أية محمود تكتب: بيومى فؤاد استاذًا جامعيًا

مراجعة لغوية: شذا لاشين

لمحت اسمه في الجدول وأنا أتأكد من أني جالسة في قاعة المحاضرات الصحيحة. فقد مرت ساعة على موعد بدء المحاضرة ولم يحضر الأستاذ بعد، ربما تم تغيير موعدها ولم يخبرني أحد. أخرجت هاتفي من الحقيبة وبحثت عن صفحة الكلية على فيسبوك دون جدوى فعدت إلى ألبوم الصور باحثة عن صورة جدول المحاضرات رديئة الجودة كي أنظر فيها للمرة الأخيرة ففوجئت بالضجيج من حولي يختفي تدريجيًا والزملاء يعتدلون في جلستهم بينما يهرع أحد العمال داخل القاعة حاملاً حقيبة لاب توب يضعها على المكتب الموضوع أمام السبورة ثم يفتح مكبر الصوت فينفخ فيه ويكرر “الله..الله.” حتى يتأكد من أنه يعمل وفي تلك الأثناء يدخل الأستاذ القاعة بخطى مسرعة وفى طريقه نحو مكتبه يرمقنا بنظرة خلف نظارته الشمسية ثم يمضي في طريقه نحو المكتب فيعطي أحد العاملين فلاشة ليضعها فى الجهاز الموجود في القاعة بينما يقوم بتشغيل اللاب توب الخاص به ثم يخلع نظارته الشمسية ويبدلها بأخرى للنظر. يمضي العامل في طريقه للخروج وهو يسأل الأستاذ الدكتور إذا كان يحتاج أي شيء؛ فأخبره الأستاذ أن يحضر له شايًا وهو مثبت نظره على الشاشة ويطقطق أصابعه في إشارة بالانصراف. فيختفي عمو محمد فى لمح البصر وهو يقول له “حاضر يا دكتور” رافعًا ذراعه نحو رأسه فى تحية له. ارتفع حاجبي تلقائيًا تعجبًا من المشهد وانتظرت موسيقى فيلم “واحد من الناس” أو تتر “الوسية” ليتردد في المكان حتى تكتمل دخلة وكلاء النيابة تلك. أثارني الفضول كي أعرف من هو هذا الرجل المهم الذى لم يعرفنا بنفسه حتى الآن فى إصرار على زيادة الإثارة. فنظرت في هاتفي الذى كان مفتوحًا على تطبيق الصور وقرأت اسمه: د/ بيومي فؤاد.

 الكائن البيومي الذي يقدمه لنا بيومي فؤاد كائن مميزًا فريدًا من نوعه بعجرفته وثقته المفرطة فى نفسه وفكاهته التي قد تصل إلى حد السماجة أحيانًا حسب متطلبات الدورولعل أهم ما يميز الكائن البيومي هو أنه حي موجود بالفعل رغم أنه لا يوجد شخصية واحدة تجمع بين كل الصفات البيومية. ولكم وددت أن تجتمع كل تلك الصفات المتفشية بدرجات مختلفة بين أساتذتي فى كيان رجل واحد وياحبذا لو كان هذا الرجل هو بيومي فؤاد نفسه. فمن المؤكد أن حياتي الجامعية كانت سوف تختلف كثيرًا وتصبح أكثر لذة لو أن بيومي أفندي ترك بصمته عليه. فالمشهد السابق ليس بأكمله من نسج خيالي وقد تكررت بعض لقطاته بشكل يومي وكما صورتها دون أي مبالغة. ربما كانت أقل درامية إلا أنها تصبح أكثر حيوية كلما استبدلت أبطال المشهد الحقيقيين ببيومي بل أنها تلائمه هو أكثر. فمن حيث التكوين الشكلي والخارجي لا يشبه بيومي معظم أساتذة الجامعة المعاصرين فقط بشيب شعورهم وألوان بدلهم والكروش المتهدلة منها لكن يشبه أيضًا شخصية تجدها في مبنى الجامعة تتجول وتمر في الممرات كثيرًا دون أن تعرف وظيفتها بالضبط وينتابك شعور غريب نحوها فلا يمكنك أن تعرف إذا كان صاحبها شريرًا أو طيبًا، فاسدًا أو صالحًا حتى تختلط به عندما يكون عندك مشكلة فيخبرك موظفو شئون الطلبة أنه لابد من الذهاب إلىأستاذ فلان.”

اسم (بيومي فؤاد) نفسه له وقع على الأذن ثقيل وجذاب في آن واحد، يجعلك تبتسم إذا قرأته على تتر فيلم لكنه يضعك فى حالة ترقب مستمرة عندما تنشر إدارة الكلية على صفحتها الجداول في بداية الفصل الدراسي فترى فى خيالك ظل أسود ضخم لشبح تخشى أن يعكر حياتك لمدة 3 شهور. أنا لا أعلم من الذي اخترع عادة الربط بين أسماء الأشخاص وانطباعاتنا الأولى عنهم ولكنها ليست عادة خرافية تمامًا. ولو اعتبرنا أن بيومى سيكون من مسببي الإزعاج لطلابهم فلن نجد أفضل منه ليجمع هذا المزيج الانفصامي الذى يدخل عليك متجهمًا كشخصية المدير علوى فى مسلسل بدل الحدوتة ثلاثةقائلاً: “صباح الزفت يا ولادإذا ألقى الصباح أصلاً، ثم يتمنى لك عام دراسي سعيد مليئًا بالتفوق متفوهًا بعبارات التهنئة بلغة عربية فصحى كمدير مدرسة عمر بن الخطاب فى فيلم لا مؤاخذة؟ من غيره يتفذلك وهو يقرأ لك المصطلحات العلمية باللغة الإنجليزية ثم يقول عارفين اسمها ايه بالعربي يا أولاد؟فيخبرك ترجمة شبه حرفية غير مبهرة بالمرة للمصطلح يمكنك معرفتها وحدك لو كنت تدرس شعبة نظرية لم يكن للغة اللاتينية أي دور فى تطورها مثلاً. لن يوجد أنسب منه ليخبرك طوال الوقت أنك في مقام ابنه ويطمئنك أن امتحانه سيكون في منتهى السهولة ثم يخبرك في الثوان الأخيرة من المحاضرة أنه أضاف ثلاثة فصول في المنهج لن يتم شرحهم لأن الدراسة قد انتهت بالفعل ويهرب تماما كما لو قال يا كبير أمك حامل.” وضحك..

بيومي لن يكون أكثر حنوًامن الأساتذة الآخرين ولكنه بكاريزمته سيحسن من يومياتك الجامعية بشكل أو بآخر ويجعلك تتأقلم مع طباعه الغريبة. فعندما يوبخ دكتور تلامذته الصبيان وقد يطردهم بسبب ارتداءهم كاب على سبيل المثال لأنه من وجهة نظره يقلل من الرجولة وغير مناسب للارتداء فى الجامعة ستجد بيومي ينادي عليك بانفعال قائلاً تعالى هنا!! احنا مش قلنا 100 مرة بلاش الكاب ده في المحاضرة، القاعة مكتومة يا بابا شعرك هيتنحل من قدام وتبقى زيي كدا.” وبدلاً من تهرب الأساتذة من أسئلة الطلبة داخل لجنة الامتحان للحد الذى قد يجعلهم ينكرون وجودهم، سيتجول بيومى فى المكان بشكل عشوائي وعندما ترفع يدك وتنادي عليه يقول لك اؤمرنىثم ينصت لسؤالك فيجيب أنا مش قلت دى قبل كدا في  النص الاولانى من المحاضرة الخامسة الساعة ٩وربع شهر اكتوبر اللى فات؟تومئ برأسك بالموافقة رغم أن ليس لديك أدنى فكرة عما يتحدث عنه ثم يستطرد فيسألك سؤالاً أصعب ليتأكد  من أنك لا تعلم شيئًا بالفعل وبينما تحاول أن تسايره يضحك ببيومية عالية ثم يهمس لك مقبول إن شاء الله.” وينصرف. دكتور بيومى يعتقد أنه أذكى من الجميع لذلك ستجده أثناء أول محاضرة من الفصل الدراسي الثاني يخلع سترته ويقول بمنتهى الإستهجان أنه مندهش أن حوالي عشرين طالب قد حصل على امتياز فى مادته رغم أنه أعد امتحانًا في مستوى الطالب المتميز دائم الحضور.

بيومي سوف يتفنن في اعطائك أمثلة توصل لك المعلومة عن طريق رأس الرجاء الصالح، إذ تشت بعيدًا عن الموضوع تمامًا، وغالبًا ما يكون الغرض منها أن تكون مضحكةمن وجهة نظره على الأقلوغريبة تحمل معنى مزدوج حتى يجبرك على الإنصات للنهاية وبعد نهاية يوم شاق تشعر فيه أن رأسك تورمت من كثرة الحديث تستلقي على الفراش فتجد د/بيومى يكتب على صفحته الخاصة على فيسبوك عن الضمير المهنى والإخلاص المتناهي في العمل ويقدم نصائح لطلابه حتى يصيروا مثله فى يوم من الأيام. صفحته على الفيسبوك مدعاة للتأمل فى حد ذاتها، فلو كان بيومى أستاذًا لكان حسابه عبارة عن لوحة تكريم ينشر عليها باستمرار أبحاثه مرفقًا بها تعليق على هذا النحو أتممت بفضل الله تعالى بحث فى الموضوع الفلانيوصوره بين الأساتذة فى المحافل المختلفة وربما ألبوم مكون من خمس صور فأكثر لزيارته إلى إحدى الجامعات الأجنبية المرموقة. أما عن صورة البروفايل فهي صورة له وهو يتحدث في إحدى المؤتمرات العلمية وعادة ما تكون صورة فقدت جودتها نتيجة لمحاولات متعددة لقصها حتى لا يظهر فيها أحد سواه. وفي الصيف يستبدل هذه الصورة بصورة مع العائلة بإطلالة أقل رسمية بكثير مستوحاة من أزياء دكتور ربيع فى مصيف مارينا مع عائلة الكبير (تقريبًا بيحلل فلوس المصيف).

وفي النهاية وعلى الرغم من ذلك كله فإن بيومي ليس مكروهًا بين تلامذته فقد تلمح طالبًا يمشى بجانبه فى الطرقة يستفسر عن جزء فى المنهج، وآخر من دفعة أكبر يصافحه بحرارة بينما كل ما يلتصق بذاكرة الفتيات هو مجموعة القفشات والنكات ذات المعنيين التى ضحكوا عليها. الكل يجد سبب ليحب بيومي بما فيهم أنا رغم أني كنت أختلف معهم فى البداية وألتزم الحياد الشديد في حكمي على الجميع لأن معايير حكمي آنذاك كانت معايير عملية خالصة. فعقد العلاقة بين الأستاذ وطالبه أساسه الخدمة التي يقدمها الأستاذ في مقابل احترام طلابه ولا يشترط أن يتباسط الأستاذ مع من يعلمهم أو يصير صديقهم بالمرة. فكان مقدار الاحترام ومجال التقييم يتوقف عندي في الأساس على جودة العلم المتلقي لذلك كثيرًا ما كنت أشعر أن هناك ثأر ولد بيني وبين أحد معدومي الضمير وكنت أرسل لهم شرارات البغض بعيونى دون أن يلاحظوا. ورغم أنى لم أعد أحمل ضغينة لأحد إلا أنى لا أستطيع أن أعرف إذا كان ذلك دليل على النضج أو أنه مجرد تأقلم. ربما تيقنت أن كل شىء يمضي في نهاية المطاف، أو أن كلنا بشر معلولين ولكن لسنا شياطين، أو أن الحياة أقصر من الاستمرار في حمل الأعباء النفسية. وأن تلك الحياة نفسها خارج أسوار الجامعة بها قدر كبير من الظلم والجور لا مفر منهم ولا نصرة كما لو أننا التحقنا بكلياتنا كي نرى ونسمع كل شيء باستثناء ما يخص مجال ما وعليه أصبح تقديرنا لأساتذتنا معتمدًا على أسباب شتى كلها تتعلق بأشخاصهم.. أشخاصهم فقط.             

One thought on “أية محمود تكتب: بيومى فؤاد استاذًا جامعيًا

  1. سهيرالقلماوى البلاطيه وبنت الشاطئى الجديده بنت اخى الحبيبه ياتو كبرت ياولاد وصارت صاحبه قلم رشيق للغايه ومشرط دقيق حساس فىى تشريح نفوس الناس

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: