فتاة المترو (قصة قصيرة)

مراجعة لغوية: رغد كمال

لم أجد وسيلة مواصلات مناسبة في هذا الوقت إلا ركوب المترو، اتجهت مهرولاً إلى المقعد المجاور للنافذة ، وفور جلوسي وضعت سماعة الأذن الخاصة بي ليشدو صوت فيروز الساحر بأغنية أنا وشادي، وبدأت في تقليب صفحات كتابي الأسود يليق بك لأذوب بكل حواسي في هذه السيمفونية الرائعة، إلى أن قاطعها صوت كمسري المترو لأدفع له الأجرة.

 بدأت في العودة إلى وضعي الطبيعي قبل أن تقع عينيّ على هذه اللوحة الفنية الرائعة، التي همت بالجلوس بالجهة المقابلة لي، شابة في أوائل العقد الثاني من العمر، تمتلك مواصفات الجمال كما قال الكتاب:  “بشرة بيضاء كصفاء الحليب، وعين بنية ساحرة محاطة بأهداب كأنها تحمي هذا الكنز من هجمات العدو، شعر بني بغرة، كأنها أميرة هاربة من أميرات ديزني، وهذه الشفاة المكتنزة المصبوغة باللون الأحمر؛ ليزيد إلى هذا اللون إشراقًا مع اكتمال هذه اللوحة بارتدائها هذا الفستان ذا اللون الأزرق المحبب إلى قلبي” كأنها كنز محرم مكتوب عليه ممنوع الاقتراب والتصوير، لأرجع إلى وضعي الطبيعي وخجلي المعتاد كرجل عاجز عن نزول الشاطئ لعدم قدرته على العوم، فأكتفي بالنظر إلى هدوئه وغموضه الجذاب؛ لتدور في ذهني مجموعة من الأحداث والحوارات الخيالية التي لم ولن تتحقق على أرض الواقع، إلى أن أفقت على صدمة المستحيل وتحقيق المعجزات، لأشعر ببرودة شتاء ديسمبر القارس، وحرارة صيف يوليو، وفقد الأكسجين في الهواء كأن الأوان قد حان للاتجاه لكوكب آخر مع ضربات القلب المتزايدة، كأن أحدهم قرر وضعي على جهاز الإنعاش.

 لأشعر بيد تمتد تربت على يدي وتتكلم معي لكنني لا أستطيع السماع؛ ليس لصوت فيروز الهادئ، ولكن بحكم ذهابي إلى عالم آخر، نزعت سماعة الأذن وأغلقت الكتاب دون أن أميز نقطة الوصول، لأسمع أعذب صوت في حياتي، كأنه مزيج  أصوات سرب لأجمل الطيور، قررت أن تشدو بأعذب الألحان في الفضاء لتستفسر عن مكان يبيع هذا الكتاب حيث إنها استنفذت طاقتها في البحث عن هذا الكتاب ولم تعثر عليه بعد.

 شعرت بتدخل القدرة الإلهية حقًا في تلك اللحظات، حيث إن هذا الكتاب متوفر في كل الأماكن، وتمنيت أن يطول البحث لنصل إلى بلاد الهند، ويطول الحديث ليشمل عدة مواضيع في مجال القراءة، والكتب التي نتوافق بها في الأذواق والآراء  ويستمر الحديث ليصل إلى الموسيقى والسياسة والحياة الإجتماعية لأشعر بعدم وجود أي شخص سوى أنا وهذه الأميرة الهاربة في ذلك الكون؛ لأشعر بفك قيود الخجل والتحرر منها والانسياب في الحديث الذي أتمنى أن لا ينتهي فمن المرات القليلة التي أشعر بها أني شاب مازال في الثلاثينات من العمر، لا كهل تجاوز أرذل العمر انتهزت الفرصة كاللص الذي يحاول سرقة جوهرة ثمينة؛ لأقترح عليها بأن تستعير هذا الكتاب مع خجلها الذي يزيد من أنوثتها وجمالها؛ عن كيفية استرجاعه، لأصل معها إلى النقطة المراد الوصول إليها؛ بأن نتبادل أرقام الهواتف لنتقابل وبعد صمت لبرهة، مرت وكأنها الدهر كله بالنسبة لي، تقابل هذا الاقتراح بالموافقة، لأشعربإحساس غريب بأنني امتلكت الكون بما يحتويه، ورغبة عارمة للتحليق في سماء الكون الذي لم أشعر بروعته إلا في هذا الوقت، لأعطيها رقم هاتفي وتبدأ بحفظه قبل أن يأخذنا الحديث، ولم نتعرف على أسمائنا، فأخبرها بتسجيل الرقم باسم ماجد، فتخبرني بأن الاتصال الوارد إليّ هو منها ؛ نور. 

 وكأنها تصف نفسها وحالتها باسمها الذي  حقًا مشتق من النور المشع من أمامي بدأت في تلقي الاتصال المنتظر، نظرت إلى شاشة الهاتف بفارغ الصبر لاستقبال هذا الاتصال المنتظر، ليظهر على شاشة الهاتف رقم مسجل باسم أمي فتتسارع دقات قلبي، وبحركة لا إرادية أنظر إلى أمامي ولا أجد أميرة ديزني.

وكأنها فرت هاربة إلى عالمها الخيالي، وجدت مكانها كهل قد تجاوز أرذل العمر ووصل إلى نقطة الاستعداد للنهاية، وتقطع الصدمة يد تمتد من خلفي، إذ إن شاب في أوائل العقد الثالث من العمر يقف بجانب نافذة المترو، ويمسك بيده كرسي متحرك؛ أخذت أفكر هل هذا الشاب حقًا هو ابن خالتي حازم؟، تفوه ببعض الكلمات التي لا أستطيع إلا تمييز القليل منها كأنني في وضع إفاقة من أثر مخدر ما، إذ لم أميز إلا هذه الكلمات القليلة، ما بك يا ماجد، لقد شردت  لفترة طويلة كأنني أخاطب شخصًا من أهل الفضاء، أخبرني أن أخاطب والدتي لأنها تريد الاطمئنان على صحتي، لأفيق من غيبوبتي على هذه الكلمات من إحدى أجمل أحلامي التي أصبحت لا أملك سواها تلك الأيام، ساعدني حازم بوضعي على الكرسي المتحرك كأنه يعود بي إلى الواقع الأليم الذي أسعى إلى نسيانه وتخطيه لأنظر نظرة يملؤها الحزن والشجن إلى العبارة المكتوبة أعلى المقعد الذي كنت أجلس عليه: “مخصص لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة”.

4 thoughts on “فتاة المترو (قصة قصيرة)

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: