حسام محمد يعقوب يكتب: الجد ريان (قصة قصيرة)

مراجعة لغوية: رغد كمال

 في ليلة من ليالي كانون الثاني الممطرة، تسلّط ضوء القمر المكتمل على هذا المنزل المنفرد وسط الحقول الخضراء؛ ليرصد الضوء المنبعث من إحدى نوافذ المنزل، وبداخله يوجد هذه الغرفة الخشبية التي تحتوي على طاولة طعام محيطة باثني عشر كرسي يُوضع فوقها ما لذ وطاب من أجود الأطعمة وخاصة الديك الرومي الذي يتوسطها. وبالجانب الأيمن منها كان هناك مقصف فوقه دلو يحتوي على زجاجة نبيذ فارهة للاحتفال بحدثٍ ما وبعض كؤوس الكريستال التي تتراقص حوله لتشارك الاحتفال المهيأ بالإضاءة المنبعثة من النجفة المعلقة وسط سقف الغرفة التي يتلألأ ضوءها في أرجائها، وينعكسُ بريق هادئ من الكريستالات المتدليات منها لتناسب الإضاءة ألوان الحائط والسجادة اليدوية المحتضنة أرضية الغرفة. الآن، تدق عقارب الساعة المعلقة على الحائط لتتم الحادية عشرة مساءً.                        

 يجلس على الكرسي الجد “ريان” الذي تجاوز السبعين ربيعًا ـ مرتديًا سترته الصوفية ذات اللون الرمادي المحبب إلى قلبه، وتنعكس صورته في المرآة الضخمة كأنه سيُلقي خطبة ما، همّ بارتداء نظارته الطبية ونظر إلى يساره حيث تجلس ابنته الكبرى “سارة” ذات البشرة البيضاء، التي تشبه والدتها في الملامح عدا شعرها الكستنائي المجعد الذي لم تحبه يومًا، إلا أنه كان يعشق لون عينيها البنيّ وضحكتها الجميلة؛ فهي تذكره بزوجته الحبيبة، واستمر بالنظر إليها نظرة العاشق للوحة فنية؛ حيث تذكره بذكريات يصعب نسيانها. وفجأة، قاطعه حفيده الأكبر “جورج” الذي يجلس بجوار أمه، لكنه صورة من أبيه الجالس على نفس الصف، وبعد تخطيه الابن الأوسط “مايكل” والابنة الصغرى “ساندي” التي ورثت جينات الشكل من والدتها، قطعت حبل أفكاره ضحكة بلهاء من جورج وهو يسأل جده عن الحلوى المفضلة لديه:

– آسف! التهمتها جميعًا بعد العشاء.

 يضحك الجد ضحكته الخجولة ويطمئنه. ثم يتجه بنظره إلى يساره، حيث يجلس ابنه الثاني “سام” الشبيه الآخر بوالدته، مع اختلاف ابتسامته المتجمدة؛ لتليق بزوجته “صوفي” ذات الملامح الباردة التي توحي بأنها الملكة “إليزابيث” التي تنازلت لتناول العشاء معهم. ولا يُحزِن الجد سوى الطفلة الجالسة بينهم “سنتيا” التي تُشرِف على استقبال المشاعر ذاتها قريبًا. ويقاطع نظرته للطفلة بحسرة صوت الابنة الثالثة “ماري”، التي لا تشبه أيًا مِن والديها، وعلى الأرجح تشبه جدتها مِن أبيها، لهذا هي الأقرب إلى قلبه دائمًا، وأكثرهم عطفًا عليه بعد زوجته الجميلة. كما يتمنى أن يجتمع هذا القلب مع ملامح “سارة” و”سام”؛ لتكتمل لوحة زوجته الجميلة ـ حتى انقسم هذا القلب إلى قلب “ماري” وقلب زوجته الحبيبة. أما “رام”، هذا الشاب الطموح الذي يعشقه وأعطاه غاليته “ماري”، تأملهما بحب بعد عودتهما من قضاء شهر العسل، وسرعان ما تحولت نظراته من تأمل لودهما إلى ترقب وجود كرسي إضافي بينهم إلى الطاولة. بعد فحصه لعائلته، شعر بمشاعر دافئة زادتها حرارة المدفأة. ضحك بصوت عالٍ متذكرًا كلام والدته وإلحاحها على زواجه، وتمتم بكلمات لم يسمعها أحد:

– ليت أمي تشاهد هؤلاء الأبناء والأحفاد الرائعين.

ثم اتجه بنظرِه إلى الابن “ريان” الأصغر كما كانت تطلق عليه والدته؛ لتشابهه الشديد مع ملامح والده، ونظر إلى ابنه الذي يرتدي بذلته الرمادية الغامقة، وقميصه الرمادي الفاتح، والنظارة الطبية الجديدة التي يرتديها غالبًا لعمله الدائم أمام الحاسوب التي لا يعرف الجد متى ارتداها ومتى أنقص وزنه ـ كما لا يعرف الكثير عنه لانشغاله الدائم وسفره المستمر. وهذه النظرة الشجية لابنه ريان لعدم وجود حبيبة بجواره، مع عجزه عن إعطائه روح الاستقرار. وخلال لحظات الشرود، انتفض الجد على صوت جورج مهللاً باقتراب الساعة إلى الثانية عشرة صباحًا ليودع عامًا ويستقبل عامًا، لكن فرحته الأكبر كانت بسبب هذه الوليمة العظيمة. وبرمقة سريعة من الجد لعائلته، تمنى للجميع عامًا سعيدًا محققين كل أمانيهم حتى انطفئ الضوء ليبدأ العد التنازلي: (واحد، اثنان، ثلاثة) وسط صيحات الجميع. أضاء النور مِن جديد ولكن هذه المرة كانت الإضاءة خافتة، كأن تلك النجفة تخلت عن جميع أبنائها، باستثناء الابن الأصغر الذي يكافح لإكمال الحياة بروح تنقصها الحياة. ليتسلط ذلك الضوء الخافت على المقصف الذي يسكنه بيت عنكبوت قرر مغادرة هذا المنزل لأسبابه الخاصة مع خلو المشهد تمامًا إلا من دلو فارغ يحتوي على زجاجة نبيذ فارغة قررت أن تتطاير في الهواء لاختناقها من جو البيت. ثم يتجه إلى مدفأة خالية من أي حطب أو دفء؛ كأنها قررت أن تنشر البرود في البيت، ثم يتجه إلى ساعة الحائط التي تقف عقاربها على الثانية عشرة صباحًا، ولا تتحرك كأنها ساهمت في توقف الحياة في البيت. والرجل العجوز ذو السترة الرمادية والنظارة الطبية تمتلئ عيناه بالغيوم التي تعطل الرؤية، مع نظرة يملؤها الوجع والحنين، متسلطة بشكل مباشر للأمام على لوحة فنية يصعب تمييزها مِن قرب. كأن ذلك المصباح المتبقي قرر الخروج من حضن هذه الأم، لتتضح الرؤية للوحة مرسومة لشاب في مقتبل العمر يرتدي بذلة رمادية ونظارة طبية كأنها أشياء متفق عليها في المنزل، وعلى وجهه ابتسامة حنونة مشرقة بها لمسة شجن مستعدة لاستقبال هذه الحياة وهذه الـ…

لا لقد انعدمت الرؤية ليسود الظلام في ذلك المكان معلنًا إسدال الستار على هذا المشهد.  

14 thoughts on “حسام محمد يعقوب يكتب: الجد ريان (قصة قصيرة)

  1. ماشاءالله
    في سرد كويس ومنطقي للقصه ووصف جيد ودقيق لافراد الاسره وتوضيح للشبه بين الابناء والاباء ودا بيدل ع قوه الملاحظه وقراءه جيد
    بالتوفيق في اللي جاي

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: