شذا لاشين تكتب: رؤى (قصة قصيرة)

–          اسحبي المعاش بكرة يا رؤى، ما تنسيش!

–          حاضر يا ماما.

أجابت رؤى وهي تتجه نحو غرفتها لتستريح بعد يوم عمل شاق.

(في اليوم التالي أثناء العمل)

–          روءة! فيه موضوع كدة عايزة أكلمك فيه.

–          خير؟!

–          وأنتِ طالعة من الشركة امبارح، حسان صاحب محمد شافك وعجبتيه وعايز يتقدم.

لم ترفع رؤى عينيها عن شاشة الكمبيوتر وتمتمت:

–          رقم ماما معاكي يا عزة، خليه يكلمها!

لم تستفسر رؤى عن مواصفات العريس، ولم تُضِف عزة أي إضافة أخرى. فلقد يئست المسكينة رؤى من تلك المسألة فهي لم تُخلق للزواج. كانت ترى من يحاولون التقرب منها “هفأ” و”مايملوش العين.”

لم يطُل الأمر حتى وجدت رؤى نفسها في صالون البيت مدهونة بمساحيق التجميل، وأمامها العريس ووالدته، ويتوسّط الجلسة والدتها وخالتها.

لم تعي رؤى أيًا من كلمات الثلاث سيدات ولا العريس إلا كلمة واحدة خرجت من فم حسان:

–          ست الحسن والجمال تتشال فوق الراس.

تحرك جبل ثقيل بداخلها أدركت وجوده لتوها ما أن سمعت كلمة “ست”، وبعفويةٍ وضعت يدها على وجهها، تذكرت شجارها مع ابنة خالتها منذ قليل حول عدم رغبتها في وضع تلك المساحيق التجميلية، ولكنها في تلك اللحظة بالذات امتنّت لابنة خالتها كثيرًا؛ حيث أعانتها على الظهور بأبهى صورها المتألقة.

(بعد بضعة أشهر)

–          رووووءة حبيبتي.. فين شرابي الرصاصي؟

–          بابا أنا محضرالك كل حاجة ع التسريحة.

لم تستطع رؤى رغم ذلك أن تستكمل نومها؛ فلم يهدأ لها بال حتى اطمأنت أن حسان وجد جوربه الرصاصي. لفت يدها حول خصره، ورمت برأسها على صدره، أخذت نفسًا عميقًا حتى امتلأت رئتاها برائحة عطره. رفعت رأسها لتنظر إليه، تجاهلت ما لاحظته من احمرار بعينيه، وبلهفةٍ مررت عينيها على تقاسيم وجهه حتى استقرت عيناها على لحيته، فداعبتها:

–          بقوا ١٥ شعرة بيضا.

وابتسمت ابتسامة عريضة. مسح حسان بيده على رأسها وكأنه يداعب طفلة صغيرة، وأخذ مفاتيحه ومضى.

(بعد سنة)

–          وحشتني.

–          مش قادر.

(بعد أسبوع)

–          حتلبسي أنهي فستان النهاردة؟

–          أنت عايزني ألبس إيه؟

–          إلبسي الفستان الأصفر!

–          حاضر.

(في الحفل)

–          أنتِ رؤى مرات حسان؟

–          أيوة أنا.

–          أنا أحمد الطويل ابن خالة حسان وداليا.

–          أهلا وسهلاً.

كان حسان يراقب المشهد من بعيد، أراد أن يقترب حتى يسمع حديثهما، ولكن جاء ألفريد صديق داليا الحميم ليخلق معه حديثًا ما؛ فمنذ آخر لقاء والوضع متوتر بينهما:

–          ما تيجي تزورنا يا هسان أميريكا تغير جاو with your wife.

ازدرى حسان ألفريد بنظراته، وجال ببصره بحثًا عن أخته داليا حتى تنقذه من هذا الحديث الجاف الذي لا يحمل أي معنى؛ فمهما حاول ألفريد التقرب منه، لن يفلح في ذلك. ارتطمت عينا حسان بسيقان داليا العاريتين، أشاح بوجهه بعد أن غلّفه تجهم واكفهرار:

–          كفاية عليكم بابا، بيغير جو لينا كلنا.

لم يعط حسان ألفريد أي فرصة للرد، وبخفة وجّه حديثه إلى داليا:

–          عملتي اللي في دماغك بردو؟!

–          طب بذمتك مش مبسوط إنك شفتني؟

–          يا ستي مبسوط وكل حاجة، بس مش لازم الهيلمان ده كل مرة، وتجيبي الناس من الشرق والغرب! عيد ميلاد البرنسيسة يعني؟!

–          حتفضل قِفل طول عمرك.. ما تتعلم يا أخي من بابي شوية حب الحياة.

–          أيوة أيوة بابي ده هو اللي حايشك عني.

رغم اندماج حسان في الحديث مع داليا وألفريد، لم يتخلّ تمامًا عن متابعة حركة رؤى. فمن حين لآخر كانت عيناه تتبادلان النظر بين محدثيه وبينها.

(في الليل)

ارتدت رؤى قميصها الأحمر الذي طالما أحبه حسان في الماضي، أسدلت بشعرها على كتفيها، اقتربت من حسان وهو ينظر لها بابتسامة حانية، اقتربت أكثر حتى بدأ أن يشعر بأنفاسها تلمس شفتيه. بمنتهى الهدوء، وضع رأسها بين كفيه وتعمّد أن ينزله إلى أسفل، وقبّل جبينها قبلة طويلة ومسح على شعرها، ثم استدار ومضى. الجبل الذي اعتلى صدرها أصبح ثقبًا ضخمًا أخذت تنظر في المرآة لفترة؛ ظنًا منها أنها ستجد حقًا ثقبًا بصدرها؛ فلقد كان يبدو حقيقيًا جدًا.

(اليوم التالي)

قامت رؤى كالعادة بتحضير مستلزمات خروج حسان من المنزل. لم تعد تثيرها تلك الشعرات البيضاوات.

–          شفتِ أحمد الطويل امبارح؟

–          اه

–          إيه رأيك فيه؟

–          راجل بيقدّر الجمال.

–          يعني عجبك؟

–          أوي!

–          على خيرة الله.

–          أنت ما بتحسش؟ ماعندكش لا دم ولا إحساس؟ هو أنا إيه بالضبط؟

وفي تلك اللحظة، اقتربت رؤى من حسان، وأشارت بيدها اليمنى إلى وجهه مباشرةً، واستكملت أسئلتها:

–          أنت نسيت إني مراتك؟

اندهش حسان من سؤال رؤى الأخير، ثم ابتسم وربت على كتفها:

–          والله وكبرتِ يا رؤى وطلعلك صوت.

–          أيوة كبرت ومن زمان وأنت مش واخد بالك. كبرت يا حسان وأنت السبب. كبرت وحاسة كمان إني عجزت وما عشتش شبابي!

ما أن تلفظت رؤى بكلمة “شبابي” حتى انهارت، وأجهشت بالبكاء. بدون تردد، ضمها حسان إلى صدره وأخذ يمسحُ على رأسها بحنان، ويتفقد وجهها بشغف. ثم مسح من على خديها الدموع المنهمرة وقال:

–          ما تعيطيش يا حبيبتي حعملك كل اللي أنتِ عايزاه. بطلي عياط بقا. وحياتك عندي ما تعيطي!

دفعت رؤى حسان بكلتا يديها حتى أبعدته عنها تمامًا بعد أن تمالكت نفسها من نوبة البكاء الهائلة:

–          طلقني!  مش قادرة أستحمل العيشة دي! طلقني!

(بعد سنة)

كان صوت  Frank Sinatra في I love you baby يملأ القاعة، ويدا رؤى ملتفتان حول رقبته، وعيناها معلقتان على عينيه:

–          عينيك مش حمراء خالص يا أحمد!

قالت جملتها بشغف.

–          ولا عمرها حتحمرّ عليكي يا حبيبتي.

رد أحمد مطمئنًا لها وضمها إليه أكثر وأكثر.

كان حسان يقف بجانب والدة رؤى وهو ينظر للعروسين وعيناه تدمعان، وبرغم غرابة تواجده في حفل زفاف زوجته السابقة، لم يندهش أي من الحاضرين. وتمتم حسان وثغره ينفرج بابتسامة فخر:

–          دلوقتي بس اتطمنت على رؤى.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: