فؤاد الأخضر يكتب: لذة المرة الأولى (المحطة 1)

مراجعة لغوية: أسماء رضوان

– مريد، هل تؤمن بالحب؟

على الرغم من جديته، إلا أنني سرحت بعينيّ بعيدًا، لا تزال تبهرني من الداخل تجديدات محطة قطارات مصر برمسيس، رغم  أنها انتهت وقت الثورة منذ بضع سنوات. عدت بعينيّ لهذا الرجل الخمسيني ذو البذلة السوداء والشعر الرمادي على الجانبين، وبنفس جديته أجبته:

– تقصد أن تحبني امرأة وأحبها؟ لا، لا أؤمن. فلقد كان لي نصيبي من خيبات الأمل.

ثم ابتسمتُ وتلون صوتي بين مسحة حزن وسخرية:

– لعلني أجد من تتحدث عنها هذه في الجنة.

– ألست  في العشرينيات؟ إنه شيء حزين يا مريد.

– نعم، ولكن فرضًا إذا وجدته، فأنا لا أقدر عليه، أنا لا أملك شيئًا.

– وهل تؤمن أن حبًا حقيقيًا واحدًا بإمكانه تغيير حياة المرء؟

– أعلم ما تقصد، بالطبع شعرت بالحب، ظننت أن كل شئ ممكن، كانت بفرقتي في الجامعة، والآن هي متزوجة.

– ربما لم تكن المنشودة.

ثم أشفقت ملامحه وبصوت خفيض أكمل:

–  إذًا، ألم تعد تؤمن بأن الحب يغير الواقع؟

– لا، لم أعد أؤمن.

اعتدل في جلسته وبدا جديًا مرة أخرى  وواثقًا وهو يقول:

– كثيرون قد تغيرت حياتهم بعد حب حقيقي، وجدوا مشروعات أعمارهم، وأصبحوا أثرياء، أو أدباء، سافروا حول العالم، اكتسبوا مهارات، وذاقوا الحياة، وجدوا الوقت والعمل والحب، احتمالات لا تحصى يا مريد.

إن تفاؤل وسذاجة هذا الرجل الغامض بدأتا تزعجاني حقًا، ولكن ربما عليَّ الانتظار قليلاً فإن طعام الإفطار الذي طلبه لنا ودعاني إليه على وشك الوصول. وأنا أنظر لقائمة الطعام بملل، بدأتُ أن ألاحظه وهو يشرد مرة أخرى بعينيه بعيدًا عني، ويمصمص شفتيه، وينظر للسقف ونوافذ المطعم ذات الطراز الأندلسي،  ومع مصمصة شفتيه يزفر تنهيدة:

– الحب!

ما يفعله، على الرغم من شعوري بأنه لا يتصنعه، به غرابة ووقاحة واستهزاء. أو ربما هو مجنون فحسب، لماذا أنجذب دائمًا لمجالسة المجانين؟ أو كأنه ليس من مصر، أو خرج للتو من فيلم من أفلام الخمسينيات. أتمني أن يفوته قطاره. استيقظتُ من أفكاري والنادل يضع أمامنا أطباق طعام الإفطار.

أثناء تناول طعام الإفطار أخذت أفكر كيف سأهرب منه بأدب، أصوات المحطة بعضها لا يزال يصل  إلى مسامعي رغم هدوء المطعم، الإعلانات، ومواعيد القطارات على الألسنة وأصوات خلق كثيرين بالخارج، لكن صوته جاء واضحًا مسموعًا وهو يعاود الحديث بعد أن ينظر إليّ لثوان، يبدو على ملامحه الثقة والجدية  كأنه سيتلو آيات قرآنية:

– ماذا إذا أخبرتك يا مريد، في هذه اللحظة، التي نجلس فيها هنا والآن ، هناك مليارات من النساء في الخارج، وهناك منهن ألف امرأة وفتاة، هن الأقرب إليك، في الاستجابة لك ولمشاعرك، وقد تجد معهن الحب، ماذا إذا أخبرتك أنهن جميعًا معك الآن في نفس هذه المدينة الكبرى، وأن إحداهن، ربما، هي توأم روحك؟

ابتلع مريد ريقه وظل ثوان ينظر لهذا الغامض المدعي (كريم – رجل أعمال)  وعلى وجهه تعابير دهشة، ما لبثت أن تغيرت إلى ضحكة:

– ألف امرأة! إحداهن الأقرب لي؟

– نعم، الأقرب إليك في احتمال الوصال والحب، وهن أيضًا لا يعرفنك، مثلك تمامًا، أنت لهن مجهول، منهن من قد تتجاهلك وتصدّك بل وبعضهن قد تعاديك. على الرغم من ذلك فإن واحدة منهن هي توأم روحك.

رفع الغامض يديه من فوق الطاولة البلاستيكية مستخدمًا ذراعيه لوصف شيء ما لمريد وهو يبتسم:

– ألف امرأة، كل واحدة مختلفة عن الأخرى في الشكل والمضمون، ألا تعلم أن الطبيعة غنية وجميلة يا مريد؟ نحن فحسب من لا يرى أحيانًا سوى غرفتنا المظلمة من العالم، احتمالات لا تحصى. وصادف أنهن جميعًا في نفس المدينة.

ثم بدا كأنه تذكر شيئًا ما، ثم نطق بحماس:

– في الواقع إن بعضهن فى هذه المحطة، وهناك فتاة  فيهن أكثرهن تمنيًا ورغبة لرؤيتك قبل أن تعرفك، أرغب  أن أريك إياها هنا والآن.

سرت رعشة غير مرئية في جسد مريد،  قد تناسي للحظات أن من أمامه قد يكون مجنونًا، رغب بتصديقه كطفل يتمنى وجود بابا نويل، لم يختبر في حياته إلا حبًا من طرف واحد، وها هو الآن أمام فكرة أن ألف امرأة قد يبادلونه الحب، وأن له توأم روح.

هز مريد رأسه من سخافة الفكرة، وتناسى كلمات الغامض الأخيرة كأنه لم يقلها، رغم أنه طالما أراد سماعها و شعوره يرغب بتصديقها.  ضحك وقال:

– إذًا، لم لا تخبرني باسم توأم روحي الآن؟

– ربما تجدها بين الألف، لن يعلمها بعد الله إلا أنت،  هذا أقرب ما استطعت الوصول إليه، لكن عليك أن تنهي الأمر كاملاً إذا وافقت وبدأته ، وإلا…

– وإلا ماذا؟

استند الرجل الغامض بظهره إلى الكرسي، ناظرًا هذه المرة من النافذة التى تكشف سماء الصباح  الزرقاء وتطل على أرصفة القطارات تحته بحزن حقيقي، واسترسل:

– وإلا لن تعرفها أبدًا ، ولن تعرفك أبدًا؛ فأنت توأم روحها كما تعلم، مثلما هي توأم روحك.

نظر مريد لبقايا الطعام أمامه فى الأطباق، كان الحديث قد شغله عن الطعام، ثم عاود النظر لهذا الرجل الذي بادله النظرات منتظرًا قراره، فتغيرت تعابير وجه مريد، وترك أدبه ونطق بلهجة وصوت أقرب للاستجواب:

– إذا كنت صادقًا، فمن أنت حقًا؟ ولماذا أنا؟ … هل أنت أحد مديري مواقع المواعدة عبر الإنترنت؟ هل ستطلب مني بضعة آلاف أو بعض المال لتجد لي توأم روحي؟ هل أنت صاحب موقع إباحي ما؟ أتغريني لأعمل معك في الدعارة مع ألف امرأة؟

ثم جاءت فكرة أخري علي باله فاستطرد بتوجس وخوف:

– أو ربما … أنت شاذ فحسب تحاول أن تجد طريقك إليّ.

– أوه مريد، لست كذلك، وهؤلاء النساء لسن كذلك، لقد أسأت فهمي، أعلم أن هذا كثير عليك.

– إذًا… ماذا؟ هل تخبرني أنني سأكون دون جوان؟

تغيرت تعابير الرجل الغامض فجأة، عندما ذكر هذا الاسم، ضرب بيده  الطاولة بعنف، وصرخ في وجهه بعضلات متشنجة علي عكس ما ظن مريد بشخصيته:

– دون جوان وجد الجنس، لم يجد الحب!

شعرت بالحرج من نظرات الجميع لطاولتنا فجأة، وابتلعت ريقي إثر صرخته، لم يهتم بمن حولنا كأننا أنا وهو فحسب في هذا المطعم.

عاد ناظرًا إليَّ هامسًا:

– مع احترامي للجنس، لكني أعطيك فرصًا حقيقية أكثر من ذلك.

وكأن جسدي قد علق بالكرسي، لكني قاومت الشعور بالخدر وقمت من مكاني،  وهو لا يزال جالسًا، نظرت له بشفقة مع إحراج الموقف والصرخة، بعض الجالسين لا زالوا ينظرون، فتحاشيت أعينهم، ورأيت عينيه  تدمعان وهو ينظر إلي كأنه يتوسل إليّ أن أقبل بعرضه الغامض المريب.

لم تختفي حيرتي. في الثواني الماضية تخدرتُ بفعل كلماته ورغبت بتصديقها، ولكن من هو؟ ولماذا أنا؟ ولكن لا جدوى من سؤال المجانين مثل هذه الأسئلة.

قلت له بنية الانصراف  هامسًا حتى لا أحرجه أكثر بعد أن أخرجت ثمن نصف طعام الإفطار ووضعته على الطاولة بين حيرة وخوف وشفقة:

– اعذرني سيدي، لقد قابلتك مصادفة للتو في مكتبة المحطة بعد أن أوصلتُ  صديقي، وقد أعجبني حديثك بداية، لكن أظنك تحتاج لمساعدة نفسية حقًا، شكرًا على طعام الإفطار.

نظر إليّ بعد أن نظر للنقود الموضوعة على الطاولة:

– أوه مريد، إنك حقًا تهتم بغيرك، إنك شخص جميل.

إنها كلمات جميلة، لكني لا أثق به، ابتسمتُ وحاولت أن أجعلها ابتسامة جيدة تقديرًا لحالته لكنها خرجت باهتة وسريعة.

أمسك فجأة بذراعي قبل رحيلي:

– أنت مميز، ولكن هل لديك شجاعة كافية حقًا؟

كان هذا مخيفًا!

سرت بأنفي الطويل، وجسدي النحيل، وثيابي المتواضعة،  شاردًا في أفكاري، ليس من أمثالي من له حظ مع ألف امرأة، كانت النساء والفتيات تتحاشينني عاطفيًا طوال حياتي، كنت مختلفًا ولا أزال وفشلت في محاولة أن أتغير في فترة المراهقة والجامعة، فشلت في أن أصبح عاديًا أو مقبولاً  لهن، وفي أفضل الأحوال اعتبروني غامضًا أو فردًا يتوجب عليهن التعامل معه لبعض الوقت، إلا أمي بالطبع، وقالت لي التي أحببتها يومًا وهي تتركني:” أنت نقي جدًا.”

لا أعلم لم آلمتني هذه الكلمة، وتمنيت حينها ألا أكون نقيًا؛ إذ كانت ستبقى معي، أعلم حقيقتي مع النساء وقد رضيت بها، لا أقبل أملاً كاذبًا،  ولكن أشعر حقًا بالشفقة تجاه هذا الرجل، إنه يحتاج للحب بقدري ربما، هكذا يصل حال أناس مثلنا ليس لهم فرص فيه، ولكن شكرًا لك أيها الغامض، شكرًا على بعض الكلمات اللطيفة وبعض أملك الكاذب، تذوقتها كمشروب لطيف مع الإفطار.

ثم جاءت على بالي هذه الكلمة التي  قالها (توأم روحي) زفرت وقد أحزنتني، ولكن ما لبث الحزن أن تناثر ورحل بهدوء مع هواء المحطة البارد.

كنت قد خرجت من ركن المطاعم، وظهر الممر الطويل المفتوح أمامي،  حيث يوجد في الأعلى سقف المحطة المكشوف، وهذا الهرم الذهبي الرفيع الجميل المقلوب الذي يتدلى من السقف في وسط المحطة على يميني، والسلالم الكهربائية المتحركة ،  والمارة يسيرون في الاتجاهين على الممر. أشعة شمس الظهيرة يصل بعضها إليّ، دون حرارتها.

أفقتُ من شرودي وأنا أعبر الممر على رأس كلب يداعب ظهر يدي ويطلق نباحًا فاجأني، نظرتُ أسفل مني فوجدته  كلبًا جميلاً. نظرت لصاحبه، عينان رماديتان، شعر قصير، وجه وسيم وبشوش، وجسد رياضي وكذلك ثياب رياضية، يبدو أنه يقربني في السن، يمسك طرف حبل الطوق بيده، و قال ضاحكًا:

– معذرة ، يبدو أنه أحبك.

– مددت يدي أداعب رأس الكلب، لم تمس يدى هذا النوع من الكلاب من قبل، مسدت وحسست على فروته التي هي أقرب لملمس القطن، ناعمة و دافئة،  ملمسها حميمي للغاية، كأنه علاج للوحدة، أبتسم وأنا أداعبه أيضًا تحت رقبته وقد أغمض عينيه:

– إنه كلب  (جولدن أمريكان) واسمه (جوتشي) إنه كلب طيب.

ثم استطرد بعفوية:

– ألا يستحق الحب؟

نظرت لصاحب الكلب نظرة خاطفة وقد استغرقتني  جملته ثم أوأمتُ له برأسي:

– نعم، إنه  كلب طيب.

نزلت على ركبتي ووضعت يديّ بين أذني الكلب ذي الفرو البني الفاتح مع الأبيض،  نظرت له وهو ينظر إلي وقلت:

– وأنا أحبك أيضا يا جوتشي.

هكذا جاء أول وآخر عهدي بجوتشي هذا اليوم، وأنا أراه مع صاحبه يتجهان إلى هذا المطعم من حيث خرجت.

 ثم حدث أن  لمعت عيناي عندما تذكرت ما حدث منذ ساعتين.

*********************************

– يقال إن مقابل كل شاب يعجب بخمسين فتاة وامرأة على مواقع وتطبيقات المواعدة، هناك فتاة تعجب بشاب واحد من كل خمسين، معاييرهم عالية، أليس كذلك؟

نظر مريد لصديقه ذي الزي العسكري الذى يراه للمرة الأولى منذ أن التحق بوحدته فى سيناء، وهما فى انتظار قطار الصعيد على إحدى أرصفة المحطة،أومأ برأسه له موافقًا على ما قاله.

نظر محمود لمريد واستطرد:

– لكن أتعلم يا صديقي، هذا ربما يعني أنه إذا كانت امرأة واحدة مميزة فى عيني رجل بين خمسين امرأة، فإن رجلاً واحدًا مميزًا  فى عيني امرأة بين ألف رجل!

– هذا الرجل محظوظ؛ لأنه ليس أنا.

قالها مريد، فضحكا سويًا، ولكن محمود نظر إليه قائلاً:

– الألف سوف ينالون  حظهم أيضًا.

 ثم أكمل عابثًا ضاحكًا:

– انظر لي، قد كنتُ مغمورًا مثلك والآن أنا مميز لأني مجند بسيناء.

– أنت محق، ربما عليّ  أن أحمل حياتي بين كفي لأنال إعجاب الفتيات.

ضحكا، ثم أدرك مريد سخافة ما قاله فشعر بالحرج.

سمعا صوت مجىء القطار، احتضن مريد صديقه:

– اطمئن ستنال نصيبك يا صديقي، شكرًا لأنك حضرت لتراني في هذه الساعة المبكرة قبل عودتي لبلدى.

– أتمزح؟ لم أرك  منذ شهر، لم نكن نفترق فى الجامعة، إجازة سعيدة.

ابتسم محمود وحمل  مخلته، حقيبة ثيابه، يستعد  للرحيل.

فى هذا الممر لا يزال مريد يجلس على ركبتيه بعد رحيل جوتشي وتحضر على باله آخر كلمات صديقه له قبل أن يطلق قدميه ليلحق بإحدى عربات القطار.

ينظر محمود لثوان قبل رحيله إلي رؤوس الشباب والعامة على الأرصفة المدفونة مع أعينهم فى شاشات هواتفهم الذكية المضيئة، يزفر وينظر لمريد باسمًا :

– أيضًا الأشرار يحظون بالحب، ألا نستحق الحب يا صديقي؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: