والظلم والاعتداء، فلنتخيل حياة بلا أذى، بلا شخصيات توكسيك، حياة خالية من التجارب المؤلمة مثلما فعل والد ذلك الأمير بأن حجبه عن كل مآسي الحياة من مرض وفقر وغيرها حمايةً له من شرور العالم. لقد فقد الأمير عقله، وهرع إلى الشارع ليعيش متسولاً لسنوات عديدة من حياته. وبعد أن تسكع لسنوات متشردًا يصارع المرض والفقر والألم، عرف أن هذا ما هو إلا تطرف جديد يشبه تطرف والده في حجبه عن كل الآلام وجلس ليتأمل تحت شجرة وأصبح بوذا. لم يصبح بوذا بوذا إلا بعد أن خاض كل مهانات العيش والتشرد والخوف والمرض والفقر. ربما كان الأذى الذي نتعرض له هو الذي أنقذنا من أن نرتمي في أحضان الشوارع لاهثين إلى المآسي، ربما الأذى الذي تعرضنا له بمقداره ذلك كان أفضل شيء على الإطلاق. 

معظم الفلسفات أكّدت على أن الإنسان كائن يسعى للسعادة ويبتعد عن الألم، إلا بعض الفلسفات مثل فلسفة نيتشه عن الألم، يبرز الألم كمؤشر ومُعلّم ونورٍ يهتدى به في طريق العلم. عاش نيتشه حياة مليئة بالألم، ولم يسع يومًا لتخفيف ذلك الألم عنه زعمًا منه أنه ما يهديه لأفكاره المستنيرة عن الحياة، ولقد قدّس الألم لدرجة أنه قال: “إلى كل الأشخاص الذين يهمني أمرهم، أتمنى لهم العذاب والكآبة، سوء المعاملة والإهانات، احتقار الذات العميق، وعذاب الشك في النفس.” أن يتمنى نيتشه مثلما أمنية لمن يهمه أمرهم يدعو للتأمل، هل حقًا وجد في الألم والمعاناة مبتغاه؟ يبدو كذلك. وإن كان نيتشه يقدّس الألم كمعبر للوصول للفكر المستنير، اتخذ الصوفية الألم جسرًا للقاء الروح المختبئة وراء الجسد، تمادى العبد الفاني في تجاهل ما يعاني الجسد من آلام أثناء مناجاة الله، فمثلاً قيل أن عود قصب دخل في عين رابعة العدوية وهي تسجد ولم تشعر بالألم حتى انتهت من صلاتها، وكان المتصوفون يسعون لاختبار شتى الآلام قصدًا بها التقرب لله، والهيام بحبه. 

إذًا، فالألم ليس للاستئصال، للألم معنى ووظيفة مهمة في حياة كلٍ منا، إذا اعتبرناه جزءًا من حياتنا وتعاملنا معه بحكمة، ربما قادنا لأعظم الأشياء فينا. ربما إذا تصالحنا مع وجوده الحتمي، استطعنا اختيار ما نتألم من أجله، فإن كان لا مفر من الألم، فليكن لألمنا معنى. تمامًا كما قال المتنبي: “إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم، فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم.” الألم واحد، ولكن ما نتألم من أجله هو ما نختاره بأنفسنا.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: