شذا لاشين تكتب: أنا القلق والقلق أنا

مراجعة لغوية: عبدالرحمن شريف

في 2017 وصل القلق لذروته؛ فلجأتُ للطب النفسي وكان الرد يتلخص في تشخيص من كلمتين “anxiety disorder-اضطراب قلق” ذكره الطبيب بالإنجليزية وأصبحت أردده أنا بالتبعية بالإنجليزية لأن المصطلح يبدو أشيك هكذا، ولأن كلمة “قلق” ما زالت تربكني إلى الآن. وكأي طبيب نفسي اقترح عليّ بعض الأدوية، وكإسطوانة محفوظة لدي رفضتُ كل العقاقير المعنية بتحسين حالتي. وفضلتُ الpsychotherapy. وها أنا ذا أخضع للعلاج منذ ثلاث سنوات، عانيتُ ما عانيتُ من مطبّات الرحلة والآن أستطيع أن أسرد بعض تفاصيل التجربة.

 كنت كما الكثيرين شغوفة، طموحة، منظمة، ولدي خطة لكل شيء أفعله بالحياة. كل الخطط تنجح وسيطرتي على الأمور تكاد تصل حد الكمال. كان محركي الأول والأخير هو القلق، منذ صغري كنت طالبة متفوقة ليس رغبةً في التفوق ولكن هربًا من نظرةٍ قد تؤذي مشاعري من معلماتي أو من والديّ. كنت أخشى أن أُزعج معلماتي بالفصل؛ فجلستُ كالصنم في كرسيّ طوال النهار. كنت أقلق من عدم رضا أمي؛ فكنت أراقب أفعال إخوتي الأكبر مني دومًا وردود أفعال أمي تجاهها حتى أكوّن حصيلة معرفية لا بأس بها عما يُغضب أمي فأتجنبه. ابتعدتُ عن أي فعل قد يؤدي إلى نعتي بأي صفة مُخجلة، فعلت كل ما في وسعي وما ليس في وسعي حتى أتفادى ذلك. ونجحت في تكوين صورة رائعة لفتاة مثالية وصدّرتها للمحيطين بي. ولكن ماذا  عني أنا؟ أنا الداخلية الحقيقية؟ ماذا عن تلك الطفلة التي حرمت نفسها من اللعب قلقًا من أن تُنعت بالسخافة؟ تلك التي عصرت نفسها عصرًا لتكون مصدر الفخر لوالديها؟ أين هي؟ ما هي إلا كتلة مشحونة بالقلق المستمر الذي يحركها ويتحرك معها. 

 في البداية لم ألق بالاً لقلقي فلقد كان قابلاً للسيطرة عليه بارتمائي في أحضان أمي وهي تقول لي “كل شيء سيكون بخير” كنت أصدقها وبالفعل كل شيء يتحول ليكون بخير. حتى مررتُ ببعض الليالي الحزينة بدون حضن أمي وعندما كنت أتصل بها لسماع كلمة “كل شيء سيكون بخير” لم يكن أي شيء بخير على الإطلاق. فقدتُ السيطرة على أشياء كثيرة بطبيعة الحال، وفقدت السيطرة على قلقي، فلم يعد هو محركي للتقدم للأمام. فملأني الشعور الأبشع على الإطلاق، الإحساس بالذنب. 

تزامنًا مع إحباطات أصابت الشارع المصري، انهرت أنا بدوري، وانهارت معي قوة احتمالي في الحفاظ على تلك الصورة المثالية عني. فلقد مرت عليّ أيام لا أقوى فيها على رفع شيء من مكانه، وجسدي الواهن لا يفارق غطاء سريري. لم أعد أكترث لأي شيء في الحياة. لا شغف، لا طموح، لا رغبة أصلاً في الحياة. وقعت في بئر الاكتئاب الذي لم يعالج أيًا من قلقي. فالقلق والأفكار مستمرة دؤوبة في التنغيص عليّ في أجمل أوقاتي. وإحساس الذنب لا يفارقني. لم أعد أعرف للحياة معنى، ولم أجد فيها أي متعة، ارتحت قليلاً في الوضع الكئيب الجديد، وتلفحتُ عمامة الاكتئاب لفترة كبيرة بملء إرادتي ظنًا مني أني سأنجو به من شبح القلق المرعب. لم أنجُ. 

قرأت الكثير عن هذا الذي يسمونه “acceptance” قبول السيء بداخلك، يحررك منه. أخذتُ أتخبّطُ لفترة كبيرة عن معنى القبول الحقيقي حتى أكاد أزعم أني قبلتُ بعضًا من اكتئابي وقلقي، فتحرر بعض من الشعور بالذنب. ربما لم أفهم حتى الآن معنى كلمة “let it go” بشكل كامل لأنني حين قبلت بعضًا من جانبي المظلم وتحررت بعض المشاعر، تحرر معها أشياء كثيرة جدًا؛ فغدوت فجأة خالية الوفاض، تائهةٌ في صحراء الحياة. يملؤني رعب ضلال الطريق والتيه. ولكن واحةً بعيدةً بدأت تلوح في الأفق.  ورأيتُ جمالاً بداخلي أبدعه الخالق فيّ، فقدّسته تمامًا كما قدّستُ قلقي. 

ولذا طفا شعوري بكوني مميزة على السطح، وأن معاناتي النفسية هي ما تصقلني وتخرج أجمل ما فيّ كالماس الذي يُنتج تحت الضغط والحرارة العالية -فما معنى ألمي ومعاناتي إذا لم تميزني عن باقي البشر؟- لا أنفي حقيقة أن السماح للألم بالمرور من خلالك يعطيك قدرةً مميزةً عن باقي البشر. ولكن تسرّب إلى هذا الشعور بالتميز رغبةً في خلق هالة لنفسي تتطلب ممن يريد التعامل معي أن يتعامل معي بشكل خاص، ويراعي ما بي من هشاشة وحساسية طوال الوقت. ولأن الحياة لم ولن تعاملني معاملةً خاصةً، أصبحت كثيرة اللوم والشكوى والتذمر. وأصبحت الحياة مكانًا سيئًا قاسيًا لا ينسجم مع نفسي الرقيقة الحساسة؛ وعاد القلق ليطفو على السطح من جديد.

ما لمسته مؤخرًا وساعدني كثيرًا على الخروج من دائرة لوم الحياة على أفعالها بي هو تحمل المسئولية. أن أملك زمام نفسي وأتحمل مسئولية مشاعري، وحياتي، وردود أفعالي تجاه الحياة وما فيها. نعم الحياة قاسية لا تراعي حساسيتي ورهافة إحساسي، وقادتني للإصابة باضطراب القلق والاكتئاب، لكن هل فادني التذمر ولوم الآخرين؟ لوقتٍ طويل لم أفعل إلا ذلك،  ثم ماذا جنيت؟ لم أجنِ غير خلافات بيني وبين من حولي زادت الأمر سوءًا ولم تحل أيًا من مشكلاتي. لا أسلب نفسي حقها في الشكوى والتذمر واللوم، فلقد كانت مرحلة مهمة قادتني لما يليها وبدونها ما كنت سأكتب ما أكتب الآن. ولكنني انتبهتُ أنها مجرد مرحلة وحان وقت تجاوزها، والتوقف عن الإشارة بأصابع الاتهام لمن حولي كسبب في مأساتي.

 لم أختر معاناتي ولا ذنب لي في حدوثها، ولكن حدث ما حدث فمن المسئول الآن؟ أنا الوحيدة المسئولة عن جودة حياتي، أنا المسئولة عن خلق مستقبل مناسب لي. ما أن دخلت هذه الفكرة على محصلة معرفتي، حتى بدأ الارتياح يدُبُّ في نواحٍ عديدة من حياتي. لم أعد أحتاج إلى إلقاء اللوم على أحدهم وإشعاره بالذنب نحو ما أعاني منه لكي أرتاح. وبدأت أتعامل مع قلقي بمسئولية وهدوء. قلقي لا ينتهي ولكنه أصبح خوفًا شجاعًا يحميني من تهوري ولا يحتاج للصراخ عاليًا والرفس كطفلٍ مرعوب عندما تبتعد عنه أمه. قلقي موجود ولكنه لا يحركني ولا يمنعني من الحركة كما كان يفعل في السابق. قابعٌ على كتفي، يهمس في أذني طوال الوقت عن المشاكل التي قد تحدث عند التقدم في أي خطوة جديدة وعند التكاسل عن فعل أي شيء. ربما كل هذا لا يعني لك أي شيء على الإطلاق فهو تجربة شخصية بدرجة أولى ولكنه جسري للعبور نحو منطقة جديدة بداخلي.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: