شذا لاشين تكتب: ضلال الهدى (قصة قصيرة)

مراجعة لغوية: رغد كمال

حتى ذلك الوقت، لم أجدها. أبحثُ عنها في كل مكان. ولا يفارق ذهني اليوم الذي عُدتُ فيه من عملي ولم أجدها ووجدتُ ورقة بيضاء مطوية كُتِب عليها جملة قصيرة بخط يدها: ” أنا آسفة، لم أعد أحتمل البقاء.” انهالت عليّ حينها كل التساؤلات المؤلمة: هل أستحق ذلك منها؟ حتمًا لا أستحق ذلك؛ فأنا الذي أحببتها أكثر من أي شيء آخر، لم يحبها ولن يفعل أحد مثلي أبدًا. هل أنا شخص سيء لتلك الدرجة؟ لماذا هجرتني وبهذا الشكل غير المفهوم؟ وإلى أين يا ترى ذهبت؟ منذ ذلك اليوم وأنا أبحثُ عنها وسأظل أبحث حتى أجدها، لا أملّ الأمر ولا أكلّه فإنها هدى ضلالي ونور وحشتي، كيف لي العيش من دون هداي؟ سأجدها.

 في أول الأمر، لم يخطر ببالي أن أخبر الشرطة أو أن أبحث في المستشفيات إذ بدا لي من رسالتها الأخيرة أنها اختارت الرحيل، وفي أول أسبوع من غيابها اعتقدتُ بيقين أنها ستظهر في النهاية، طالما أشارت إلى رغبتها في الاختلاء بنفسها، ولكن انتهى الأسبوع ولم تظهر، أعدتُ الاتصال بكل أقاربها الذين يقطنون خارج المدينة اعتقادًا مني أنها أرادت تغيير جو ومن المؤكد أنها اختارت مكان خارج المدينة.

 بعد شهر من فقدانها، طلبت إجازة من عملي، لم أطلب بحياتي إجازة؛ فإني رجل صاحب أبحاث هامة لا يمكن أن أتوقف عنها والعلم هو إيماني الأول، أما أحاديث هدى عن الروح التي عرفتها بدون مشاهدة وتجربة فعلية ما هي إلا خزعبلات، كانت كثيرة الحديث عن أشياء تبدو لي سخيفة للغاية. في مرة حدثتني ليوم كامل عن تناسخ أرواح الأموات في أجساد الأحياء، سخرتُ منها سخرية لاذعة يومها. عندما اختفت هدى بذلك الشكل كان يجب أن أوقِف كل أبحاثي، وبدأ ترحالي في البلاد بحثًا عنها. كل بلدٍ ذكرتها هدى على لسانها يومًا ذهبت إليها، وتتبعتُ أثرها في المكان حيث لا يوجد لها أي أثر، حتى تلك الليلة التي حلمتُ بها وهي تقصُّ لي قصتها في شمال سيناء، استيقظتُ يومها باندهاش وتساءلتُ كيف لي أن أنسى مغامرتها التي حكت لي عنها؟ لقد كانت تحكي بشغف عن زيارتها للعريش، ذكرت جمال الطبيعة البكر في تلك المنطقة وعن سحر المكان الذي طالما فتنها للعيش هناك بقية العمر، عزمتُ على الذهاب بكل إصرار.

ما أن تحركت الحافلة، حتى شعرت بأن شيئًا ما تحرك بداخلي؛ حدثني قلبي بالأمل تلك المرة، تركني سائق الحافلة على أعتاب المدينة تحت شمس الصحراء، لم أدر تحديدًا إلى أين كنت سأذهب، ولكن لم يفارقني ذلك الأمل، وجدت رجلاً عجوزًا، مجعّد الوجه، أصلع الرأس، ويلبس جلبابًا أبيض اللون متسخًا ببعض البقع الصفراء والسوداء، كان يجلس القرفصاء متكئًا تحت ظل شجرة. توجهتُ نحوه وسألته:

-هل يوجد أيًا من المناطق المحيطة هنا للبيات بثمنٍ معقول؟

 جاء صوته أشبه بمحرك سيارة خربة تحاول العودة للحياة من جديد وبلهجة بدوية:

 -معقول؟ كيف؟ ما في معقول هنا.

سرت رعشة في ظهري من ردّه، وخفتُ منه وتراجعتُ قليلاً، ولكن سرعان ما حدثتني نفسي بصوت الأمل من جديد. فتقدمت بضع خطوات وقرفصتُ حتى استطعتُ أن أنظر في عينيه مباشرةً:

 -نعم يا عم معقول؛ فإقامتي هنا ستطول قليلاً.

نظر إلي الشيخ بنظراتٍ تملؤها سخرية وقال:

 -مفكّر إنك راح تلاقي ضالتك هنا؟ أنت واهم، هُداك مو عندنا.

ما أن سمعتُ كلمة “هُداك”، حتى خفق قلبي ووصل بخفقانه إلى حلقي حتى كدتُ أن آكله، وتدفقت التساؤلات: ماذا يقول هذا الخرف؟ ومن أين له أن يعرف أني أبحث عن هدى؟ من أين له أن يعرف أن لي ما أبحثُ عنه من الأساس؟ هل مكتوبٌ على وجهي: “الباحث عن هدى” أم ماذا؟ وأثناء انغماسي في دهشتي وتساؤلاتي المنهالة على ذهني الضعيف، قاطع الشيخ كل ذلك وقال:

-قصدي يا ولدي ما راح تلاقي شي رخيص بهالوقت.

سكتت عني دهشتي ما أن فهمت  مقصده، ثم تذكرت اسم المنطقة التي كانت تذكرها هدى وقلت:

-ولا حتى في “رمانة” ممكن ألاقي؟

بعد أن رفع الشيخ حاجبه قال:

-منين لك تعرف “رمانة” أنت؟

-أعرفها يا شيخ أعرفها من أحدهم، هل سأجد؟

-ممكن، اركب الهايلوكس هذي توديك هناك واسأل.

وأشار بيده نحو سيارة نصف نقل بيضاء. اتفقتُ مع السائق على الأجرة وأخذني إلى هناك، كان قلبي يخفق عندما اقتربنا من المكان، كنت على يقين أني سأجدها هناك. وصلتُ ووجدتُ مكانًا معقولاً للبيات، ووضعتُ حقيبتي الثقيلة التي امتلأت بكل حاجياتي تقريبًا حيث قررت قبل الذهاب في هذا الطريق أنني لن أعود حتى أجدها.

ذهبت لأتمشى وأتفقد المكان، إنني قريب جدًا منها أشعر بذلك. رأيتُ شجرة برتقال وأنا مار بالقرب من إحدى البيوت البدوية هناك وشممتُ رائحة البرتقال، فتذكرتُ هدى عندما كانت تصف لي البيت الذي أقامت به في ذلك الشهر كان مليئًا بشجر البرتقال. فأدركت أنني في المكان الصحيح. لم أمتلك الجرأة لقرع جرس باب هذا البيت ولكنني عزمت على البحث عن شجر البرتقال في كل البيوت. مشيت يومها كثيرًا، حتى وجدت أرض كبيرة مسوّرة بشجر البرتقال ويتوسط الأرض بيت صغير، استجمعت جرأتي وقرعتُ جرس البوابة الكبرى، ففتح لي الباب رجل في نفس عمري تقريبًا، رغم حيويته الظاهرة وجسده الممشوق، عرفت من عينيه أن عمره لا يقل عن الخمسين، فالعينان تفضحان عمر الإنسان الحقيقي.

-اتفضل!

قالها البدوي وهو يحكم تلفيحة رأسه السوداء من تحت شاربه الرمادي الغليظ، لم يكن لدي ما أقوله، وأنا أحاول تدبّر أي ذريعة دفعتني لقرع جرس باب بيت في بلد لا أعرف فيها أحد، أطلّت هدى من وراء البدوي، تعلقت عيناي بها، كانت أجمل بكثير مما كانت عليه قبل ذلك؛ بشرتها نضرة ووجهها منير، يبدو أنها خسرت بعض الكيلوجرامات، وجنتاها متوردتان ووجهها ملفوح بلفحة شمس خفيفة أعطت بشرتها سمرة جذابة، بدت لي عيناها الزرقاوان أكثر صفاءً كالبحر الهادئ في يوم من أيام أغسطس، إنها هدى بشحمها ولحمها! ما أن لمحتني واقفًا وراء الباب حتى تراجعت وتسمرت في مكانها وشحب لون وجهها ولم تعد تنطق. قبل ذلك بثوانٍ، كانت تتبختر نحو البدوي ذو الشارب الغليظ لتحتضنه من خصره وهي تقول:

-مين يا حبيبي؟

دخلت كلمة “حبيبي” إلى أذني كشوكة مغلفة بالكثير من الشوك الصغير تجرح كل ما تمر عليه حادة كالسيف وقاسية كالصبار حتى وصلت إلى قلبي وبقت هناك.

سأستيقظ الآن من هذا الكابوس.

لكنني لم أستيقظ.

كان ذلك واقعًا حقيقيًا: هدى تلهو مع رجل بدوي بعد أن هجرتني منذ ستة أشهر، وأنا أبحث عنها في كل مكان لأجدها تحتضن رجل غريب، لم يخطر ببالي أبدًا شبح الخيانة، فلقد كانت كل تكهناتي تدور حول مللها من طباعي الصارمة الروتينية المنظمة، فأرادت التغيير والخروج عن ذلك النمط المتكرر لبعض الوقت. في تلك اللحظة، تذكرت كلمة الشيخ العجوز:

“أنت واهم، هداك مو عندنا”

لم تكن تلك هُداي.

بدأ البدوي في التململ من وقوفي الصامت وكرر سؤاله عليّ:

-وش تبي؟

أشرتُ له بيدي ألا شيء واعتذرت على الإزعاج، وذهبت. حقًا لم أعد أعرف إلى أين! كانت هدى جل ما انشغل له بالي في حياتي. إحدى وثلاثون عامًا من الطواف حول كعبة ليست المنشودة، إحدى وثلاثون عامًا من السير في الاتجاه المعاكس. ولماذا تبدو على خير ما يرام؟ فلم أر جمالاً في وجهها كما رأيته اليوم، كانت تشع بطاقة برية مليئة بالحيوية والأمل. أوجدت هدى كعبتها وضللت بدوري أنا عن وجهتي؟ ولكن هذا ليس عدلاً. لماذا تهتدي هي وأضلّ أنا؟ أأنا الخائن أم هي؟

لم تستوعب دماغي كل تلك الشحنات المتضاربة، ذهبت ليلتها بعد مشي طويل إلى تلك العشة واستلقيتُ على ظهري أطالع السقف دون حراك لساعات حتى غفلت عيناي. سمعتُ طرقات على الباب، اعتقدتُ أنه جزءًا من أحلامي لأنني وجدت الطارق هدى وهي تبكي وتقول:

-أنت السبب!

أظنني قد قتلتُها وقتلتُ نفسي عدة مرات في تلك الليلة أثناء نومي. فلقد تعددت الأحلام ولم أعد أفرق بين الحقيقة والخيال، عندما استيقظتُ بدا لي أني قد نمتُ دهرًا، لم أدر كم ساعة قد نمت ليلتها ولكني استيقظتُ بثقل وخمول لأجد نفسي في بيتي من جديد! متى سافرتُ إلى القاهرة؟ لا أدري ولا أذكر رحلة عودتي على الإطلاق. نهضت من سريري بعد أن لاحظت أني أقوم من على الجانب الذي اعتادت هدى النوم عليه وليس مكاني. شعرتُ بأن جسدي خفيف رغم الثقل الواجم على صدري. ما أن أدركتُ المرآة حتى انصعقتُ فزعًا! وجدتُ نفسي أنظر إلى جسد هدى الشاب في المرآة! هل مِتُّ وتجسدت روحي جسدها؟ هل حقًا قتلتها البارحة وقتلتُ نفسي؟ هل أحلمُ أم ماذا؟ استيقظ يا محمود أرجوك! لكنني لم أستيقظ.

بعد دقائق، وجدتُ جسدي يترنحُ أمامي آتيًا من غرفة الجلوس مرتديًا بدلة زرقاء من التسعينات. أذكر تمامًا متى لبست هذا الطقم. لقد لبسته يوم حفل خطوبة ابنة خالة هدى ويومها تشاجرنا شجارًا ضخمًا يستحيل أن أنساه ونمتُ أنا في غرفة الجلوس، كان هذا منذ عشرين سنة مضت. كانت ملامح وجهي الذي أمامي مندهشة للغاية وبسرعة اتجه الجسد المتحرك أمامي نحو المرآة وصرخ!

يبدو أن آثامنا تخطت حدود المغفرة لنُعاقب مثلما عقاب، ويبدو أيضًا أننا قد مُنحنا فرصة جديدة لعيش حياتنا من جديد ولكن من منظور مختلف هذه المرة.

One thought on “شذا لاشين تكتب: ضلال الهدى (قصة قصيرة)

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: