شذا لاشين تكتب: إسرائيليان ولكن!

مراجعة لغوية: عبد الرحمن شريف

الأسبوع الماضي قضيت بعض الوقت في طابا بسيناء. اخترتها لقضاء عطلتي كونها مكانًا بعيدًا وهادئًا ودافئًا. لم يكن لديّ أي فكر عن جنسيات السياح الذين تستقبلهم طابا هذه الأيام. فإن عدم مبالاتي تسربت إلى كل شيء ووصلت إلى عدم اكتراثي بالأحداث المحيطة وتطورات المشهد السياسي الحالي. فليس لدي أدنى فكرة عن مَنْ عدو مَنْ؟ ومَنْ حليف مَنْ من أمم تعيش على أي أرض الآن؟ في نفس المكان الذي نزلتُ به في طابا كان يوجد بعض النزلاء الأجانب. لم أكن أعرف بعد من أي البلاد هم، ومن بينهم شابان أحدهما ينظر لي بودّ وابتسامة والآخر يبدو منزعجًا مني ومن وجودي بعض الشيء. لم أكن حينها بصدد إجراء أي حديث معهما؛ فلقد كنت منشغلة بترتيب أغراضي وما إلى ذلك.

في المساء أشعل الشابان النار في راكية أمام البحر مباشرةً، كانت ليلة باردة جدًا، وكان المشهدُ مثاليًا للجلوس والتدفئة بالنار، وشرب الشاي معهما وتبادل ثقافات بلدين يتعرفان إلى بعضهما البعض. بسرعة اتجهتُ نحوهما وجلست وتربعت وبدأت أسأل الأسئلة الشهيرة.

“Where are you from?”

“Israel.”

  جاءني الجواب مُربكًا للغاية. في البداية استوضحتُ الكلمة منهما مرتين ثم انتابني شعور بعدم الفهم والارتباك. هذا آخر ما كنت أتوقع، يا لي من ساذجة، إنني على حدود إسرائيل فمنذ دخولي طابا وهاتفي مقتنع بأنني في إيلات. ماذا كنت أتوقع إذًا؟ ولكنني لم أر قط أي إسرائيلي!

لم تتوقف دماغي عن سرد كل الجمل التي حفظتها عن ظهر قلب منذ صغري: “إسرائيل العدو”، “انتصرنا على الكيان الصهيوني”، “قوات الاحتلال الإسرائيلية قصفت قرية كذا”، “عدد الضحايا الفلسطينيين كذا.” كيف لا يبدو على وجههما كل هذا العنف؟ كنت أتصور أي إسرائيلي يرتدي خوذة حربية ومدجج بالسلاح، فما بالُ هذان لا يرتديان الخوذة الحربية؟ كان أحدهما يحمل جيتارًا للعزف وصوته شجي، والآخر يضع قبعة صوفية على رأسه تحميه من البرد بدلاً من الخوذة الحربية. في تلك اللحظة اختلط علي الأمر كثيرًا، فلم أعد أعرف كيف أتصرف! هل يجب عليّ أن أبصق بوجهيهما مثلاً؟ أم أُكمِل حديثي معهما بشكل طبيعي خالٍ من كل السياقات السياسية والدينية؟ حينها تذكرت محمد هنيدي في فيلم “همام في أمستردام” عندما عرف بأن زميله في العمل إسرائيلي. هل أغضب مثله؟ ولكنني لستُ غاضبة! لماذا أنا لستُ غاضبة؟

أخذ بندول أفكاري يتأرجح بين ما قد حفظته سابقًا وبين مشاعري التي لا تتواءم مع كل هذا الغضب تجاه الأمر. فالشابان حتى وإن كان ينظر إليّ أحدهما باحتقار لكوني محجبة لا يبدوان لي كجنديين مدججين بالأسلحة، ولكن قد يلتحقان يومًا ما بالجيش الإسرائيلي ويشتركان في قصف غزة في إحدى الليالي. الآن كيف أتصرف معهما؟ يا أمي! أين أنت؟ أخبريني ماذا أفعل؟ أمي ليست هنا، حتى وإن تواجدت أمي فإني لم أعد أريد تلقينًا جديدًا يلقى عليّ، كفاني تلقينًا تجاه كل ما يدور من حولي، أريد الآن اتخاذ مواقف تعبر عني وحدي دون تدخل من أي أحد. وأثناء ذروة ارتباكي، هاجمني بردٌ شديد رغم ألهبة النار التي كانت تملأ عيني. اعتبرتُ هذا البرد ردًا قدريًا بشكل ما. لم أبصق بوجهيهما، ولم أحتقر أيًا منهما أيضًا ، وإنما استمعتُ جيدًا حتى أنهى كل منهما التعريف بنفسه وما يعمل وأين يقطن تحديدًا في إسرائيل. وبعد أن انتهيا من كل ذلك، استأذنتُ بلُطف منهما بدعوى البرد الذي شعرت به. كان الأمر مربكًا للغاية؛ فلم أُكِنّ لأحدهما الحقد ولم أُرد أيضًا تكملة الحديث معهما.

بعد أن قمتُ أخذت أؤنب نفسي على عدم غضبها. هل أنا الآن أصبحتُ نتاج التطبيع مع إسرائيل وقبلتُ بوجود إسرائليين بداخل بلادي ينعمون بالسياحة؟ فكّرت كثيرًا في ردود أفعال أخرى غير ما فعلت. كان الأمر أكثر تعقيدًا مما بدا عليه؛ فلقد كان سياق لقائي بهما سياقًا خاليًا من كل الصراعات الدائرة في كل مكان وزمان رُفِع به سلاحًا وقُتِل به طفلاً بريئًا وأُسِر به مجاهدًا من المجاهدين الأحرار. كان سياقًا إنسانيًا خاليًا من كل تلك الصور. ومع ذلك لم تنفك تُعرض تلك الصور في ذهني طوال الوقت. وحتى عند رؤيتي لهما في أوقاتٍ لاحقة، لم أستطع إجراء حديث معهما داخل ذلك السياق الإنساني الخالي من كل العدوان والاغتصاب، لم أقدر على نزع تلك المشاهد من ذهني، لم أستطع رؤيتهما مجرد رجلين أتيا من بلدهما للسياحة. كان يفصلني عنهما صورة محمد الدرة، وصورة ذلك الطفل الملثّم بتلفيحة فلسطين الشهيرة وهو يقذف حجارة على دبابة من قوات الاحتلال الإسرائيلية.

حادثتُ صديقًا وأفضيتُ له عما حيّرني، فقال لي بأني ذكّرته بقصيدة لمحمود درويش كانت عن موقف تصادف فيه مع رجل إسرائيلي في المقهى. يقول درويش في قصيدته:

هُوَ هادِئٌ، وأنا كذلكَ

يَحْتَسي شاياً بليمونٍ،

وأَشربُ قهوةً،

هذا هُوَ الشيءُ المغايرُ بَيْنَنَا.

هُوَ يرتدي، مثلي، قميصاً واسعاً ومُخططاً

وأنا أطالعُ، مثلَهُ، صُحُفَ المساءْ.

هو لا يراني حين أنظرُ خِلْسَةً،

أنا لا أراه حين ينظرُ خلسةً،

هو هادئٌ، وأنا كذِلكَ.

يسألُ الجرسونَ شيئاً،

أسألُ الجرسونَ شيئاً…

قطَّةٌ سوداءُ تعبُرُ بَيْنَنَا،

فأجسّ فروةَ ليلها

ويجسُّ فَرْوَةَ ليلها…

أنا لا أقول لَهُ: السماءُ اليومَ صافيةٌ

وأكثرُ زرقةً.

هو لا يقول لي: السماءُ اليومَ صافيةٌ.

هو المرئيُّ والرائي

أنا المرئيُّ والرائي.

أحرِّكُ رِجْليَ اليُسْرى

يحرك رجلَهُ اليُمْنَى.

أدندنُ لحن أغنيةٍ،

يدندن لحنَ أُغنية مُشَابهةٍ.

أفكِّرُ: هل هو المرآةُ أبصر فيه نفسي؟

ثم أَنظر نحو عينيه،

ولكن لا أراهُ…

فأتركُ المقهى على عَجَلٍ.

أفكّر: رُبَّما هو قاتلٌ، أو رُبّما

هو عابرٌ قد ظنَّ أني قاتلٌ

هو خائِفٌ، وأنا كذلكْ!

 درويش أيضًا غادر المقهى ولم يبصق بوجه الرجل. 

2 thoughts on “شذا لاشين تكتب: إسرائيليان ولكن!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: