أسماء عبده تكتب: بروجيريا (قصة قصيرة)

مراجعة لغوية: شذا لاشين

تدقيق لغوي: رغد كمال

تتساقط المياه على رأسها لتغطي جسدها وبخار الماء مثل الضباب حولها، تفتح عينيها وتبكي، لا تستطيع أن تفرق بين دموع عينيها و قطرات الماء المنسابة على خديها، في هذا الوقت تحديدًا بدأت تنتزع كل ما بداخلها، وتحرر كل ما يدور بعقلها من قيود، ترتفع درجة سخونة المياه، بينما يقترب جسدها إلى اللون الأحمر، توقف عقلها عن العمل، كأنه لا يدرك ولا يشعر، توقف فقط عند تلك اللحظة و عند ذلك اليوم، تدور بعض الأسئلة داخل نفسها:

“لماذا تنتهك الحياة براءتنا، ولماذا علينا أن نواجه أصعب التحديات الحياتية في ذلك العمر صغارًا، ومع مرور الوقت نتلقف مسئولية أي قرار، يا ترى لماذا تترك لنا تلك المسئولية، لماذا يتركني حائرة حول ما أريد أن أكون، أيعد هذا ضربًا من العدل، هل حقًا أتحمل مسئولية ما حدث؟ أم أتحمل مسئولية الآثار المترتبة عليه، هل أحاسب على كل ذلك وحدي، هل كان سيتغير مصيري، لو لم يحدث لي ما حدث؟”.

بعد تواصل من جريان الأفكار، تتخلص من ملابسها المبتلة، وتنظر إلى السخان الكهربائي بيأس شديد، لقد فرغت المياه الساخنة به، تنهدت وقامت بغلق الصنبور، وأخذت منشفتها وخرجت إلى غرفتها، كان المنزل هادئًا كعادته، وفي ظل ذلك الهدوء، أخذت ترتدي أجمل ثيابها، فبرغم من كل ما في اليوم تبقى المحاضرة الأولى لها في الجامعة.

وقفت أمام الطلاب ثابتة بثقة عالية، وكأنها اعتادت ذلك المشهد مرارًا وتكرارًا، كانت القاعة مليئة بالضجيج، والجميع يتحدث في نفس الوقت، هذا الجيل من الطلاب لا يهاب أحدًا، متمردًا منذ ولادته، يعد الاحترام شيئًا قديمًا لا يليق مع موضة وظروف هذا العصر وكأنه كلما زادت وقحتك كنت أفضل، وقفت تشاهد ولم تتحدث، اكتفت فقط بالنظر لهم دون إبداء أي تعبير حتى بدأ الصمت يعلو، وتوقفت ألسنتهم وانتبه لها الجميع، فبدأت حديثها:

“مرحبًا، أهلا بكم في العام الدراسي الجديد، أنا الدكتورة جهاد” -وبداخلها صوت يردد-: “إن ذلك الاسم يدل كثيرًا على كل ما مررت به. “ طلبت من الطلاب أن يخبروها عن توقعات الدراسة معها هذا العام وأثناء ذلك بدأ الطلاب في الردود عليها، كان يدور بداخلها:

“هل علي أن أقص لهم ما حدث لي، لا لا، أعتقد أن أكبر مشاكلهم اليوم تدور حيال موضوعات الدراسة، وطرق المدرسين في التدريس، كنت أتمنى أن أشبه هؤلاء الطلاب، وأن تبقى كل همومي تلك المحاضرات، وأقوم بإلقاء النكات. إن أستحق الأمر، تمنيت لو مر عمري  في سلام ومن دون كل تلك الطبقات المتراكمة من العناء، ليتنى بنفس السطحية التي تشغل عقولهم، لا أحمل ضيقًا، لا أحمل همًا بداخل صدري، ولا أمتلك قصة تشبه اسمي”.

 عادت الأفكار تطاردها من جديد، لم تكن تريد أن تنضج قبل الآوان، أن ترى وتسمع وتعيش في عالم لا يعلم أحد وحشيته غيرها، لم تكن تريد أن تتجرد من طفولتها وحيائها، لم تكن تريد أن تكون امرأة كبيرة في عمر فتاة في مقتبل العمر، انتبهت للهدوء، وفراغ الطلاب من الردود، فهمت أن عليها معاودة الحديث وجهت عيونها بقوة نحوهم قائلة:

“والآن أنا هنا أمامكم بعد جهاد حقًا، يشبه اسمي، أنا معكم في بداية جهادكم الحقيقي، في تدريس مادة علم النفس الاجتماعي، أعلم أنكم على دراية بتلك المادة، وأعلم أيضًا أن كثيرًا منكم يرى أنها مادة مزعجة، ولكني سوف أترك لكم حرية التعليق على ذلك عند الانتهاء من المحاضرة، وعما إذا كانت حقًا شيقة أم مملة؟”

 قالت تلك الكلمات بقوة وبنبرة صوت حادة، ولكنها غير صارمة، اكتست بنظرة ثابتة، وجسد يغرس أقدامه بأرضية المنصة ويدين متشابكتين، لم تكن واثقة حقًا، كان مظهرها الخارجي عكس ما بداخلها، ولكنها تعلم عن الناس الكثير، تعرف أن الثقة هي أساس كل شيء، يمكنك أن تتفوه بالخرافات والأكاذيب، وسيصدقك الناس إذا كنت تتحدث بكل ثقة، هكذا يُمَرّرُ للناس أحاديث رجال السياسة في البلاد، تعد البداية بمثابة الانطباع الدائم، والحزم فيها هو الطريق الوحيد لتخاطب مثل هذا الجيل المتمرد، فبرغم كل ما يملكون من انفتاح لم تتوقع منهم التفهم، أكملت الحديث إلى طلابها:

“الآن سوف أخبركم بقصة ما، وأريد أن أستمع إلى التعليقات عليها، الأفضل أن يكون لديكم ورقة وقلم، وكلما أردتم السؤال عن شئ أو توضح شيئًا، دونوا هذا”.

 تحمس الطلاب إلى هذا كثيرًا، فالكل يحب الشعور بأن لديه حق التعبير، مر الوقت، وانتهت المحاضرة، خرجت سريعًا تستقل سيارتها السوداء ذاهبةً إلى المنزل الهادئ الفارغ من أي أحد تشاركه تلك اللحظة بعد أول محاضرة لها كمدرسة بالجامعة، احتفظت بالصمت طوال الطريق، فعندما يصاحب المرء وحدته يصبح كل ما حوله سراب، يصبح بعيدًا عن الجميع، حيث عالم لا أحد فيه يستطيع أن يفهمك، فيسكنك الصمت دائمًا، وأثناء كل هذا الصمت كانت تسأل نفسها:

“هل اليوم مر بسلام؟ كيف كانت نظرتهم لي؟ وماذا عن حديثي؟ هل اعتقدوا أن تلك القصة كانت لي؟ وماذا لو اعتقدوا هذا حقًا؟ هل أستطيع أن أكمل؟ ليس كل ما يظهر هو الحقيقة، ربما الحقيقة الوحيدة هنا: أني ما أنا عليه الآن”.

شعرت ببعض الاختناق، فتحت جزءًا من نافذة السيارة، فأخذت أوراق تعليقات الطلاب على الكرسي المجاور تتطاير، وبرز تعليق عن بقية التعليقات أمام عينيها وهي تتابع طيران الأوراق بين كرسي ونافذة السيارة، بينما يهرب بعض الورق من الجزء المفتوح من النافذة، كانت مبتسمة تفكر في كيف أن هذا الجيل مع كل هذا الانفتاح معرفيًا واجتماعيًا مثل سابقيه، لا يتقبل أن نخطئ ولا يتقبل مغفرة الأخطاء، تبقى المظاهر دائمًا في الصدارة وأن كل ما هو ظاهر يصدق، ربما نحيا في عالم به يكون الخداع سهلاً وإطلاق الأحكام أشد سهولة، ربما تختلف المظاهر عبر الحياة وتبقى العقول كما هي، نظرت مرة أخرى لتلك الكلمات التي برزت من الورقة، وأخذت تقرأها بصوت مرتفع: “إنها لا تستحق فرصة أخرى”. ابتسمت في سخرية وقالت: “والآن العاهرة تعد جيلاً جديدًا.” 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: