محمد سميح يكتب: الحب في بار كاليثيا

مراجعة لغوية: شذا لاشين

أكشف البحر من الشباك الجانبي، وثلاث زجاجات  فارغة أمامي على التربيزة، أمعن النظر في وجه الفتاة التي تجلس على التربيزة المجاورة، أتأمل ملامحها، عيناها الضيقتان، شعرها المجعد، يدها التي تخفي بروز أسنانها مع كل ضحكة عريضة، وتلك الزجاجات التي تهتز على التربيزة وكأنها تشاركها كل ضحكة، لم تكن الزجاجات أمامها فقط التي تهتز، كان النور أيضًا يهتز، فركت عيني وقلت: “يقطع البيرة”. وعندما استقر النور وتوقف عن الاهتزاز، عاودت النظر إليها من جديد، ذهب ذلك الرجل الذي يجاورها إلى الحمام على الأغلب، المهم أنها بقت وحيدة، ولا يحتاج الأمر سوى نظرة مني وضحكة منها، بدأت تضحك لي فعلاً، فكرت في الذهاب لأحدثها سريعًا قبل أن يعود ذلك المغفل، لكن في منتصف تلك الضحكة، توقف كل شيء، لم تكن فتاة عادية، لقد كانت شبح متحول، يأخذ صورة”سوسن”.

طالما طاردني شبح “سوسن” فى كل مكان أهرب إليه، لم يخفها عن عيني دخان السجائر الكثير ولا احتساء زجاجات البيرة، ولا حتى تدخين الحشيش، وعندما أذهب إلى السرير مع أي امرأة أخرى،  تظهر بوجهها وتختفي كما يلعب النور تمامًا، ويحتل وجهها وجوه النساء الأخريات، عشت دومًا فى ارتباك بسبب مطاردة ذلك الشبح لي في أوجه كل النساء، حتى مع الهروب إلى كاسات الخمر وقضاء الليالي مع أكواب البيرة، كل هذه الأشياء لم تجد نفعًا، ربما في دخان السجائر ما يحجب وجهها عني، فتتخذ من كل الدخان رسمة وجهها وتبلعني  فاختفي. 

استمر غيام الصورة، بقت اللمبات الصفراء تبث نور ضعيف بسبب توزيعها وتوجيهها، إذ تتحد مع ألوان الحيطان الباهتة، بقت كل الأشياء مرئية ولكن بجودة منخفضة، وأخذ النور يلعب مرة أخرى، وكل شيء يهتز حتى زجاجات البيرة ترقص على إيقاع قوي، وفي داخل الزجاجة التي أمامي مباشرة فتاة تهتز داخل دائرة رسمة البيرة على الزجاجة، تنحني مع الإيقاع الموسيقي إلى الأمام برأسها ويدها اليمين تلوح بنصفها إلى أعلى ويتدلى شعرها المجعد المنكوش مع كل انحناءة للأمام، وترفع منها إصبع وحيد “السبابة” وتدندن “لجل العشق فى بختك ميل” … ثم وقفت ورفعت عينيها في مواجهة عيني، وصارت تهز رأسها وكتفها الأيمن تارة والأيسر تارة مع الإيقاع، حاولت أن أمسك بها ، ففلتت من يدي ووقفت على كتفي الأيمن تغني: “تسكر تبكي”… أمد يدي اليسرى لأقبض عليها، فتجري نحو كتفي الأيسر وتكمل “زى العيل”. 

هربت لمنتصف التربيزة، أشعلت سيجارة وغمزت لي، وأشارت بيدها إلى هذه الزجاجة على يساري، ثم يظهر عقلة إصبع آخر من نفس حجمها يمد يده اليمنى إلى الأمام، وكأنه يحاول أن يُهدأ ما أثارته تلك الفتاة فى داخلي من رغبة في أن أساويها بسطح التربيزة، وفجأة يقفز من رسمة زجاجة البيرة إلى سطح التربيزة، وقف مثبتًا نصف يده ويحرك النصف الأعلى منها إلى الداخل باتجاه جسده ثم إلى الخارج فى وضعية توحي بالشماتة في التحسر على أزمة أحد وبدأ يغنى هو الآخر “لجل دماغك مش مظبوطة  ولجل مغفل فى الحدوتة ولجل علامك لسه قليل”. 

جن جنوني وقررت أن أقتل هذا الكائن المستفز، ابتسمت وكانت هذه الابتسامة تمهيد لضربة من يدي تجعل هذا الكائن جزء من التربيزة، وما أن قضيت عليه، أتى عم ميلاد يحذرني، من تكرار ذلك الفعل، كنت أتسائل في داخلي، هل رأى جريمة القتل؟ هل سيبلغ الشرطة عني؟ لكن تفاجئت أنه يخشى أن أكسر التربيزة مع أني لست بهذه القوة، لكنه لم يهتم لقتل عقلة الإصبع، ربما أعتبر حياته لا قيمة لها، فهو لا يختلف عن وجود نملة في هذا الكون، لا أحد يكترث إن ماتت أو قتلت أو سافرت للعمل في الخليج، لا أحد يهتم بمصير نملة، البشر وحسب هم المهمين، لكن ليس دائمًا، كثيرًا ما يشبه وجود الإنسان وجود نملة في الحياة إذ لا أحد يهتم بمصيره.

بعد أن أنهى عم ميلاد تحذيراته لي، طلبت منه زجاجة ستيلا أخرى، وما أن ذهب ليحضرها، بحثت عن الفتاة، لم أجدها ولم أجد الجثة أيضًا، أحببت شعوري بخوض تجربة قتل وإزهاق روح عقلة إصبع، شعرت بقوة كبيرة وطاقة هائلة، أصبحت رغبتي واضحة، أعرف تمامًا ماذا أريد، أريد تلك الفتاة الليلة لا وقت آخر، وهذا ما سأفعل، لم أعد أهتم إن كانت تجلس مع رجل أو كانت وحيدة، أنا أعرف أني أريدها الآن جدًا، سأقوم وأسحبها وأمضي بها إلى البيت، دون حديث أو شرح أو تمهيد، بعد أن خضت تجربة أن أكون قاتلاً، أشعر وأني سيد كل شيء بهذا الكون، لقد اتخذت قراري.

تركت مقعدي وبدأت أتحرك نحوها، كانت تجذبني كقطعة زجاج لامعة في رمال صحراء مفتوحة للشمس، كانت إضاءة المكان تمنح وجهها درجة احمرار واخضرار يجعلاها تجذبني أكثر، وددت لو ألونها بالضوء الأزرق بنفسي، بعيدًا عن هذا المكان الصاخب، توجهت لها مباشرةً، وقبل أن أبدأ الحديث، سألني الرجل ماذا تريد؟ استجمعت قوتي وأخبرته لا شئ ربما أريد ولاعة! نعم قلت ولاعة وكان الصوت بعقلي يردد أريد هذه الفتاة منك أيها الحقير، ولكني لم أستطع أن أنطق بما يدور في رأسي، شعرت وكأن ذلك الرجل يحبس في عقلي كل الجنون، أخبرني أن سيجارتي بفمي يخرج منها الدخان، لقد فاجئني بذلك! لم أكن أريد ولاعة، لكني لم أكن منتبه لوجود سيجارة مشتعلة في يدي، كل ما قلت: إذًا لا أريد ولاعة… نظر لي بتحدٍ قائلاً : إذًا ماذا تريد؟ … أخبرته أني لا أعرف لا أعرف.

عدت إلى ترابيزتي لأجد زجاجة جديدة أحضرها عم ميلاد، جلست أفكر في طريقة أتعرف بها على تلك الفتاة، ما يهم أولاً أنها لاحظتني، على الأقل أصبح وجهي مألوف بالنسبة لها، ذلك يجعل الخطوة التالية للحديث معها أكثر سلاسة، في كل الأحوال سيضطر ذلك الغبي للذهاب إلى الحمام بسبب الشراب، سوف أحدثها بمجرد أن يذهب للحمام، لا بد أن أتعرف عليها لأنها ستأخذني من حبي لسوسن، أشعر أنها ستكون مفتاح علاجي أو ربما شقائي سوف تذكرني دومًا بسوسن، حقًا لا أعلم! 

وجدت الفتاة تبحث عن سيجارة، بعد أن فرغت علبة سجائرها، لم أفكر قمت مندفعًا تمامًا أقدم لها علبة سجائري مفتوحة، وتطل سيجارة من وسط العلبة لتسحبها بيدها، ابتسمت لي ومدت يدها، لكن قاطعها ذلك الأبلة، قدم لها سيجارة ربما سبقني، ربما كانت تلك الابتسامة له؟ هل يجب أن أسألها، لا لا لا ليس في تلك اللحظة، قررت أني لن أعود مثل المرة السابقة لاحظت أن تلك كانت سيجارته الأخيرة بالعلبة، حركت يدي نحوه سريعًا أقدم له سيجارة، قبلها مني، وطلب مني أن أنضم لهم، أخبرته أني لا أريد أن أسبب أي إزعاج، سوف أعود إلى ترابيزتي، نظرت هذه الفتاة لي نظرة جعلتني مرتبك، جلست في صمت بعد أن قلت لا، وكان ذلك الأبله يضحك على طريقتي غير المرتبة، جلسنا وتبادلنا الحديث، ذلك الأبله كان لطيفًا معي، والفتاة بقت جذابة طيلة الوقت وطوال الجلسة، كانوا من رواد وسط البلد، هؤلاء تجمعهم صداقة، الأبله لا يهتم إن تقربت منها أم لا، والفتاة لا تهتم إن كان من يشاركها الشراب صديق أم حبيب أم غريب أصلاً. 

لم أستطع أن أوجه كلمة مدح لها، لا أجيد تلك الطريقة أعتقد أني رجل جاد في التعبير عن شعوره، كنت أشعر أنها رأت جريمة القتل التي ارتكبتها، حاولت أن أحافظ على هيبة القاتل مع أنها تجربتي الأولى في القتل، ومع أنها لم تكن لرجل كامل من نفس حجمي، كانت لعلقة إصبع لكني دائمًا كنت في انتظار هذه اللحظة التي أقوم فيها بجريمة قتلى الأولى، تعاملت كقاتل محترف حقيقي، وأثناء الحديث سحبت موبايلها، وقمت بتسجيل رقمي، أخبرتها أن تحدثني على ذلك الرقم، نظرت لذلك الأبله سكبت بعد البيرة على سيجارته المشتعلة على طرف طفاية السجاير، أخبرته ألا يفرط كثيرًا في التدخين والشرب، ويجب أن يضع حدًا لهذا، اقترحت عليه أن يشرب قهوة، ومن بعد القهوة يشرب لبن وينام كالأطفال فلا يجب أن يترك العنان لغرائزه كالحيوانات، وما أن سمع مني الأبله ذلك الكلام حتى انفجر في الضحك، لم أهتم، حافظت على روحي الجادة، سحبت السيجارة التي تدخنها الفتاة من بين أصابعها، سحبت نفس وأعدت السيجارة إلى شفتيها ورحلت كأعظم رجال العصابات.

وبعد ثلاثة أيام سكرنا وحدنا – أنا وهى-  واقترحت عليها أن أقوم بتوصليها بسيارتي إلى المنزل، وكنا نحتاج بعض الهواء فركنت على البحر، واشعلنا سجائرنا وتبادلنا الكلام والنظرات وحتى اللمس، إلى أن وجدتني اندفع لأقبلها، وقبل أن أطأ شفتيها توقف الزمن لوهلة بدأت إضاءة مصابيح الشارع تهتز، ثم تحول وجهها إلى وجه سوسن، شعرت بالرعب وتركت كل شيء وركضت وخلفي نفس عقلتي الإصبع اللذان ظهرا لي بالبار، كنت أتفهم ظهور العقلة الفتاة، أما الرجل لم أفهم كيف عاد من الموت، وفي ظل تشوش أفكاري وركضي، كانوا يرقصون فوق كتفي ويغنون: “تسكر تبكي زي العيل”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: