إنجي خوري: تاريخ الغنج في منطقة وسط البلد

كتب: محمد سميح

مراجعة لغوية: لمياء يسري

الاختزال:

 أين يٌختزل عالمك؟ ربما داخل صفحات جريدة في يدك، بعد تناول فطور في يوم بارد بشهر ديسمبر، ربما انتهت تلك العلاقة بيننا وبين الجرائد، حيث انحازت الأيام لكل ما هو إلكتروني، وبدلًا من النظر بعمق ولهفة في عيون من تحب، يمكنك أن تقلب بين صوره ليلاً داخل فيسبوك وأنستاجرام، أما إذا كنت تقضي الليل وحدك، لا تجد من تأسرك صوره، أو من تقضي معه ساعات في أحاديث حول كل شئ، قد تذهب وتفتح ذلك الصندوق الصغير حول الفيديوهات الرائجة عبر حساب فيسبوك.

من أين خرج الشر بالعالم؟

 يحكي الأغريق أن الحياة كانت فقط للرجال، في عالم هاديء جدًا خالي من النساء، وعندما اخطأ الرجال في حق الآلهة، فجائت المعاقبة بصندوق باندورا حيث خرجت المرأة ومعها كل شرور العالم، ربما تكن تلك القصة مخالفة لقصة خلق آدم من تراب، وخلق كائن من أمره سٌمي فيما بعد إمرأة، حيث كان آدم يعيش بجنة عدن حتى اقنعته حواء بتناول التفاحة المحرمة، فيعاقبا بالحياة في الأرض،إلا أن هاتين القصتين عن باندورا وحواء يحملان دلالة واحدة تربط المرأة بالشر أوالتحريض عليه.

ومن قضاء الليالي وحدك داخل صندوق فيديوهات فيسبوك الأكثر رواجًا، تمر عليك الكثير والكثير من فيديوهات تعج بالنساء، ما بين مقدمات المحتوى وراقصات بالمعنى الاحترافي أي عاملات بالرقص، وبين بعض الهاويات، وفتيات من الأنفلونسرز في عدة مجالات، كما يمر على البحارين في كل ميناء، إلا أن بعض الشخصيات تمر لتبقى، تمر لتترك بعضًا من أثر وبعضا من العلامات داخل الذاكرة.

مبدئيًا يجب أن نتفق بشكل ما ألا تجعل الميديا تخترق رأسك، ألا تعجب بالنجوم والمشاهير والمؤثرين، إلى ذلك الحد العاطفي الشخصي، وأعرف أن فتاة تمسك يدها اليسرى أثناء عبور طريق أفضل من فتاة مشهورة تتخيل معها أشياء طيلة ليالي كاملة، فتاة بنصف جمال بين يديك أفضل من فتاة ممتلئة الجمال بين خيالك، فالواقع هو ما يقع، وبما إننا واقعون به فإننا مجبرون على حب واقعيته، حتى نستنفذ ذلك الحد من اللذة قبل أن نصبح غير واقعيين وأموات.

باب العالم على الوسط ناو:

في الفترة الأخيرة ظهر مصطلح على السوشيال ميديا يعرف بـ”الوسط ناو” في إشارة إلى منطقة وسط البلد في القاهرة أو باقي محافظات مصر، حول مجموعة الأفراد الباحثون عن جذب الانتباه والعيش بقيم مختلفة عما هو سائد، حيث تستطيع الفتاة أن تسب وتستخدم شتائم ذكورية، وطرح موضوعات عن الجنس وعلاقاتها، يمكنها كذلك التدخين والسكرّ وخلع الحجاب، يستطيع الشباب إطالة شعرهم والظهور بتقليعات جديدة، والحديث ضد الأخلاق وعن كبت المجتمع للمرأة ورفض بعض أفكار الدين، كل ذلك لا ينفي الأبعاد الثقافية والسياسية لمنطقة وسط البلد، كما لا يعد موقف وصمّ لبعض التوجهات النسوية والفكرية، بقدر ما هو توصيف لما يعرف بـ”الوسط ناو” بعد كل تلك المقدمة والتي لا أعلم إن كانت على قدر من الأهمية أم لا، نمر إلى تلك الفتاة التي لا يمكن أن تمر دون أن تقف كثيرًا في الخيال.

 

الاسم وحده لا يكفي:

كثيرًا ما نتفاجئ باسم الفنان فلان الفلاني عند موته، ولم نعهده سوى من خلال اسم الشهرة الفني، إلا أنك  قد لا تنتظر حتى موته للتفاجئ باسمه، قد ترى أفيش صدفة باسم عبد الرحيم أبو راية، الاسم الحقيقي لأطيب من أنجبت الدراما المصرية الفنان كمال أبو رية، ربما واحدة من قواعد الحياة بـ”وسط البلد”، أن يتبدل اسم فتحية بفريدة، واسم مديحة بفريدة، بينما اسم سلوى يتبدل أيضًا بفريدة.

لقد كنت أعرف فتاة مهووسة جدًا بنانسي عجرم ، لدرجة أن بدلت اسمها لرانسي عجرم، الأخت غير الشقيقة للفنانة نانسي، كانت رانسي تقف بساحة الكلية تتحدث باللهجة اللبنانية وتتقمص دور الأخت غير الشقيقة إلى أن تزعج إحدى زميلاتها، فتوقف الفيلم بعصبية مخرج وبدلًا من أن تقول”stop” تقول “فيه إيه يا رضوى” بحاجب مرفوع والآخر ثابت.

ربما تقليعة تبديل الأسماء مرتبطة جدًا على نحو متشابه بالوسط الفني ومنطقة وسط البلد، التي تعتبر بوابة للوسط الفني والشهرة وإن لم تنجح في ذلك. يمكنك أن تعيش بوسط البلد على نحو مشابه، إن أهم ما يميز وسط البلد أنها مليئة بالكسالى، ربما الكسل قيمة هامة تولد تجارب الدمار والإبداع، بينما يحاصر أغلبية المجتمع نفسه بالتنميط والقتال في العمل.

“داريو فو” مفتاح الحكاية:

في واحدة من روائع الأعمال المسرحية موت فوضوي صدفة في حادثة تشبه مقتل خالد سعيد، حيث كتب المخرج وأديب نوبل درايو فو، تلك القصة حدثت بأمريكا الإمبريالية العدوة، ولكن لكي نفهم ما حدث سأضطر لتقديم القصة كأنها حدثت في إيطاليا، وبغض النظر عن كون ذلك مهرب عبقري من الرقابة الفاشية بإيطاليا على الأعمال الفنية، إلا إننا بحاجة دائمة لتقريب الأشياء من أجل فهمها، وربما لن نفهم ظاهرة الإنجي خوري من دون المرور على منطقة وسط البلد في مصر حيث نفس المنطقة لا نعرفها في لبنان، ولكننا نرى شخصيات ووقائع وأفعال شبيهة جدًا.

ظاهرة الـ attention whore وصناعة الشهرة:

 أتت إنجي من سوريا إلى لبنان، وبدلت اسمها من نجوى خليق الله إلى إنجي خوري، ولو كانت أتت لمصر بالقطع لكانت فريدة سنو أو ليلى مرقة، ظهرت إنجي بإحدى البرامج الشاطئية التي تروج للسياحة في لبنان، حاولت أن تطرح نفسها كمغنية على غرار هيفاء وهبي وقمر ونانسي عجرم، لكن تلك المحاولات صارت صعبة حيث التعري والإثارة في كل مكان، وحتى ظهور ميلسا ورغم كونها أحد أجمل الأجساد التي تحب أن تراها أمام كاميرا، إلا أنها بقت في مكان أقل من نانسي وهيفاء لأن ظهورها متأخرًا، حتى قمر لنفس السبب -أي الظهور المتأخر- بخلاف مشكلة نسب مع أحد أهم المنتجين جعلها في مكانة أقل من نانسي عجرم وهيفاء وهبي.

ظاهرة المدونات الراقصة وأبطال التيك توك

إذا كانت الساحة ممتلئة كيف تجد إنجي مكانًا؟

الأمر بسيط، تعمد الإثارة في فيديو دون قصد، خرجت إنجي بفيديو لايف تتعجب فيه من أن كل شباب الكافيه ينظرون لها في يوم ما عملت شعراتها وشكلها ما مظبط، في هذه اللحظة يهتز جزء كبير من صدر إنجي العاري أمام شاشة الموبايل وأمام شباب الكافيه، تصدرت إنجي بهذا الفيديو الترند بسبب كثرة الهجوم والسخرية وحملات المتابعة، وفي دقائق أصبحت أنلفونسر هام على إنستاجرام، واشتهرت بعدة مقاطع شبيهة فيما بعد، كأن تتحدث عن ظهور حبوب بوجهها لأنها لا تمارس الجنس، أو أنها تغسل وجهها بحليب خوري، وبعد إنتشار صورة تقبل فيها صديقة لها من فمها، خرجت تصرخ من انتقادات الناس، وصرحت بأنها ليست هوموسكشوال، قد تكون بايسكشوال ولا تفهم ماذا يخص الناس.

نظرية في الأخلاق حين يكون المرء لا أخلاقي:

 هناك أسطورة شهيرة عن حركة يد أثناء رقص عدوية بإحدى أغانيه، تسببت في إيقافه من التلفزيون المصري، وهناك أمر آخر حول كون لبنان مسيح دجال الفضائيات، حيث لم يكن المجتمع المصري بنفس ذلك الانفتاح في نهاية التسعينات وبداية الألفينات، لكن الصورة من قريب أشد تعقيدًا، لدرجة قد تفاجيء البعض حول وحدة آلية ماكينة أخلاق المجتمع بين مصر ولبنان، هناك دومًا درجتين أخلاقيتين تحكم عموم منظومة الأخلاق، واحدة رسمية وأخرى غير رسمية، الخطاب الرسمي دائمًا محافظ بدرجة أعلى من نظيره غير الرسمي للأخلاق، إنها نفس المسافة ما بين خطاب التلفزيون وخطاب الشارع، ما بين أن تعمل دبلوماسيا ترتدي بدلة وكرافتة وأن تعمل مهنة بسيطة لا تفرض قيود حول المظهر على الإطلاق، الرجال بالشوارع يتحدثون في كل شئ ممنوع، ويمارس قطاع كبير منهم كل تلك الممنوعات، ولكن داخل البيت يبقى الحديث عن تلك الممنوعات كممنوعات.

ليس مطلوبًا من الناس أن تعلن كل ما تفعل، أو أن تمارس أدوارًا صدامية حول الأخلاق الرسمية وأخلاق الواقع، فهذا لا يٌعد دورًا على قائمة أولويات معظم الناس، بينما في دوائر صغيرة كالتي خرجت منها إنجي، إذ تنطلق النظرة من كون المجتمع غير عادل تجاه الرجل والمرأة ويميز سلبيًا ضد النساء، ونفس المجتمع منافق يحمل نوعًا من إزدواجية الأخلاق، وهذا ما يفسر جزءًا من أفعال إنجي بخلاف خاصية لفت الانتباه، إنها أتت بأسطورة شعبية خفية كل الناس تهمس بها في أذن بعض عن ارتباط ظهور حبوب الوجه والاستمناء، قد يتداول بين المراهقين والمراهقات بوقاحة، إلا إنه يبقى معلومًا في نفوس الكبار بصمت.

أيقونة العصر في زمن الماركات:

لقد كتبت سوزان سونتاغ أننا نعيش في صراع بين الماركات، حيث تُقدم كل الأشياء من باب الاستهلاك، لقد حاولت إنجي وبشدة أن تقدم محتوى استهلاكي من أجل الانتشار، بحثا عن الشهرة والمتعة والمال، لقد كان البروفيسور لانغدون بطل روايات دان براون في شفرة دافنشي والجحيم وملائكة وشياطين ينهى طلابه عن البحث عن أسمائهم في محرك بحث جوجل، إذ يعتبر هوس الشهرة أمر خطير، لكن ذلك الهوس قد يعبر عن خواء العصر، نتيجة لحاجة الإنسان للدفء العاطفي والاهتمام، وبما أنه صعب كثيرًا، حيث نعيش في عالم مليئ بالغضب والصياح، ربما اختلف حال إنجي لو تركت كل تلك مواد الكذب والتجميل، وذهبت خلف مارلا سينجر تشاهد نادي القتال.

One thought on “إنجي خوري: تاريخ الغنج في منطقة وسط البلد

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: