رغد كمال تكتب: عابر رصيف

“كم عدد المرات التي ذهبنا فيها للسرير وتلقائيًا أغمضنا عيوننا لكن هيهات للعقل أن يهدأ!

ومع اختلاف الشخصيات وتفكيرها نجد من ينتظر اختبار دراسي، آخر ينتظر قبول لعمل، من يفكر بحبيبة بعيدة، مريض ينتظر الشفاء، فقير بلا مأوى يفترش الأرض بجانب مقهى فخم يحن للقمة هنية!.

وبين عقل وعقل اللانهائية من التفكير!.”

أنهى ندوته كأي ندوة أتقنها للتأثير في الحضور، اعتاد كريم على هذا: الصعود على المسرح الوقوف باتزان، سرد القصص والشِعر وبالطبع مايك صغير في جيب قميصة.. 

تارة يخفض صوته لإثارة فضول الجمهور وتارة يرفع صوته ليكسبهم الحماسة. يعرف جيدًا كيف يخطو ومتى يتوقف،

 متى يسحب الكرسي ليجلس عليه ومتى يخلع سترته ليضعها على الكرسي،

يعرف كيف يختار قاعات ندواته وكيف يروج لها ببراعة، كقاعات السينما كراسي مريحة، إضاءة جلية، قاعة كبيرة مجهزة بتقنيات مهمة لكن تطورها لا يلفت الانتباه عن المتحدث.

تصفيق شديد عند مناداة اسمه للصعود على مسرحه وتصفيق عند الانتهاء.

كم يحب هذا الشعور يبتسم ابتسامة تزيد رونقة عندما يتذكر إحدى جمل فيلم wonder: “ربما لو كنا نعلم فيما يفكر الآخرون، كنا سنعرف أنه لا أحد عاديّ، وأن جميعنا نستحق الوقوف ليُصفَق لنا على الأقل مرة واحدة في الحياة.”

يشعر بالرضا لبعض الوقت، ينهي ندواته ليذهب إلى مكانه المفضل مقهى جميل في المنتزة يطل على الشاطئ، عند الشاطئ يوجد العديد من البواخر والمراكب. يأخذ دفتر الطلبات ودون تفكير يطلب فنجان قهوة ليعدل مزاجه مع قطعة حلوى.

يجلس واضع يد على خده والأخرى يشرب بها القهوة التي يرفعها بكل هدوء إلى شفته ليشعر بمذاقها المعتدل ويستغل عينه لتأمل جمال الطبيعة أما أذنه يترك لها العنان لسماع صوت البحر، يتخيل نفسه في مركب كبير بسبب مُقدمة المطعم التي تبدو كسفينة.

بعد ندوته الصباحية وإفطاره اللذيذ يأخذ قيلولته التي تسبق الغداء.

وهكذا يمر يومه.

بالطبع مع قراءة بعض الروايات ومع كل رواية يعيش مع أبطالها ويترك العنان لخيالة الذي لا حدود له.

يُحضر حقيبته ويأخذ تذكرة السفر إلى القاهرة، بعد وصوله محطة القطار في الساعة الحادية عشر كان أصدقاء طفولته ينتظرونه هناك ليتسكع معهم.

ثم يذهب ليقابل عمته في الساعة الرابعة والتي لا تمل من فتح موضوع خطبته:

: لديك المال والشقة والعمل.

ما شاء الله غير أخلاقك ودينك،توكل على الله يا ولدي و..

يجاريها في الحديث دون اهتمام مع ضحكة ساخرة، وحديث في النفس: آه اعتدت الهدوء والوحدة! ما فائدة زوجة، وأولاد ومصاريف.

يستأذن من عمته للذهاب إلى الشرفة، يتأمل السماء وسحبها، حتى أنه حفظ أشكال السحب: منها الكثيف الذي يُشكِل فيها رسومات بعقله من بط إلى ورود إلى رجل يبتسم إلى فتاة حسناء.

منها الخفيف كأنه شال على فتاة لها عيون زرقاء ترتدية في الخريف.

يشعر بحب السحب للقمر عندما تخفيه، وكأن قمرها حزين فتقوم باحتضانه.

كطفل يشعر بالبرد في ليلة شتاء فتحتضنه أمه. أما ذلك الوقت الذي تكون فيه بلا سحب فتُبين له صفاء العبد الذي ترك كل شيء خلفه وعاش لذة الطاعة مع ركعتين الفجر. لم ينتظر أن تصل الساعة الحادية عشرة حتى يغط في نوم عميق ويستيقظ بعدها فجرًا، ثم يصنع له شطيرة مربى مع كوب شاي ساخن ليبدأ يومه، فيذهب إلى النيل في السابعة للتمشية، وبعدها يوقف سيارة أجره: برج القاهرة، من فضلك.

يتفحصه السائق بتمعن ثم بعدما يركب بربع ساعة: أكيد حضرتك مش من القاهرة؟

وقبل أن يعطي لكريم فرصة للإجابة يكمل: شوف بقالي كام سنة عايش هنا عمري لا رحت الأهرامات ولا برج القاهرة ولا غيرهم.

وأثناء تفكيره بتحليل منطقي بأن من تكون الأشياء قريبة ومضمونة منهم لا يعطيها أهمية إلا بعد فوات الأوان، لكنه يكتفي بابتسامة بعد أن يخبره السائق بوصولهم، يعطيه ثمن الرحلة ثم يتركه، ويذهب إلى شباك التذاكر، وبعد دفع تذكرته يصعد إلى المصعد ليصل إلى قمة البرج، وعند وصوله يجد طفل صغير يتمنى لو يحلق عاليًا يقترب منه مبتسمًا ويحمله ليشاهد الاثنان معالم القاهرة، ثم يودعه بابتسامة ودودة، يصل للمحطة وهناك يبحث عن كرسيه المخصص فيجلس عليه وينتظر تحرك القطار، وبعد بداية الرحلة يضع سماعاته وبالطبع يمعن في تأمل الأشجار وهي تتسابق مع القطار، ثم يخرج كتاب ويبدأ في قراءته ليخفف عنه طول الرحلة حتى ينام نوم عميق لم يستيقظ منه إلا عند وصول القطار.

في اليوم التالي يجلس في مقهى في ستانلي يراقب جمال الكبري وهو يرشف من قهوته، بعد شرب القهوة يطلب شطيرة جبن مع عصير فواكهة طازجة.

يبقى هناك فترة، لم يشعر بها بالزمن وهو يراقب الناس التي تدخل: أب مع طفلته الجميلة، مجموعة أصدقاء أصواتهم عاليه على حسب ظنه عددهم خمسة وأعمارهم متقاربة، ثم رآي فتاة راقت له تجلس وحدها تتأمل مثله جمال الكبري، تذكر كلام عمته فتردد لمدة هل يقوم ليحادثها أم يبقى مكانه بقى على هذه الحال لمدة، تارة يحرك الكرسي للخلف للقيام من مكانه ثم يرجعه، ثم يعيد الكرة يحرك الكرسي ثم يرجعه، حتى إنه قام مرة من مكانة ليغسل وجهة يعقد العزم عندما يعود سيذهب لها للتعارف وعند عودته يقف ثانيتين بجانب طاولته ليذهب لها..

ليقطعه صوت طفلة في العاشرة من عمرها: أمي، هل أضع له المال، المسكين نائم على الرصيف بملابسه الممزقة، يلتفت يمنة ويسرة ليبحث عن المسكين فيتذكر أنها تتحدث عن مرآته يقوم بثقل شديد ويجر قدمية جر ليتسكع في شوارع الإسكندرية ويعيش يوم جديد مع روتين جديد وغلاف آخر لا ينتمي له!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: