سارة السيد تكتب: ماذا يحدث إذا اختلط الحب بالكره؟

في عام 1866 كتب فيودور دوستويفسكي -مضطرًا- تحت ضغوط الديون، رواية المقامر في حوالي 25 يومًا، مستلهمًا القصة التي حكاها من واقعة حقيقية، حدثت قبل ثلاث سنوات من كتابة المقامر، حيث كان فيودور في طريقه للحاق بمحبوبته التي تعيش بألمانيا، وأثناء تلك الرحلة قام بلعب القمار في فرنسا، ليكتب رسالة إلى أخت زوجته الأولى بأنه عرف سر القمار، والقواعد التي يجب أن يتبعها المقامر حتى يكسب اللعبة، ربما لم يكن القمار السر الوحيد الذي قد عرفه فيودور دوستويفسكي، إذ تناولت الرواية قصة حب شديدة التعقيد، بين ألكسي إيفانوفيتش وباولين ألكسندرڤنا، إذ يقع ألكسي في حب معقد جدًا مع باولين، حب من طرف واحد، ليس هذا وحسب، بل إنه حب يقابل بالإهانة من طرف باولين، حب لا يستطيع ألكسي التخلص منه، وإهانة ومذلة جراء حبه تولد بنفسه اللذة والكره، ربما كانت تلك العلاقة بتعقيداتها أحد الأسرار التي عرفها دستويفسكي عن الحب والكره إلا أنه لم يفصح به في رسالته لأخت زوجته.

كتبت سارة السيد:

“مرة أخرى طرحت على نفسي هذا السؤال: أأنا أحبها؟. ومرة أخرى لم أستطع أن أجد لهذا السؤال جوابًا، أو قل إننى أجبت، للمرة المائة بأنني أكرهها، نعم أكرهها، مرت بي لحظات تمنيت فيها أن أهب نصف عمري في سبيل أن أخنقها! ومع هذا أقسم بأقدس ما أقدس إنها لو طلبت مني ونحن على جبل شلانجنبرج أن ألقي بنفسي من أعلى قمة يرتادها الناس، لألقيت نفسي ولشعرت مع هذا بغبطة

كانت تلك كلمات ألكسي إيفانوفيتش بطل رواية المقامر لدوستويفسكي، محاولاً وصف شعوره نحو محبوبته باولين، يمتلك دوستويفسكي وبطله بصيرة إستثنائية قد لا تتوفر للكثيرين، تلك البصيرة توفر معرفة عميقة بالتناقض الوجداني، أو تواجد شعورين متناقضين نحو (الشيء) ذاته في نفس الوقت، وهو ما يعد شيئًا غير مفهوم لأصحاب اليقين (نحو صواب الأحكام على الآراء والمشاعر في الحياة) أو بمعنى آخر أصحاب العقل الغربي المؤسس على قوانين أرسطو المنطقية، فلدى أصحاب اليقين يبقى الحب شيئًا ساميًا ملائكيًا والكره شيئًا منحطًا.

كيف يجمع الإنسان بين الحب والكره تجاه الأشياء ذاتها؟

كتب دوستويفسكي تلك الرواية قبل ظهور علم النفس التحليلي بنحو خمسين عامًا، ثم جاء علم النفس ليحاول تفسير التناقض الوجداني الموجود مسبقًا؛ قد تلهمني نظرية سيجموند فرويد عن الغرائز المزدوجة بشيء لا يقال هنا عن حالة التناقض الوجداني، إذ يرى فرويد أن الحب والكره هما صورة من صور غرائز الحياة والموت، فكل ما يوحد ويجمع مرتبط بغريزة الحياة والبقاء، وكل ما يهدم ويدمر ويفرق مرتبط بالغريزة الأقوى، وهى غريزة الموت والعودة إلى سكون أبدي تمثل الحياة فيه صراعًا طارئًا.

إذًا لا ينفصل الحب عن الكره، فكل حب يخفي شيئًا من كراهية، وكل كراهية تضم حبًا أيضًا، كما لا تنفصل الحياة عن الموت، فكل بناء يرافقه هدم، وكل إتحاد يصاحبه إنفصال، وجدل المتناقضات هنا هو ما يصنع الحركة على مسرح الحياة.

ولكن أعتقد أن حضور ألكسي  إيفانوفيتش يستدعي بشكل تلقائي أفكار عالمة النفس “ميلاني كلاين”. فالحب في أصله يعود إلى اعتمادية على الأم، تعلق طفولي بمصدر الرعاية الوحيد، ولكن الإعتمادية على كيان تجعل منه مصدر تهديد في نفس الوقت، قد نفقده، وقد يهمل رغباتنا، وهو يفعل هذا فعلاً، قد يسيء استغلال إعتماديتنا، حتى نكره هذا الكيان الذى يهددنا ونوجه كل نوازعنا العنيفة ضده، نود لو نخنقه كما قال ألكسي إيفانوفيتش.

إذ يشكل نمط علاقتنا بالأم النموذج المبدئي لعلاقاتنا فيما بعد، كان ذلك نمط علاقة ألكسي إيفانوفيتش بكل الأشياء، حتى القمار، لكن تناقض الحب والكراهية فى علاقتنا بالأم أيضًا هو ما يدفعنا لاكتشاف سبل جديدة لتلبية احتياجاتنا ولتوسيع مدى تعلقنا.

وعلى جانب آخر فإننا حين نحب الأم ونكرهها يؤدي التناقض الوجداني هنا إلى الشعور بالذنب نحوها، فنرغب في معاقبة ذاتنا إلى حد أن يصبح العقاب فى حد ذاته لذة نشعر حينها بأننا سيئين وبأننا لا نستحق، وبأننا مذنبون وقساة، ويقول أليكسي لباولين بين طيات صفحات مقامر دستويفسكي: نعم إن العبودية التي تخضعيني لها هي عندي لذة عذبة، إن المرء ليجد نفسه في أدنى درجة من درجات الانحطاط والمذلة“

يرى بعض علماء النفس أن الكراهية هى تعبير عن حب محبط، مجرد رغبة فى الحب والقبول، تقابل بالرفض فنهب للدفاع عن أنفسنا، لذا فعلى قدر المحبة تكون الكراهية، ولا أدري لماذا تداعى إلى ذهني الآن مشهد النهاية فى فيلم شباب امرأة حينما قام حسبو -الفنان عبد الوارث عسر- بقتل وحشي لشفاعات -تحية كاريوكا- وكان يجد لذة فى الإمعان فى تعذيب من خذلت حبه، لم يكرهها حسبو حتى فى تلك اللحظة، ولكنه يحبها ويكرهها في نفس الوقت!

ربما يبقى تعبير أخير يستحق الذكر لألكسي مقامر دستويفسكي: ”وإذا قتلتك يومًا فسيكون على أن أقتل نفسى أيضًا. ولكني سأؤجل قتل نفسي ما استطعت إلى التأجيل سبيلاً، حتى أشعر من فراقك بذلك العذاب الذى لا يطاق“.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: