أسماء رضوان تكتب: قلق (قصة قصيرة)

< فاضل 5 ساعات >
تتردد الجملة في ذهني كدقات قلبي المضطربة.

لا أستطيع النوم؛ هل تستطيع النوم وهناك احتمال أن تفقد أحد أقاربك اليوم، دقات قلبي سريعة، إنها لا تبطئ بل تتسارع بشدة وكأني شربت لتوي لترًا من القهوة.


< فاضل خمس ساعات >
هو تخرج من كلية الهندسة ووجد عملًا مجزيًا، وزفافه بعد شهرين. هل حدثت مشكلة ما بينهما!


تبا، هل سأفقد أخي اليوم؟

يتوالى شريط الذكريات في دماغي  خاصة ذكرياتنا أطفالًا نلعب، كنا نصنع عالمًا من الخيال ونغيب فيه تمامًا وكأننا نجرب عقارًا للهلوسة، لكننا كنا أطفالًا. كان السرير يغدو سفينة، والأرض تصير قاع المحيط ننثر فيه الأسماك البلاستيكية ونتظاهر أننا نبحث عن الكنز المدفون في إحدى السفن الغارقة، بل إن زجاجات المياه الفارغة تصبح  إسطوانات الأكسجين المعلقة على ظهورنا ولا تنسى الخنجر البلاستيكي الذي نواجه به أسماك القرش.

 
< أنا مستنيها بقالي 3 أيام >
أفكر قليلا، إن حياته حتما بائسة، لا أستطيع أن أجد المعنى في الطريقة التي يحيا بها!


سهرت البارحة حتى الفجر، كنت قلقة عليه لأنه تأخر، عادة يعود مع أذان الفجر أو قبله  لكن مر على الأذان ساعة ولم يعد بعد، أخيرا سمعت أزيز المصعد يقف في طابقنا، ومرت خمس دقائق كاملة حتى سمعت باب شقتنا يفتح ويدلف هو مترنحا، فكرت قليلا هل هو مخمور؟ استطاع بمعجزة تغيير ملابسه وهو يترنح للأمام وللخلف، ثم جلس بجانبي أنا وأمي على السرير وهنا تأكدت أنه مخمور فرائحة الإيثانول تنبعث من فمه وأنفاسه، كلماته بطيئة للغاية وكذلك حركات أصابعه على هاتفه المحمول محاولًا أن يضبط المنبه، استغرق الأمر منه عشر دقائق كاملة حتى استطاع  ضبط  المنبه، تنهال عليه أسئلة أمي لكنه لا يرد، يبدو في حالة نشوة شديدة ثم يقول ببطء : ” أنا مستنيها بقالي٣ أيام”، أسأله ماذا يقصد فلا يجيب ثم يقول : ” فاضل ٥ ساعات”، يبدو منتشيًا للغاية لكنه يرتمي على سريره لينام بعمق بعد بضع ثوان فقط.


أمي لم تهتم كثيرا لما قال، أما أنا فقد لعبت الأفكار السوداء برأسي محاولة أن أفهم سر كلماته. مستني إيه بقاله ٣ أيام ثم تلك الجملة القاتلة (فاضل ٥ ساعات)، ترى هل أنام وأستيقظ على بكاء أمي معلنة وفاة أخي! إنه سعيد ومنتش وكأنه قد وجد الخلاص أخيرا، حسنا، إن علاقته بأمي لم تكن أبدا على ما يرام، وكانت توبخه دوما على كل شئ وكأنها توبخه على وجوده في هذه الحياة، لو كنت مكانه لوددت أن أتخلص من حياتي تلك.


فقدنا أبي منذ زمن، سافر إلى إحدى البلدان العربية ثم انقطعت أخباره ولم نعد نعرف عنه شيئا منذ عشر سنوات، كان أخي يحكي لي أحيانا، وليس هذا معتادا منه إلا حينما يفيض به الأمر، أذكر في تلك المرة لم يحك لي؛ كان تألمه أكبر من أن يعبر عنه بكلمات، ولكني حزنت لمقدار ألمه، كنا نتناول طعام الإفطار، وكان على غير عادته يتناوله معي أنا ووالدتي تلك المرة (أنا هقوم أعمل الشاي) جملة عادية قالها أخي ولكن أمي استوقفته كان يبدو عليها الاستغراق في التفكير، قالت له:( لا تعد شايا لي، لا أحد يضمن؛ ربما تضع لي به  سمًا) كانت تتحدث بجدية تامة، لم يبد على وجهها أو صوتها أنها تمزح وهل في هذه الأمور مزاح؟ صعقت ولاحظت رد فعل أخي الذي ارتسم على وجهه الذهول ثم الحزن الشديد، ارتدى ملابس الخروج بدون كلمة واحدة وخرج مسرعًا من البيت.


(أنا مستنيها بقالي ٣ أيام)
حاولت أن أراسل أصدقاء أخي لأعرف ما الذي خططوا له؟ هل تناول أخي سمًا يعمل بعد عدد معين من الساعات إنها السادسة والنصف صباحا ولا يبدو أن أحدا منهم مستيقظ الآن ليرد عليّ. أطمئن نفسي بأنه ربما تناول مشروبًا كحوليًا فقط ولكن تعود كلماته تشعرني بالعجز والهلع. شئ ما ليس على ما يرام سيحدث. أنا لست طبيبة، لا أعرف كيف أتصرف في مثل هذه المواقف!


إنها الثامنة
وأخي مازال نائما، أتوجه كي أجس نبضه بين الحين والآخر وأراقب صدره الذي يعلو ويهبط بينما يتنفس، لا أدري ِلمَ  لَمْ يذهب  قط  لطبيب  نفسي، هو متعلم وبالتالي يستحيل أن  يرفض المساعدة النفسية، هكذا فكرت، بل إنه أول من اقترح ذهابي لطبيب نفسي بسبب حالتي التي ساءت منذ سنوات، كنت قد دخلت في اكتئاب شديد بعد قصة حب فاشلة، وبعد رسوبي في نفس السنة حتى أني حاولت الانتحار وقد أنقذني أخي بما يشبه المعجزة، لم يكن لي أصدقاء حينها، وكنت أفتقد أبي بشدة؛ وربما هذا الذي دفعني للدخول في علاقة عاطفية، لا أدري لم تحملت إساءاته ولم أكن أنا المبادرة بإنهاء العلاقة، كنت أحتاج وجوده بشدة حتى تخلى عني بدون أي سبب واضح، لعنة الله عليه، اضطررت لأخذ جرعات عالية من مضادات الاكتئاب والمهدئات حتى أتجنب الانتحار الذي كان يلح على تفكيري، هل يفكر أخي في الانتحار الآن؟ هو ذكي للغاية ولو أراد، فلن يتيح لي فرصة، لإنقاذه أو مراجعته في قراره.

 
إنها التاسعة والنصف
أجلس على سريري في مقابلة سريره وعيناي لا تغمضان.


العاشرة! تبا لقد نعست قليلا.
أذهب لتناول بعض الماء ثم أعود لسريري ربما لأكمل نومي فهو مازال يتنفس وأنا اطمأننت قليلا، أغمض عيني وبعد لحظات أو هكذا خيل إلي أفتح عيني لأجد منظرا مرعبا، أمي غارقة في دمائها وأخي يقف بجانبها مرتعشا ممسكا سكينا غريبة لم أر مثلها من قبل،للحظة لم أصدق ثم بدأ الغمام الأسود يزحف على عيني حتى امتلأت الرؤية بالسواد.

 


3 thoughts on “أسماء رضوان تكتب: قلق (قصة قصيرة)

  1. حابة تعليق صادق
    تفوقتي علي توقعاتي
    وآسف لأن توقعاتي كانت اقل
    المدخل جميل
    الأحداث مدفوعة للذروة والنهاية
    الوصف ساحر والذكريات مع الأخ
    كتابة قوية ومعبرة
    اتمني بس شخصياتك يلاقوا نهايات سعيدة في القصص اللي جاية
    لكن في كل حال ان شاء الله هتبقي جميلة زيها
    علاء الأسواني جمال الأدب في حكي القصة بغض النظر عن سوداوية او رومانسية الموضوع
    ونتي حققتي دة
    مبروووك علي اول قصة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: