محمد سميح يكتب: كيف واجهت شبح الاكتئاب؟

هذه ليست كتابة علمية، يستثنى منها كل ما هو عضوي وخاص بمجال الطب،كما أنها ليست نوع من الكتابة الذاتية الصرفة، قد تكون خواطر نتجت من عشرة استمرت ست سنوات مع الاكتئاب.

الرومانسية:

تبدأ الحياة مجموعة من الأحلام ستعرف في وقت متأخر أنها مجرد أوهام، في الطفولة تعتقد أن الأب منقذ دائم لك في أي موقف تشعر فيه ولو بخطر طفيف، وأن الأم ستكون دومًا مصدر أمانك من كل خوف، لقد شبه عالم النفس إيريك فروم في كتابه “فن المحبة”، إن الأمومة مقاربة الإنسان لأنهار العسل واللبن في جنة عدن المفقودة، ولكن ذلك الثدي الذي يقدم طعام وحب واحتواء لا مشروط، ستجده بعد سنتين يرفضك، عامة ستكبر وبعد سنوات تتعرض للتنمر بعيد عن حماية أهلك الدائمة داخل المنزل الصغير، وفي الشارع والمدرسة والنادي، لتقف أمام أول اختبار حياتي تعرف فيه أنك وحدك ويجب أن تعتمد على نفسك لتنقذها دائمًا، ولكن الحياة  لا تسير بتلك الميكانيكية، ولا تكتسب الخبرة بشكل سلس لطيف، تكتسب الخبرات من خلال الألم والخوف والتعرض للأذى، ويمكنني من ملاحظة الأطفال القول أن الأطفال الذين ينشأون في ظروف أقل اعتمادية على الأب والأم، يصبحون أقوى من هؤلاء الذين نشئوا في ظروف توفر اعتمادية عالية وشبة دائمة.

إن الحياة والتجارب هي من تصنعك تقوم بتربيتك، لا أحاديث الأب والأم والمدرسين.

فيما بين فترة المراهقة ستغوص في أوهام كبيرة، تعتقد أنه لا مفر من ضرورة الزواج من حبك الأول، وقد تقع بعدها في حب مع فتاة أرقي اجتماعيًا، أو مختلفة عنك دينيًا، أو امرأة أكبر منك بعشرين سنة مثلأ، لأنك لازلت طفلاً تبحث عن أم في سريرك، قد تفكر أن أشياء بسيطة قد تغير حياتك، أن تذهب للمدرسة مثلاً وتتلقى تعليم، أو إذا كنت تمتلك موهبة ما، لنقول كاتب أغاني مثلاً، قد تذهب لمكتب ملحن أغاني شهير بعد تحديد ميعاد، وسفر بالقطار ينشغل عقلك بأحلام كبيرة طول الطريق، وثم يتم التهرب من مقابلتك أو طردك بلا أي سبب، ستتعرض لمواقف كثيرة تشعر فيها أنك وحيد بائس بلا يد عون تنتظر معجزة من الله، الذي تدعوه في صلاتك ليساندك في أحلام بسيطة كأن يقع الحب في قلب فتاة تحبها، وإن كانت تحبك ستدعوه أن يجمعك بها، وإذا كنت صاحب موهبة تطلب منه أن يساندك حتى تجد اعتراف بموهبتك، وإن كنت فقير تطلب الأموال، تدعي أن يغينك الله.

إن كل تلك الأشياء التي أتحدث عنها بسيطة ضيقة شخصية، ماذا لو انفتحت الصورة أمامك، تهتف بالشوارع وتطالب بسقوط النظام السياسي، تفرح وتهلل تنزل لدهان رصفان الشوارع، وتهتف وتهتف وتهتف، حتى تصل لنقطة تعرف فيها أن العالم لا يتغير بالهتاف، كما حياتك التي لم تتغير بالدعاء، هناك قوانين واقعية هي من تحكم الأمور في تلك الحياة.

إن الوصول للقاع قد يمنحك خطوة تدفعك لتكون بالقمة.

قد أبدو أنني أكتب كل شيء بهدوء وبرود وبساطة، إلا أن الأمور لا تسير هكذا أبدًا، من نقطة مظلمة عتمة تمامًا داخا هوة سقوط تحدث عنها هيدجر، وعدمية تشبه كابوسية كافكا، بعد سنوات من خيبة الأمل المستمر، وتهشم الأحلام، يأتي السقوط المدوي، كمسخ كافكا تستقيظ بيوم تجد نفسك صرصارًا لا يستطيع الحركة، لن تذهب للعمل، لن تحصل على أجر، ستفقد الحد الأدنى من الاحتياج الغريزي للأكل والشرب، والفرض الحضاري بأن ترتدي ملابس بين الناس، لم تكن مشكلة مسخ كافكا التحول لحشرة، بقدر ما كان غيابه عن العمل بعد حالة الانمساخ، وحين يصبح حالك بذلك السوء وتهمس كل الوساوس في وجدانك، وتصبح كل الأشياء قاتلة موجعة وتغرقك لتنهار، ثمة شعاع ضوء في نهاية المطاف.

أن يكون العدو أمامك والبحر خلفك، أما أن تواجهه أو أن تهرب.

هكذا يمكنني أن أشاهد الأمر، إن حالة الاستسلام أمام تحديات الحياة فيها الكثير من الراحة، التي لن تدركها إلا ببلوغ حالة الاستسلام والاكتئاب، إن الحياة كانت تطالبك منذ اللحظات الأولى بأن تعتمد على نفسك ولكنك فضلت الهروب، إن الحياة لست جميلة أو قبيحة، ربما الحياة محايدة، وعقلك منحاز؛ ولأن الحيادية لا تلعب في الغالب لصالحك، ستقول أنها حياة قاسية.

الطريق للخروج:

يمكنني أن ألخص مشكلة الاكتئاب في أمرين: 1-الشعور بالحاجة       2-غيبوبة وعيي عن واقعية الحياة

قد تقضي جزءًا من حياتك تحلم بشريك يحبك يهتم بك يخبرك أنك مهم عظيم جيد، يتأمل فيك ويسحب أنفاسه التي تقول: “أنا أؤمن بك”، إن ذلك الحلم جميل ولكنه يمتلك أسباب تدميرك، لما فيه من اعتمادية على شخص أخر، ربما لن تجد ذلك الشخص، ربما وجدته ولم يكن طوع إرادتك، ربما طاوعك بعض الوقت ثم توقف، ربما أحبك وتغير، ربما أحببته وتغيرت، احتمالات كثيرة، وحلم غير مضمون العواقب، ربما كان من الأفضل، أن نعيش وننجح ونخلق حياة، نمارس أشياء نحبها، نبحث عن شغف حقيقي، نفتش عن الجمال في الكون، وأين تكمن طاقة الحياة، ربما في رحلتنا تلك قد نقابل أشخاص يوفرون لنا مشاعر ونس نحتاج لها، ربما يرحلون أو يبقون، ربما وربما وربما، لكن المهم أن نحافظ على رحلتنا للأمام، لأنه وببساطة كل شيء يمر، لم تتوقف الحياة لموت أحد أو وجع أحد ومهما حدث على تلك الأرض، تبقى الشمس لا تبالي وتشرق مع كل صباح.

أتذكر أني عانيت من الإكتئاب لمدة ست سنوات، وربما في السنة السادسة قد تهمشت تمامًا، كنت أفكر في الانتحار، ولكني لم أمتلك تلك القوة لأفعل ذلك ولكني كنت أود أن أهرب من الألم، ذلك الألم الذي كان يشل دماغي يوميًا، كنت أتمنى أن أستطيع البكاء، كانت الدموع محبوسة بعيوني دومًا ولا تسقط، كنت أشعر أني مهم، ولكني في الحقيقة قد أرمى أصارع أشياء لا طاقة لي بها، ولا أحد يكترث أو يهتم وكليًا لا أحد يستطيع أن يساعد.

وفي إحدى الأيام شاهدت فيلم “Her”، أهم ما لفت انتباهي هو حب البطل لهذا السوفت وير الإلكتروني، وأن السوفت وير كانت تحب كل مستخدمي الـ “App” ذاته، وقد تطورت وأحبت سوفت وير أخر بخلاف كل هذا العدد من البشر المستخدمين لها، لاحظت أن الجهاز الإلكتروني يتطور، وأن بطل الفيلم يقف مكانه، يفقد حبيبته يستبدلها بسوفت وير، بينما تعيش هي حياتها، يعقد علاقة مع “سوفت وير” فيتخطاه السوفت وير أيضًا، إن مشكلته الحقيقية كانت في الثبات، إنه لا يتطور مع الحياة، فيرفض تطوراتها، لا يتغير ويبقى ثابت فيرفض تغيرها، فلا يجد قميص يحتويه يعزله عن الحاجة للحركة إلا بإرتداء الإكتئاب.

لقد كانت ملابس العيد، وزينة رمضان، أشياء تسعدني وأنا طفل، لم أعد أكترث لها كثيرًا حين كبرت، لأني أصبحت مشغولاً ومهمومًا باحتياجات أخرى وجديدة، ولكن أغلبنا يبقى متعلق بما هو قديم، مع أن تلك الأشياء القديمة وأن عادت في حاضرنا ستبقي سخيفة بكل تأكيد، فإن عاد والدك المتوفي من الموت، يقدم لك حذاء العيد وأنت رجل في الخمسين، لن تفرح بنفس مشاعر الطفل، لقد كنت وقتها لا تحتاج أكثر من ذلك الحذاء، أما الآن فأنت مختلف بكل احتياجاتك.

وداعًا أيها الاكتئاب:

إن الإكتئاب حالة من سوء الفهم لمصالحنا الشخصية، واحتياجاتنا الذاتية، إننا نعلق أنفسنا بأشياء من الماضي لن تجدي نفعًا أبدًا في الحاضر، بعد أن سقطت غيبوبة وعيي عن واقعية الحياة، بعدما أصبحت فارغ من تلك الرومانسية في رؤية العالم، وحينما بقيت أفتش عن احتياجاتي في الحاضر بعدما تيقنت أن الماضي وهم لن يروي عطشي، بعدما تخلصت من كلمة أحلام واستبدلتها بكلمة أهداف وفهمت أن لكل الأشياء أدوات وآلية تحقق بها، بقت مشكلة واحدة، وهي كوني أحتاج أشخاص مقربون، وكوني بلا أصدقاء، بلا حب، بلا أمل حتى فقد استنزفت مني كل معاني الأمل حتى أودع ذلك الإكتئاب، ولكن شكلتني التجربة نفسها، لم أستطع أن أحدد كوني مهم لأحد غيري أم لا؟ أحيانًا أقضي أسابيع دون أن يسأل عني أحد، وأحيانًا أجد كل الناس تبحث عني وكأني متصدر مؤشرات محرك البحث”جوجل”، وأحيانًا انعزل تمامًا بلا سبب عن الجميع، كل ما في الأمر أني قد تغيرت، إن لم يتفق الواقع مع أفكاري، فأنا لن أغير الواقع، وسأعمل على تعديل أفكاري حتى أستطيع أن أتعامل مع تلك الحياة وهذا الواقع، ربما لم يكن اكتئاب ربما كانت سنوات تهذيب -نوع من الهندلة- على الحياة، لم أعد أخاف من شيء، لم أعد أتفاجأ من شيء، لم أعد أتعلق بشيء، وقفت ذلك التذمر في نفسي ضد الحياة، أصبحت أتقبل كل الأشياء وما يقابلها من الأشياء المضادة لها، أهرب من الأشياء المملة لأشياء مملة، أبذل كثير من المجهود لتحقيق أشياء صغيرة، وأحيانا يرميني الحظ بما لا أتعب له أو فيه، أحيانا أقول: وحيد أنت كعلبة سالمون فارغة ملقاة على طريق، لا يد تلقيها بصندوق الزبالة ولا عربة تدهسها في منتصف الطريق وأحيانًا أخرى أقول: أني أهم شيء وكل شيء ومع كل تلك التناقضات وتقبلها بصدق من داخلي بقيت أستطيع أن أتنفس الحياة بعيدًا عن الاكتئاب.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: