شذا لاشين تكتب: لماذا ابتلانا الله بفيروس قاتل؟

هل توجد حقيقة مطلقة عن الله؟ هل يوجد ملف كامل عن صفات الله بتفسيراتها الذهنية لدى كل شخص لا يمكن الجدل حوله؟ هل فكرة “الله” متشابهة بداخلنا؟ هل يتمثل الإله لكل شخص بنفس الشكل والصفات أم أنه متغير بداخل مخيلة كل منا؟ هل يتراءى لنا الله جميعًا على نفس الصورة؟ أسئلة مثيرة هه؟ للأسف لن تجد أي أجوبة هنا لكنك ستجد الكثير والكثير من الأسئلة.

إذا فرضنا أن الله هو فكرة واحدة ذات سطح واحد لا خلاف عليها بين كل منا، وأن الله له صورة واحدة بأذهان الجميع فمن الصعب جدًا أن نشهد هذا الكم الكبير من التأويلات المختلفة لما نعايشه من أحداث حاليًا. لا أُجزم بشيء فأنا هنا فقط أتساءل. هل الوباء الذي اجتاح الكرة الأرضية وراح يحصد الأرواح كما النار في الهشيم انتقامٌ من خالق الأرض لأهل الأرض على فسادهم في البر والبحر؟ أم هو رسالة من السماء تذكيرية باللجوء لرب الكون؟ أم أنه مجرد عارض من عوارض الكون الطبيعية شأنها شأن الزلازل والأعاصير والسيول وكل الكوارث الطبيعية التي هي جزء من إحكام خلق الكون؟ بكلمات أخرى، هل يعذبنا الله لأننا لم نحسن عبادته؟ أم أن هذا الوباء جزء طبيعي ضمن مجريات الحياة التي تم ضبطها بإحكام خالق مبدع؟ هل الدنيا هي دار حساب أم هي دار اختبار؟ ماذا عن قوم عاد وثمود؟ ماذا عن الآية الكريمة: 

(إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ)؟

 أنا حقًا لا أملك أي إجابات ولكنني متيقنة من أن صورة الله في ذهني خالية من إله ينتقم من عباده لأنهم لم يحسنوا عبادته، خالية من هذا الشكل من الانتقام، إنه المنتقم بلا شك، المنتقم من الظالم المعتدي، لكن منتقم من البشرية أجمعها بإرسال وباء! لا أدري، ولكن ذلك لا يتطابق مع فكرة “الله” الداخلية خاصتي. لا يعني هذا أن علاقة الإنسان بخالقه لا تُثمر عن نتائج دنيوية طيبة قبل دار الحساب، فالقرآن يقول:

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

وفي موضع آخر يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ)

معنى الآيتين يتناسب بشكل مثالي مع صورة “الله” في ذهني؛ فإن أصل الحياة الطيبة يكمن في الوصال بين الإنسان وخالقه، أو بنظرة غربية، إن الحياة الطيبة تكمن في الغوص عميقًا بداخل ذات الإنسان الحقيقية والتواصل المباشر معها، وهو الذي لا يختلف عن ما تم طرحه الآن لأن ما الذات إلا نفخة من روحه، والتواصل العميق والمباشر مع الذات الحقيقية ما هو إلا تواصل مع الله. هذا الوصال القائم يمنح المرء اتزانًا وثباتًا في الحياة عمومًا، لأن المرء في مركزه لا يتخبط بمجريات الكون حوله. تمر الأمور عليه بنفسٍ هادئة راضية مهما عصفت الأعاصير وزُلزلت الأرض من حوله. وإذا ما حاد عن مركزه وانقطع حبل وصاله بذاته وبالتالي بخالقها، فعلت به كوارث الكون أفاعيلها وكان له معيشة ضنكا.

فمثلاً تجد طبيب يقف بصمود وثبات بقلب جائحة قد تودي بحياته ليُطمئن المخاوف ويطبب الآلام ويعالج الأسقام، وتجد فرد عادي يُلقي بنفسه بكامل الرضا في سيول مميتة لينقذ روحًا من الموت المحتم. تجد أناسًا في قلب العواصف الجارفة يتمتعون بقلوب راضية ونفوس مطمئنة قادرة على احتواء مشاعر الهلع للمحيطين بهم، أهُم مطمئنين بالكوارث؟ بالطبع لا؛ إن مصدر هدوئهم هو مركزيتهم واتصالهم بذواتهم الحقيقية.  وبالتالي فإن اتفاقهم مع جوهرهم الزاكي الذي بعثه بهم خالق كريم هو ما أعانهم على مواكبة نوائب الدهر بثبات وصبر وحكمة.

وعلى الجانب الآخر تجد في قلب الأمان رجلٌ مرتاع، وهلوع، وخائف حتى وإن أُحيط بكل أشكال التأمين الظاهرية من أمن غذائي ومالي وغيره. لم تنفعه كل التأمينات الخارجية ولن تنفعه طالما حاد عن مركزيته، وانقطع وصاله مع ذاته الحقيقية، قد يهدأ روعه لبعض الوقت ولكن حتمًا لن تجده يتحلى بالثبات الحقيقي والصبر الأصيل وقت الأزمات.

وهذا معناه أن الأحداث الخارجية ليست هي الشخصيات الرئيسية في حياة الفرد، وإنما علاقتنا بذواتنا وردود أفعالنا تجاه تلك الأحداث هي بالضرورة ما تعطي المعنى الحقيقي للحياة. فالأصل في الأمور هي النفس واستقبالها لكل ما هو خارجي وليس الحدث نفسه. أحيانًا نغفل الأصل ونتمسك بالفرع، ومن السهل على موصول الذات المتمركز بداخله بثبات حقيقي الانسجام مع مجريات الكون بسلاسة والاشتباك مع الواقع بفعالية أفضل وإنتاجية أكبر.

حديثي هذا لا يقف موقف الاستعلاء من كل شخص خائف ومرعوب من نوائب الدهر، أبدًا! على العكس تمامًا؛ هو فقط يُشير للحالين اللتين نتأرجح بينهما طوال الوقت، فإننا نمرّ بأوقات ثبات ووصال حقيقي مع ذواتنا وأيضًا تأتينا أوقات نحيد فيها تمامًا عن مركزنا وينقطع فيها كل حبال الصلة بيننا وبين ذواتنا وخالقها.

ومن الجدير بالذكر، أن التعامل مع نوائب الدهر كونها انتقامًا إلهيًا من البشر يجعل الأمور أصعب عليّ بكثير في محاولاتي لتعمير الطريق الموصول بيني وبين ذاتي وخالقها؛ فلقد خلق الله الكون وأحكم ضبط قوانينه، ومن عظمته، تُرينا تلك القوانين تداعياتها ببساطة. فالكثير من العلماء والأدباء توقعوا مثلما فيروس يجتاح الأرض، إن كان أهل العلم وأصحاب الأموال والسلطات قد تقاعسوا عن التحضير لمثل هذا اليوم، هذا لا يعني بالضرورة عدم ظهوره. يسري الكون في اتجاه مضبط ومحكم حتى وإن غابت علينا حقائقه الكاملة، فلنتعامل معه بنفس قوانينه. فليس من الحكمة أبدًا أن نتعامل مع الأمور بدروشة دينية على اعتبار أنها المنجى، وليس من الأصيل أيضًا الاستهانة بقوة الإيمان الحقيقي الناشئ من العلاقة المتينة بين الشخص وخالقه.

لا شك أن التحرك نحو الإجراءات والاحتياطات التي يدعو بها أهل العلم هي ما يجب اتخاذه موقفًا لا بديل عنه، والإهمال فيما يتعلق بهذا الحذر الواجب علينا جميعًا ما ينبع إلا من مستنقع الجهل بكل صوره المُهلكة، إلا أن تعمير الصلة بين الشخص وذاته التي ما هي إلا نفخة من روحه سبحانه يعين المرء على الثبات والصبر في قلب الجائحة، والانسجام مع متغيرات الحياة التي لا زالت كل ساعة تفاجئنا. وختامًا أقول إني لا أرى الله ينتقم منا، بل أرى خالقًا أبدع خلقه وضبط الكون بإحكام، خلق فينا كل تلك التعقيدات والاختلافات فيرى كل منا “الله” بصورة تختلف كُليًا عن الآخر. أرى إلهي مبدع، خلاق، كريم، حكيم، منتقم لا ينتقم إلا من الظالم المعتدي، حقٌ، وعادل.

2 thoughts on “شذا لاشين تكتب: لماذا ابتلانا الله بفيروس قاتل؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: