فؤاد الأخضر يكتب: في المحطة 2

مراجعة لغوية: شذا لاشين

فى محطة مصر برمسيس قابلت مصادفة رجلاً خمسينيًا ذا بذلة سوداء فى مكتبة المحطة، كنت أوصل صديقي وقادني صباح ذلك اليوم لأجلس مع ذاك الغريب، وأتناول الإفطار معه، ثم اكتشفت بأنه مجنون عندما أخبرني أنه مقدرٌ لي مقابلة ألف امرأة جميعهن يعِشنَ فى نفس مدينتي، قد تكون إحداهن توأم روحي، تبحث عنى وهى لا تعرف، مثلما أبحث عنها دون أن أعرف! وأن بعضهن فى هذه المحطة الآن، كان أيضًا يرغب أن يريني إحداهن، وهي فتاة ستحب رؤيتي، ولكنني انصرفتُ عنه غير مصدق. عند انصرافي فى ممر المحطة مرورًا بتجمع المطاعم، داعبني كلب جولدن أمريكي، أخبرني صاحبه أنه أحبني، وحدث أن تذكرت جملة صديقي: ”أيضا الأشرار يحظون بالحب، ألا نستحق الحب؟“

ثم انتبهت لفكرة أن حياتي العشرينية القصيرة لم تكن إلا فترة انتظار طويل، عند كل مرحلة ظننت أن الأحوال ستتغير، ولكن الأحوال لا تتغير من تلقاء نفسها. ولكن هل علي انتظار وقت طويل آخر كي أستطيع أن أحظى بالحب؟ لم لا أحظي به الآن؟ هل لأن الذى معي لا يكفي؟ الواقع يقول: نعم. ففى مدينتي هذه الجميلة المؤمنة، السريعة، المتلكئة، الرخيصة، الباهظة، الرقيقة، القاسية، العجوز، الفتاة، كل شيء ممكن. إنها القاهرة! ذات الألف وجه!

 أثار هذا السيد الغامض المجنون الكثير من الأسئلة، والدوافع، والرغبات بداخلي؛ فلقد أخبرني عن دولة اسمها الحب، وأني أحمل جنسيتها، ترجلتُ إلى صالة المحطة الكبرى، أصوات قطارات وأحاديث غرباء، وافدون من محافظات شتى، وحقائب موضوعة فى الأركان وأصوات حقائب مجرورة، وأناس كثيرون قد بِتُّ وسطهم الآن، ولكنهم بدوا من الأعلى كحبات الفلفل المنثور. لمحتُ المكتبة من على بُعد فقررتُ أن أجرب حظي، سأخلق الفرصة لأتحدث مع أول فتاة أنجذب إليها، دخلت المكتبة ورأيت فتاة من ظهرها، كان هناك موظف واحد ورجل أربعيني يتفحص الكتب والروايات، ولكن ما لبث أن رحل. أخذت أنا أيضًا أتصفح الروايات على الأرفف بينما أختلس النظر إليها، جسدها متناسق وثيابها تنم عن ذوق جميل، كانت قد أخرجت ثلاثة أو أربعة روايات و احتضنتهم قرب صدرها، هل ستشتري هذا العدد حقًا؟ لابد أن الرواية الواحدة مكلفة! ثم مدت يدها إلى رف آخر تتفحص رواياته وكتبه، لاحظت في أحد أركان الرف رواية ذات نسخة واحدة فقط، اتبعتُ حدسي الذي أخبرني أنها ستكون وجهتها التالية، تقدمتُ ناحيتها، كانت قد مدت يدها تسحب الرواية مثلما توقعت، لكنني مددتُ يدى سابقًا إياها وأمسكت بها.

نظرت إليّ وللمرة الأولي انكشف لى وجهها فارتبكتُ قليلاً، تصنعتُ أني أنظر لغلاف الرواية باهتمام، ولكن ما لبثتُ أن رفعتُ عيني لنظراتها الساخرة التي لا تصدقني! لم يبدُ عليها الغضب، ابتسمت كأنها اعتادت مثل تلك المواقف. فتحت فمها حيث انكشف لي آخر أسرار حسن وجهها، وإن بدت للبعض عيبًا!

– معذرة هذه روايتي.

صوتها جميل.

الآن يمكنني وصفها، مقاربة لسني كما أظن، ذات قامة متوسطة، ربما أقصر مني ببضع سنتيمترات، وجسد متناسق،  ووجه حسن خالِ من أي آثار لنمش أو ندبات حبوب رغم أني أحب النمش، لكن هيئتها لا تزال مميزة، بشوشة بشفتين تجيدان الابتسام، عينان بندقيتان واسعتان كعينيّ غزال في الحسن، ولكنها أقرب لعينيّ أرنبة في الاتساع، وأنف صغير جميل، وشفتان ليستا صغيرتان أو كبيرتان تكشفان عن صف أسنان علوية بارز عن الصف السفلي، ويظهر في صف أسنانها العلوى ما اصطلح على تسميته (ضب أسنان) ولكنه حسن جميل، ليس فجًا، ويلائم وجهها، بل ويميزها! عظام وجنتيها بارزتين منتفختين بشكل جميل وبهما بعض حمرة تبرج، وجهها مطمئن وبشوش، وهي أقرب لأرنبة حسناء، وترتدى غطاء للرأس من (الشيفون) لونه جنزاري كقلب الخس أقرب للأخضر الفاتح يكشف بعضًا من خصلات شعرها سوداء عند مقدمة رأسها. يا الله! أحب وصفها حقًا مهما أطلت فى الوصف.

بعد ثوانٍ من الاضطراب، نطقت هي:

-أرغب بهذه الرواية.

-وأنا أبحث عن هذه الرواية أيضًا.

-حقًا؟

ونظرت لعيني كأنها تقول”كاذب”

أردت الضحك  ولكن منعتُ نفسي، نظرتُ لغلاف الرواية سريعًا ورددت لها اسم الرواية:

-نعم، رواية “كذا” هي ما أبحث عنه.

أمسكت الطرف الآخر لغلاف الرواية وأنا ممسك بها دون أن تتلامس يدانا. أحببت إصرارها، وقالت كأنها ضمنت الرواية:

 – لم لا تحتفظ بها من الانترنت؟ لقد نسخوها منذ اليوم الثاني لإصدارها.

أحسست بضغط يدها على الرواية برفق كأنها تسحبها، هي شجاعة حقًا، وغريبة!

كنت لأتمسك بالرواية، ولكنها لم تكن تهمني حقًا، تركتها تسحبها، وتضعها بين رواياتها الأخرى، ولكن مهلًا فقد استغللتُ الموقف وانفتح لي معها مجال للحديث، سأستغل هذا:

-لم لا تفعلين أنت؟ آسف لفضولي، ولكنك تتكلفين عناء النزول لشراء هذه الروايات الغالية؟

هزت رأسها بابتسامة وهي لا تزال تتفحص رفوف الكتب ثم نظرت لي:

– كل شىء علي الانترنت أعلم، ولكن ليس أنا من يفعل ذلك، ليس أنا بالذات.

ثم نظرت قائلة بجدية وهمس:

-أحتاج أن أكون قدوة.

“قدوة لمن؟” تسائلت في نفسي، ولكن جرى على لساني سؤال آخر:

-ولكن ألم ينته معرض الكتاب؟ أعني كي تشتري كتب وروايات بهذا العدد.

-أنا أقرأ وأشتري طوال العام.

أحب شراء روايات جديدة وكتب كل شهر بجزء مخصص من راتبي. نظرت حولها كأنها تستعيد ذكريات ما:

-أحب هذه المكتبة. (مكتبة أغلقت أبوابها بعد بضعة أشهر)

حان الآن وقت تقديم نفسي كما أظن:

-أنا مريد، أحب شراء رواية أو كتاب كل عام.

أطلقت قهقهة بسيطة، مدت يدها إليّ لتصافحني، ملمس يدها دافىء:

-وأنا نورهان.

ما أن صافحتني وعزمت على الرحيل، حتى رغبتُ في قتل نفسي بعدها، أسميه ب(بعبع الكلام)، هو جزء من شخصيتي، يحدث لي بعد أن أحدث فتاة تعجبني حقًا وأنهي الحديث سريعًا رغم أني لم أعلم موقفها مني بعد أو أي وسيلة سأتواصل بها معها، أفعل هذا خشية أن طول حديثي سيفسد الأمر، وأي حديث زائد عن ذلك من جانبي يشعرني بالاختناق، وبالطبع أخسرهن للأبد أو تصبح صداقة سطحية، ربما هذا لقلة خبراتي مع الفتيات، أشعر أنني آخر من يحمل هذه الشخصية على وجه الأرض، هذا ما حدث مع نورهان بعد مصافحة اليد، ورأيتها تغادر وهي تحمل ما اشترته. فتحت الباب وخرجت أنا أيضًا من هذه المكتبة، ثم فجأة اندفعت دماء فى مكان ما برأسي ربما وحدث هذا التغيير الثوري فى ردة فعلي هذه المرة:

-نورهان!

-قدوة لمن؟ قد أخبرتِني أنكِ تبتاعين الروايات من المكتبات لتكوني قدوة، قدوة لمن؟ أعني من أنتِ حقا؟

التفتت ورائها ونظرت متعجبة مع تنهيدة (محاولة التقاط) والتقاط أنفاسها من هذا الشاب الذى يلاحقها في صالة المحطة:

– أحقًا لا تعرفني؟

– ظننت أنك تفعل كل ذلك لأنك عرفتني!

يبدو أنها مشهورة أو شىء كهذا، سألتني إن كان معي باقة انترنت، أخرجت جوالي وفتحت أحد مواقع التواصل الاجتماعي، أخذت هاتفي مني وبحثت عن شىء ما، ثم أعطتني الجوال، نظرت ورأيت صفحتها وغلافها هو صورتها واسمها، صفحة قد جمعت أكثر من مئتي ألف متابع، فقالت باسمة:

-هذه أنا من تراجع الكتب والروايات.

التفاعل فى الصفحة كبير، والمحتوى جودته عالية، لابد أنها مشهورة، أخذت أنقل عيناي بين الصفحة وبينها كالأحمق.

-سلام  يا مريد.

مضت دقيقة بعد رحيلها، ثم رأيته يقف هناك يحمل حقيبته الجلدية السوداء، إنه الغريب الغامض المجنون، اقترب ونطق بدهشة:

-كيف عرفت؟

-عرفت  ماذا؟

 – إنها نورهان، إنها من الألف.

كيف عرف اسمها؟ وقفت ناظرًا له بغرابة وهو يفتح حقيبته ويخرج منها كتاب غلافه أصفر:

-خذ يا مريد، حان وقت قطاري.

ترددت ولكن بدافع الفضول أخذت الكتاب، فتحته وقلبت صفحاته، لا شىء سوى صفحات بيضاء. نظرت له بذهول جديد، أكمل كأنه لا يهتم بدهشتي:

 – لا تقارن بينهن يا مريد، لا يوجد اختيار خاطىء، إن كنت صادقًا، دع التجربة تستغرقك فحسب. استيقظ كل يوم فى السادسة ولا تتأخر فى نومك عن منتصف الليل، ولا تتأخر فى فتح كتابك بعد السادسة، في هذه الحياة الوقت يهم يا مريد. إن الرحلة الحقيقية فى ذاتك وفى قلبك، وقلوبهن، ستحظى بتوأم روحك إذا صدقت مع نفسك،  وإذا استمعت لهؤلاء النساء حقا، وستحظى أيضًا 999 امرأة اللاتي ستقابلهن ب 999 رجل هم توأم أرواحهن فى نفس اليوم، عندما تجد أنت أيضًا توأم روحك. ألم أخبرك بهذا؟ أليست الاحتمالات جميلة يا مريد؟

قد أدركت فحوى كلامه، ولكن رغم ذلك بعض كلامه جاء لي سريعًا ومربكًا كأنه يتلو حكمًا قضائيًا. ثم انخفض صوته قليلاً:

-أخبرتك فلا تنسي! داء البشر إنهم أحيانًا ينسون ما يهمهم حقًا.

ثم نظر لي باسمًا، وأكمل:

-ولكن ستقابلهن جميعا فى يوم واحد.

فمي بات مفتوحًا من الدهشة وأنا أسمع جملته الأخيرة، ثم عدت وتصنعتُ اهتمامي بحديثه عندما تذكرت أنه مجنون، ولكن أبى فضولي إلا أن أعاود سؤاله مرة أخيرة.

كان قد ابتعد فرفعتُ صوتي بغير حرج كأني مخدر لا أرى غيره وسط المارة:

-من أنت؟ ولماذا اختياري بهذه الأهمية؟

بدت نظرته جدية ورفع صوته هو الآخر:

-إذا أردت سؤالي شيئا اكتبه فى هذا الكتاب واغلقه، ستصلك الإجابة إذا كانت مقدرة أن تصل. وهناك إجابات أخرى ستبحث عنها بنفسك، هذا ما يفعله البشر يا مريد، يبحثون عن الإجابات.

ثم رحل هل قال حقًا أني سأتعرف على ألف امرأة فى يوم واحد؟ هل بإمكان المرء أن يجد شيئًا من الحب ألف مرة فى عمره كله؟ هل بإمكان المرء أن يجد الحب ألف مرة فى يوم واحد!

على رصيف المحطة يقف الرجل الخمسيني ذو الشعر الرمادي على الجانبين حاملًا حقيبته السوداء التي باتت خالية، بعد أن أعطي محتواها الوحيد (الكتاب الأصفر) لمريد يبتسم ساخرًا وينطق لسانه بطريقة ساخرة مسمعًا نفسه:

-البشر!

ثم ينظر حوله لهؤلاء الذين على رصيفه والأرصفة الأخرى وينتظرون قطاراتهم، ينظر لأحوالهم واختلاف ثيابهم وسلوكهم، ثم يردد لنفسه جملة على مسمعه:

-سيعلنون عن قدوم القطار الآن.

لا تمض ثوان،  ثم يكون الإعلان عن قدوم القطار كما تنبأ، تعاوده ابتسامته، ثم يشعر ببعض الرطوبة على جبينه، يمد يده ليجففه فيجد بعض قطرات العرق صارت على كفه،

ينظر لها وبه بعض الدهشة، ثم يتذكر شيئًا فتذهب دهشته، ولكن أثناء مسحه لعرقه، لاحظت عيناه فتاة خلفه، فعادته دهشة جديدة أكبر من الأولى، نظر لهذه الفتاة الجالسة خلفه على الرصيف وهو يبتلع ريقه، واصل النظر إليها كأنه عرفها بل كأنه أراد منها شيئا!

فتاة مراهقة في السادسة عشرة، تضع غطاء للرأس كالخادمات، لكنه لا يخفي خصلات شعرها التي تصل إلى كتفيها، وبشرة قمحية شاحبة، لكنها لا تزال جميلة، ولها عينان واسعتان، وكانت فتاة كفيفة، ثيابها متسخة ذات أطراف تتخللها ثقوب، ويدها ممدودة تتسول من أيدٍ لا تراها. أدار الخمسيني جسده ناحية هذه الفتاة وظل لا يتحرك، لا يفصله عنها أكثر من متر، وهي تستند بظهرها على أحد الأعمدة أو المقاعد، ثم نظر نظرة مشفقة للسماء كأنه يعتذر عن شىء ما. جاءت قطة تتشمم ثياب الفتاة، مدت الفتاة يدها المتسولة تتحسس بها هذه القطة، تذكر جسدها ملمس أول قطة تحسستها في حياتها وهي في عمر الخامسة، بعد أن ولدت عمياء واكتشفت أن بهذا العالم يوجد قطط، ملمس ظهر القطة ناعم ودافىء وحميمي، أخذت تمسح على ظهر القطة بيدها المتسخة، والقطة تطلق صوتًا تتلذذ الفتاة بسماعه، اعتلت على وجهها ابتسامة ومشاعر تسربت لعينيها المنطفئتين على هيئة بريق يراه الرجل الخمسيني.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: