محمد سميح يكتب: ليلة أولى زواج (قصة قصيرة)

مراجعة لغوية: شذا لاشين

تدقيق لغوي: أسماء رضوان

كانت أمي تصرخ دائمًا، تقوم من النوم مفزوعةً، منذ أن مات أبي أصبح شبحه يطاردها في المنام، مرت خمس سنوات، ولا زالت على نفس الحال، صباحًا وليلًا تصرخ دومًا بفزغ أثناء النوم، فأذهب إلى غرفتها، أحاول أن أمنحها بعضًا من الهدوء والسكينة، وفي الصباح لا تتذكر أي شيء مما حدث  البارحة معها، وكالعادة أجلس أدون بعض التفاصيل في دفتر يومياتي الصغير، وينتهي بي المطاف نائمة على جانبي الأيسر بالفراش، أقلب في صفحات الفيسبوك، ورسائل الماسنجر، والواتساب، وأبقى تائهة كأني أبحث عن شيء محدد، حتى تقع عيناي على كلمات رسالة قديمة بالماسنجر.

                                              وحشتني جدًا

                                    مبعرفش أنام إلا أما تكتبلي

                           وبطلب منك فويس نوت عشان أنام عليه.

ظلت تلك الرسالة الأكثر مطاردةً لذاكرتي منذ الفراق، مرت حوالي ثلاث سنوات، لا زلت أتذكره بشدة؛ وكأن ما يربطنا ببعض حبل من الذكريات لا ينقطع مهما مر الزمان، أتذكره لدرجة تجعلني أغمض عيني، أتخيل وجوده الكامل معي، وصوت أنفاسه يبقى بأذني حتى أنام.

 وفي الصباح حاولت أن أتخلص من كل هلاوس وأحزان الليل، بدأت يومي ببعض التمارين الرياضية؛ حتى أحافظ على تلك الشعرة التي تفصلني عن جسد بدين.  بعد ربع ساعة من التمارين، بدأت وصلة رقص الصباح، على ذلك الإيقاع السريع بأغنية “غنيلي عن الباذنجان”، بدأت أنفض عن روحي الكثير من غبار الليلة الماضية، بدأت أتنفس بقوة وأرقص بحماس أشد، تتبادل حركات أكتافي في تمايل للأمام، بينما تندفع أقدامي بشكل عكسي معها، ويقوم وسطي بلعب الدور الرئيسي في خلق توازن الرقصة، بدأ العرق يبلل جلدي، وبدأت أسرح، لم يُنهي ذلك إلا صوت هاتفي وهو يرن.

ألو، إزيك يا يوسف؟ أنا نازلة أهو.

-يلا يا بيبي النهاردة هنختار ألوان شقتنا.

وصل يوسف بسيارته أسفل منزلي، وذهب بي إلى ذلك الكومباوند الجديد، الفارغ من كل شيء يحمل حياة؛ شارفت تجهيزات مسكن الزوجية على الانتهاء، لا أعلم كيف نسير إلى كل هذا ولكن لم تدُم الأسئلة بذهني كثيرًا؛ بسبب يد تسللت لتعبث بخصري الحزين، الذي مُنِع من استكمال وصلة رقصه الصباحية، ألتفت بوجه صارم، ونظرات حادة.

إيه دا؟ مش قلتلك يا يوسف بلاش الهزار دا؟

-أعمل إيه بس؟ لقيتك سرحانة في الحيطان قلت أرجعك تركزي معايا، ها بقى أنهي لون عجبك؟

الأزرق، الأزرق تمام.

ذهبنا لتناول الغداء، وسط سعادة كبيرة من يوسف لاقتراب موعد الزواج، وبداية نهاية تشطيبات شقة الزوجية، كان سعيدًا جدًا لأننا سوف نعيش معًا.

مش متخيلة يا إيف أما تحلمي بشيء وتحققيه، ومع إنك رفضتيني في أول مرة أتقدملك إلا إني فضلت مستني، وأهو في الآخر بقيتي ليا.

-مفيش حاجة بتكمل، وصدقني كان أفضل قرار ليا إني أختارك تكون جنبي يا حبيبي.

أنا بحبك.

-وأنا كمان بموووت فيك.

مد يوسف يده ليمسك بيدي، شعرت برعشة ورغبة في الابتعاد، وما أن لمحت حيرة الانزعاج بين عينيه، بسطت يدي، وعيوني تهتز في خجل، أُشعره كثيرًا بالسيطرة والقوة والرضا الداخلي، تبادلنا الحديث، والنظرات، وأحيانًا بعض اللمسات الخاطفة. وفي النهاية عدت للمنزل بينما ذهب يوسف إلى أصدقائه، وبقيت وحيدة شاردة غير منتبهة لكلمات أمي، أهز رأسي سريعًا، وأؤكد لها كل ما تسأل عنه. ذهبت أركض إلى غرفتي، أغلقت الباب ووقفت خلفه، أتحسس رقبتي، وأمر عليها بيدي لأسحب تلك السلسلة الساقطة بين نهديّ، أتذكر يد مراد عليها، بدأت أرتعش، تهتز الأشياء بالغرفة أمام عيني، أمد يدي وأسحب من حقيبتي سيجارة، أبحث عن الولاعة ولا زالت يداي ترتعشان بقوة، أشعل السيجارة، وبعد نفس عميق يغطي الدخان وجهي، ومن بعيد تظهر صورة مهتزة، هاربة من ذاكرتي، أحدق بها، وتحدق بي، تعبرني، فأجد بداخلها مراد نائم على ظهره، يدخن سيجارته السوداء، مستخدمًا يده اليسرى، بينما يده اليمنى في شعري تداعبه، والجزء الأيسر من وجهي ملقى أعلى صدره، أحاول أن أمسك بسيجارته، يسحبها بعيدًا.

أنت مش هتبطل تدخين بقى؟

-عوزاني أبطل؟

لأ عوزاك تشربني وهي بين إيدك.

لم أكن أحب دخان السجائر قبل أن ألتقي بمراد، إلا أن السجائر مع قربي منه، أصبحت جزءًا من حضوره ورائحته، كلما تسلل لأنفي رائحةُ دخان شعرت بالرغبة فيه، مع ذهاب الدخان والموت التام للسيجارة، أغلقت دفتر مذكراتي الصغير، وأشعلت سيجارة أخرى.

ظللت أراقب الحائط كالجندي أعلى الطابة، وحين أدركت أني لا أمنع حدوث أي شئ بتلك المراقبة، تذكرت كيف نقف نراقب دون جدوى، أو قدرة على تعديل مسار الأحداث، لم أكن أعلم مصدر أحزان قلبي، هل هو ما حدث بيني وبين مراد؟ أم عدم قابليتي لموت أبي؟ هل كنت أبحث عن رجل يشبه أبي؟ يمنحني الشعور بالأمان ومن ثم أعود لأفقده؟ هل يُخرِج الواحد منا حياته؟ ويوفر من يلعبون تلك الأدوار فيها؟

 وفي الصباح حاولت أن أتخلص من كل هلاوس وأحزان الليل، بدأت يومي ببعض التمارين الرياضية، بعد ربع ساعة من التمارين، بدأت وصلة رقص الصباح، بدأت أنفض عن روحي الكثير من غبار الليلة الماضية، بدأت أتنفس بقوة وأرقص بحماس أشد، تتبادل حركات أكتافي في تمايل للأمام، بينما تندفع أقدامي بشكل عكسي معها، ويقوم وسطي بلعب الدور الرئيسي في خلق توازن الرقصة، بدأ العرق يبلل جلدي، وبدأت أسرح فيما كان يخبرني مراد حين يعرق جلدي بين يديه، ومع صوت دقات الساعة ذهبت سريعًا إلى الحمام، أخذت دشًا سريعًا، وارتديت ملابسي، وذهبت إلى العمل، لم يكن مزاجي جيدًا بتاتًا، لدرجة جعلتني أنكبّ بين الأوراق والدفاتر، حتى وقت الراحة بقيت أتابع الأعمال.

إيه يا بنتي من أول ما دخلتي المكتب وشغل شغل، إحكيلي بقى عملتوا ايه في إجازة إمبارح؟

-ولا حاجة تابعنا تشطيب الشقة واتغدينا.

حلو يا ترى اتفقتوا تقضوا شهر العسل فين؟

-متفقناش أي مكان مع يوسف هنبسط فيه.

يا بختك يا سي يوسف أمك دعيالك ياعم.

بعد يوم من العمل المرهق، وحديث سريع مع يوسف، فتحت روايتي المفضلة ماجدولين، تقول ماجدولين شيئًا واحدًا حيال الرومانسية في العالم، أنها تقود وفقط إلى الدمار والموت، وبينما أقلب في صفحات الرواية، تدخل أمي بلا استئذان.

بصي يا بنتي أنتي كبرتي، ولازم تروحي لدكتور.

-دكتور لإيه يا ماما؟

دكتور عشان مينفعش كل ما تنامي تقومي مفزوعة جنب جوزك، في بيت أمك عادي، لكن بيت جوزك الوضع يفرق.

-حاضر يا ماما الصبح هحجز عند دكتور نفسي يعالج حالتي.

تفهمت وضع أمي، لم أخبرها أنها هي من تقوم مفزوعة في كل مرة تنام فيها، من وقت موت أبي، وإن ذلك سبب تواجدي دائمًا معها في غرفة نومها، لكني اعتدت أن أتكيف مع الأمور، وأتقبل الواقع دومًا كما هو.

 مرت الأيام سريعًا، واليوم سوف أتزوج من يوسف ونعيش معًا للأبد، كان العرس مبهجًا، ولطيفًا والجميع سعداء. ذهب الجميع من حولنا في نهاية اليوم، ولم يبقَ إلا أنا وهو، تقرّب مني لم أصده كعادتي، لكن همست في أذنه بأني متعبة، وأود أن نقوم بذلك ونحن بكامل قوانا، لأننا نستحق ذلك. تسللت سريعًا إلى الخارج، أخبرته أني سأدون بعض الملاحظات، عن أول يوم زواج وسأعود إلا أني بكل حزم مع كلماتي أغلقت عليه الباب من الخارج.

جلست أقلب في أوراق دفتري الصغير، الذي كان في سطوره أجزاء كثيرة من لحمي ودمي، في الصفحة رقم ٢٤٤ مدون:

 الفوارق الاجتماعية بيني وبين مراد كبيرة، كنت أعلم جيدًا أننا لن نستمر معًا، وأنني سأحطم قلبه المسكين، فهو يثير بداخلي كل شيء حد الجنون، كان مساحة آمنة، يمكنني فيها ممارسة أي شيء دون عواقب وخيمة“

 بينما في الصفحة رقم ٢٤١ مدون:

أحب لمسة يده، أحب أن أقدم كل جسدي له، أسعد كثيرًا حين أشعله ليحرقني، أتماثل بجسدي كفراشة حرة تود التحليق فيأسرني بقوة، ويضعني تحت الإقامة الجبرية، معه كنت أفهم معنى أن تكون امرأة لرجل، أن يتحد كيانان ما ليكونا كيانًا فحسب

وأثناء قراءتي شممت دخان سيجارة يوسف؛ مما أشعرني بالإثارة، ففتحت باب الغرفة، سحبت سيجارته، واقتربت؛ فأخذ يقبلني حتى سقطنا معًا على تلك الكنبة بزاوية غرفة النوم، في الصباح لم أجد يوسف بجواري سمعت صوته يتحدث في الهاتف.

أيوا يا عمي كل حاجة تمام بس إيف قامت مفزوعة من النوم تقريبًا حلمت بكابوس ودي حاجة قلقتني، أنا استنيت تنام تاني وطلعت أبلغ حضرتك تنصحني أتصرف إزاي؟

قمت بنصف عين مفتوحة، تسللت إلى الباب أراقب يوسف، وأثناء الحديث وقعت عينه على دفتري الصغير بالصالة، مفتوحًا على الصفحة رقم ٢٤١ وأخذ يردد:

كنت أحب لمسة يده، أحب أن أقدم له نفسي.

بدأ يقلب في الصفحات بانفعال شديد، ثم رد: مابقلش حاجة ياعمي وأنا سعيد جدًا مع  بنتك، وهقفل عشان متقلقش لو صحيت ملقتنيش جنب منها.

 كان ينهي المكالمة، وكنت أستعد لآخذ دشًا باردًا في شهر يناير، قد كنت أحب أن أتجمد عاريةً من البرد، لكن قبل أن أخلع ملابسي، سمعت يوسف يضرب الباب بعنف، مرددًا: “افتحي يا إيف واطلعيلي”. فكان ردي: أهدى يا يوسف أنا هطلع بعد ما أخد دش. أقعد استناني مش هغيب“.

ظل يوسف يطرق الباب مرارًا وتكرارًا، حتى توقفت عن الرد عليه، بدأ في التهديد بكسر الباب، ظللت واقفة تحت الدش لا أعبأ بأي شيء، لكن شدة إلحاحه على خروجي بدت مزعجة، صرخت فيه من خلف الباب.

لو اتطربقت السماء على الأرض مش خارجة قبل ما أخلص دش الماية الساقع بتاعي.

-ساقع إيه في الجو دا أنتي مجنونة أطلعي حالا.

أنا مش مجنونة، وحاعودك على دش الماية الساقع في الشتا، ومش طالعة قبل ما أخلص الدش.

ظل يصرخ ويضرب الباب في الخارج إلى أن انتهيت، ثم خرجت لأعرف منه ما سبب ثورته تلك، إلا أنه لم يتحدث كثيرًا؛ وقف يحرك عينيه وينطق بكلمات لا تكوّن جمل مفهومة، وسألني : أنتي عريانة ليه؟  أجبته بأنني قد نسيت أن أرتدي ملابسي بسبب ثورته على باب الحمام وأنا آخذ الدش البارد، سحب دفتر مذكراتي الصغير وقدم لي اتهامات بالخيانة، من بين سطور الدفتر وبخط يدي، نظرت بعمق في عينيه وطلبت منه أن يجلس على الكنبة، أخبرته أنه لا يفهم شيئًا، وأن تلك روايتي الأولى التي أعمل على نشرها قريبًا في معرض الكتاب القادم، أخبرني بأنه لم يكن يعلم أني أكتب من قبل، ملت نحوه أكثر، ومددت يدي بشعره وهمست بأذنه: إياك أن تُحَدّث ذلك الرجل ثانيةً عني، هو ليس والدي بل زوج أمي، قمت بشد شعره ببعض القوة، وسألته: هل فهمت؟، كان اللون الأحمر يضرب وجهه من التوتر، سحبته من رأسه نحوي، كان مستسلمًا تمامًا وقضينا ثلاث ساعات، أخبرته بعض التفاصيل التي قد يجهلها عني، تركته يتساقط إلى السرير؛ كأنه تلقى ضربةً في رأسه أفقدته الوعي، ليمثل حالة من النصف موت. قمت إلى المرآة؛ وكأنها تناديني، وقفت أرتدي ملابسي أمامها، وأنظر لتلك الصورة المرسومة لي فيها، في مظهر جسد بريء، نصف عاري، وضحكة هادئة بأنياب ذئب.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: