رغد كمال الهسي تكتب: تأشيرة

-جميلة، جميلة.

لماذا تبدين باهتة، وضعيفة التركيز؟

-أعتذر، لا تشغلي بالك.

-خير؟

-أشعر بالحزن والوحدة.

-لمَ؟

-أنتِ تعلمين أني أسكن بعيدة عن أهلي؟ أنا في فرنسا، وأهلي في الشام، ومنذ سفري وبسبب معاناة الحرب انقطعت عنهم، مر أربع سنوات ولم أرهم، أشتاق إليهم.

نظرت إيمان إلى جميلة بابتسامة باهتة وذهبت إلى ذكرياتها، تذكرت قريتها الصغيرة وحصارها من اليهود، تذكرت الفراق والدموع، تذكرت كم الدماء، ثم بدأت الذكريات تنهش عقلها دون توقف من حادث لحادث، من دماء طفل إلى دماء كهل، تذكرت أحداث هجرتها، لم يوقف ذكرياتها غير صوت جميلة صاحبة الملامح الفاتنة، عينان عسليتان واسعتان، وجه أبيض، مع وجود النمش الخفيف على خديها.

-أين شردتي؟

-للماضي، كم لامس كلامك قلبي، أعلم جيدًا إحساسك وحزنك، لحظة أحضر لكِ مذكراتي علها تجعل اليقين يصل لقلبك المشتاق لتتأكدي أن شملكم سيجتمع، لكن لأحكي لكِ  جزءًا من قصتي؛ فالتفتت جميلة إلى معلمتها باهتمام، بعد أن رشفت من الماء الموجود أمامها.

-من سنين وجدت حرب في لبنان، وأنا كنت أقطن قرية صغيرة في جنوبها لكنها شديدة الجمال تمتاز بالبساطة، ومع الاحتلال الإسرائيلي لنا لم يتركوا لا مدنًا ولا قرىً إلا اغتصبوها؛ لهذا خرج المجاهدون من قريتي البسيطة مع باقي القرى لمواجهة العدو، فكانت ضريبتنا هي الحصار والدماء.

كانت جميلة تستمع إلى حكايا معلمتها بشوق، لكن تشعر أن القصة ليست غريبة كأنها مكررة، ولم لا؛ هذه القصص تُكرر في كل زمن، لعنت من داخلها الحروب ألف مرة.

-لكن الذي لم أحدثك عنه هو أنني قبل الحرب بسنتين تزوجت من أحد أقاربي وسافرنا إلى فرنسا وأهلي إلى الخليج وافترقنا، فجاءت لحظة الوداع ثم الدموع ثم وعود بلقاء قريب، لكن، اللقاء طال لمدة عشرين عامًا، وبين كل تلك الأعوام محاولات لتأشيرة تجعلني اجتمع بأهلي، لكن كلها رُفضت حتى ملأ اليأس قلبي، وباقي الحكاية ستجدينها داخل مذكراتي.

 سحبت المعملة دفترها ووضعته بيد جميلة كأنها تطلب منها أن تقرأ بنفسها تفاصيل قصتها، وبعدها غادرت بقيت جميلة ممسكة بمذكرات معلمتها في حماس شديد، واعتبرتها زميلتها في الزنزانة، لكن توقفت فجأة متذكرة قهوتها التي بردت، أعادت تسخينها، ثم شرعت في البحث عن تحلية مع قهوتها المرة، فوجدت قطعة حلوى صغيرة، وضعتهم على المكتب واستخدمت يد لشرب القهوة وأكل الحلوى واليد الأخرى لفتح المذكرات:

” كعادة أي يوم، أستيقظ في الصباح لتحضير الفطور لعائلتي، ثم أبدأ بإيقاظ ابنتيّ للذهاب للدوام.

-أه، حاضر، خمس دقائق..

– إنها السابعة لا..

– حاضر.

  وذهبت من هنا وعادتا للنوم مرة أخرى، ولكن بعد دقائق قفزت ابنتي البالغة اثني عشرة عامًا من السرير عند عودتي، أما أختها صاحبة الخمس ربوع أكملت نومها.

-بنات هل سأقضي صباحي في إيقاظكما.

وفي كل صباح بعد توديع الجميع أبقى وحيدة في المنزل رهينة للذكريات، أضع رأسي على الوسادة لأرتاح، لكن الواقع أن جسدي يقبع على السرير وعقلي في مكان آخر، مكان به حنين لأخت لم أحضر زفافها وابن أخت لم أره وهو يكبر بعيدًا عني.”

لم تكمل جميلة اندماجها في القراءة حتى سكبت القهوة على المكتب وبسرعة سحبت المذكرات، لتتنهد براحة أنها لم تبتل، ثم تقوم لإحضار شيء لتنظيف المكتب، تمسح بيديها المكتب أما عينيها كانتا مع المذكرة على السرير، بعد دقائق من التنظيف عادت لتقلب الصفحات حتى وصلت إلى:

 “عانقتني صديقاتي بفرح مهنئين لاقتراب زواجي، كنت في الثامنة عشرة من عمري، لا أعلم ما الذي يخبئه لي القدر، سعيدة بحياتي الجديدة، لكن تمنيت إكمال مسيرتي التعليمية، لم أعلم وقتها أن ضريبة زواجي هي فراق أسرتي سنين، لم أدر أن الحديث مع أهلي سيكون عن طريق الهاتف الذي يشبه الزجاج الفاصل بين الأسير وابنه، لتستمر غربتي من عامي الثامن عشر إلى الثامن والثلاثين!. ومع كبر سن أمي قبلوا تأشيرتها لزيارتي بعد سبع سنين ومعها أختي الصغرى، التي لم تألف وجهي فتناديني خالتي! وعندما تذكر القرابة بيننا تردد ضاحكة: أعني، إيمان.

هل هذا ما يسمونه: همًّا يضحك وهمًّا يبكي؟

حاولت السفر مرات ومرات إليهم، لكن: ترفض التأشيرات.”

لتحدث جميلة نفسها باستغراب:

-لحظة، عشرون عامًا، أنا غير صابرة لأربع سنوات، وقبل أن تُكمل تذكرت سهولة التواصل هذه الأيام، فقامت بفتح هاتفها ومحادثة والدتها وعاشت معها أجمل ذكريات، لكن استيقظت من أحلامها على باب الشرفة الذي دفعه الهواء بقوة لتُدخل البرد إلى غرفتها! هرولت لتغلقه ثم عادت للواقع المُر بتكملة المذكرات ليشدها حوار شيق:

“-إيمان.

-نعم؟

-هناك أخبار نسعى لها يجب معرفتها.

نظرت له باهتمام ووجهها يستفهم؟

-قام عمي منذ شهر بتقديم تأشيرة لكِ مع البنات.

-يا مسهل.

وبالرغم من أنها ليست الأولى، وأن كل تأشيراتي رُفضت، إلا أن يقيني بالله يخبرني أن هناك لقاء قريب.

  ثم أعيش مع عالمي من جديد، لأذكر تارة من ربياني، وتارة عماتي، تارة إخوتي،تارة شوارع قريتي الجميلة..إلخ ولوهلة تمنيت لو أن أختي التي توفيت شابة من داء السرطان، والتي لم أرها من يوم زفافي ما زالت حية ترزق!، جال في خاطري أولادي الأربعة الذين لم يروا إخوتي من قبل، سوى في الصور! وبين كل هذا اجتاحني التوتر، وعانقني الصداع  ليفتح لي آفاق معاناة جديدة تمتزج بين أمل وفرحة منتظرة.”

اندمجت جميلة مع المذكرات، حتى رن هاتفها فقررت تجاهلة، ولم تكد تكمل حتى وصلتها رسائل متتابعة من صديقتها منعتها من التركيز! فتحت الرسائل وبدأ حوار طويل لم ينتهِ حتى الثانية والنصف قبل الفجر فتركتها وعادت للقراءة:

“قالوا: لا تشك للناس جرحًا أنت صاحبه لا يدرك الجرح إلا من به ألم.سأصبر حتى يمل الصبر! نعم الحزن ينتابني في كل عيد وأنا بدونهم، لكني قررت رفع راية الفرحة، فقد رزقني الله بأولادي وزوجي، أحيانًا أجلس معهم وأحكي لهم عن طفولتي، وقريتي، وعائلتي. وكلما حكيت أكثر كلما زاد شوقهم أكثر!، فإذا كان هذا شوقهم فما هو حالي و الذكرى مني وفيّ”

-يا ربِ، هل غفوت دون قصد، لحظة هل صليت؟.. غفلت جميلة دون قصد، ولما قامت تذكرت أنها لم تصلِ؛ فصلت، ثم بدأت في البحث عن أي شيء لتأكله، وجدت بعض الفواكه، لكن لم تشتهيها، ففتحت شطيرة ووضعت بداخلها الجبن وفوقه الطماطم وبدأت تأكله باستمتاع وكأنها تأكل شطيرة دجاج مشوي، ثم عادت للتقليب في الصفحات؛ تبحث عن أية إشارة تخبرها أن تأشيرة معلمتها قبلت حتى وصلت إلى:

“هذه اللحظة التي كنت أقف فيها بالمطبخ أطبخ المقلوبة، أصف الجزر فوقه الباذنجان وفوقهم اللحم ثم أضع الأرز، عندما قاطع اندماجي رنين هاتفي:

-السلام عليكم، كيف حالك؟

– وعليكم السلام.

– جهزي الحقائب.

ليعم الصمت لوهلة، لم أشعر بدقات قلبي المتسارعة حتى أكمل أبي:

– حقيبة السفر، تأشيرتك قبلت، لكن للأسف تم رفض تأشيرة البنات.

 تلعثم لساني ما كدت أفرح لأول جملة حتى اعتصر كبدي للثانية.

ولم أشعر بالدموع المختلطة بين فرحة للقاء أهل، وحزن لفراق أهل.

وجع لرحلة طائرة سأركبها هذه المرة وحدي.

كاد لساني قبل قلبي رفض السفر لعدة أسباب أهمها الأسئلة التي لا تترك أي أم عند ترك المنزل وحيد بدونها، لم يتوقف عقلي عن التفكير حتى أقنعوني بالذهاب دون قلق، لكن قلبي قلب أم لن تُجدي معه كلمات.”

دمعت جميلة وكأنها هي من ستلتقي بأهلها ودعت الله ألا يقاطعها شيء آخر، وقبل إكمال الدعاء سمعت صوت المطر الشديد، فقامت بفرح لتراقبه داعية أدعية غير منظمة، ولوهلة انتقلت عينيها للملابس المنسية على الحبال حتى ابتلت! لتخبط كف على كف.

-تبًا.

فتحت باب الشرفة بسرعة لجمع الملابس ثم عادت لمكتبها بعد صنع كوب من الأعشاب لتشعر بالدفئ وقامت بفتح صفحة أخرى:

“يوم وأذهب إلى المطار وأودع أسرتي لألتقي بأهلي، أبكت لين الجميع فقد كانت لا تتركني في أية خطوة أخطوها -اعتصر قلبي عليها-، وكان الجميع يعلم الشوق الذي سيأتي بعد سفري، أما سندس قررت أن تكون قوية، وقلبها يعتصر لأول فراق بيننا سيدوم لشهر، لكنها قالت لي: سافري دون قلق صبرتِ سنين، ألن نصبر نحن شهر”

كانت الساعة السادسة عندما نظرت جميلة إلى أواخر المذكرات وفكرت أن هذه الصفحات تحتاج لترك المكتب والجلوس على سريرها، قامت بإرهاق شديد مصطحبة الكراسة معها وبمتعة شديدة رفعت البطانية بعد خلع سترتها الشتوية وتمددت ثم غطت نفسها، ثم شرعت في تكملة ما تبقى من الصفحات حتى وصلت لآخر صفحة:

“ركبت الطائرة وقلبي لا يتوقف عن الخفقان بعد أن بدأت السحب تختفي خلفي محتضنة أسرتي؛ سارت الرحلة لمدة سبع ساعات ونصف، وطوال هذه الساعات لم أتوقف عن حسب خطواتهم في فرنسا خطوة خطوة،منذ وصولهم إلى نومهم حتى ترتيب المنزل وانتظار اتصالي بلهفة، كانت رحلة متعبة؛ متعبة لجسدي وعقلي، عقلي الذي لم يتوقف عن التفكير في صحة أمي وأبي، في أختي التي كبرت، في شكل الشوارع الجديدة..إلخ

 نزلت من الطائرة مع الجمع، ثم وقفت طابور طويل لختم جوازي، بعد انتهائي من الختم وقفت نصف ساعة لأخذ أمتعتي؛ فكنت كلما رأيت حقيبة شاورت عليها للعامل، وطبعا الحقائب للجمارك وأنا ألهث من التوتر. كلما أنهيت إجراء كلما زادت دقات قلبي من شدة الشوق، حتى وصلت للبوابة أخيرًا؛ لم تعد قدماي تحملاني وأنا أمام البوابة لأجد عائلتي في انتظاري، أذهب مهرولة لهم بعبرات لا تتوقف ولسان يردد يا الله عشرون عامًا، يحتضن جسدي سندي الباقي هنا، ويبقى قلبي مع أسرتي هناك”

أغلقت جميلة المذكرات وهي تبكي، ثم رسمت لمعلمتها قلب في الصفحة الأخيرة وكتبت فيها (معلمتي العزيزة أتمنى لكِ لقاء جديد مع أسرتك، شكرًا لكِ على إحساسك الذي وصل لي حتى أبكاني..)

بعد الانتهاء من رسالتها التي تحمل الكثير من المعاني أشعلت المدفأة على درجة حرارة منخفضة، ثم أغلقت النور، ونامت نوم عميق حلمت خلاله بمكالمة جديدة من والدتها حتى سكنت روحها المهتزة.

One thought on “رغد كمال الهسي تكتب: تأشيرة

  1. مشاعر جميلة
    وموهبة سردية جميلة خاصة وهي قصتك الأولى

    مزيد من التقدم

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: