شذا لاشين تكتب: نجاة (قصة قصيرة)

جلس وحيد في مقهى الأيام الخوالي الذي اعتاد أن يجلس فيه أيام ثانوي. لم يعد قادرًا على النظر في عيون المارّة كما اعتاد؛ ربما لعدم قدرته على التواصل، أو ربما تركت ذكراه العتيقة أثرًا في لاوعيه عندما كانت تعنّفُه أخته الكبيرة إذا ما حدّق في وجوه المارّةِ متأملاً تعابير وجوههم. وعندما تساءل ببراءة عن سبب توبيخها له كانت تقول: 

-عيب يا وحيد! عيب نقعد نبحلق في الناس كدة!

لم يدرك تمامًا أكان قد ترسّخ في ذهنه أن التحديق “عيب” حقًا، أم صَعُبَ عليه أن ينظر في عين أحدهم وهو يحملُ ما يحملُ من ثقل. 

“أحقًا أُشفِقُ على من قد تتلاقى عيناي معه؟” بدأ يفكر وحيد. “وإن كنتُ أًشفق عليهم كما ادعيتُ الآن، فلماذا أنظر بكل ثقة للأبرياء الصغار عاجزي الحيلة في حمل ثقل ما أحمل؟ ربما لأنهم لا يحملون فضول الكبار لأن يعرفوا ما بداخلك ويعرّوك بصفاقة نظراتهم. لحظة لحظة أليس هذا ما كانت توبخني عليه أختي عندما كنت طفلاً؟ هو كذلك تمامًا! فالأطفال يحملون أكثر من ثلاثة أرباع الفضول على وجه الأرض. ربما يكون من اليسير النظر إلى وجوههم الناعمة التي تجبرني وإن أبيتُ أن أستقبلها بابتسامةٍ مفعمةٍ بالحيوية يذوب فيها كل البؤس الذي أحمله في صدري. ربما…”

انقطع وابل الأفكار التي انهالت على وحيد لإيجاد سبب لعدم قدرته على النظر في عيون المارّة عندما ظهرت نجاة أمامه، وبحركةٍ دراميةٍ سريعة رفعت شعرها المجعّد من فوق كتفها ووضعت يدًا على خصرها:

– بتضحك على إيه يا أستاااااذ من غيري؟

اعتاد وحيد أن ينتظر نجاة لوقتٍ طويل حتى أنه أحيانًا ينسى أنه على موعد معها من الأساس. ابتسم ما أن رآها: 

– اقعدي اقعدي أنا كنت شامم ريحتك بس وانت جاية فضحكت!

رغم سذاجة ما قال، ابتسمت نجاة حتى بدت ثناياها. كان يشعر بالفعل باقترابها منه؛ فهي وإن تأخرت حتمًا ستأتي في نهاية الأمر.

لمح وحيد هدوءًا غريبًا في الطاولة المجاورة التي كانت تضجُّ بأحاديث الشباب المزعجة، علم وحيد أن نجاة فاتنة ولكن ليس لدرجة أن يصمت الجميع ويحدقون بها هكذا. لم يفهم سر التحديق.

– كيف كان يومك يا أستااااذ؟

رنّت كلمة أستاذ في مسامع وحيد كجرسِ نهايةِ يومٍ دراسيّ ببهجته المعتادة. ومثل ناجٍ من وحل طوفانٍ قد دمّر البلاد، حاول وحيد أن يستعيد ما مرّ به من أحداث على مدار اليوم ليسردها على مسامع نجاة. ونظر إلى أعلى:

– ولا حاجة.. صحيت اتصلت بكِ وجيت هنا مشي.. كانت تمشية ظريفة..

باغتته بسؤالٍ سريع بنظراتٍ تملؤها الشك:

– إيه سرّ المكان ده؟

– ولا سر ولا حاجة أنا بحب المكان ده من زمان وبعدين زهقت من دكان شحاتة ده اللي بتقعدينا فيه.. مافيهوش بحر بنبص عليه.. شايفه الجمال؟

استقبلا بكرسيهما منظر البحر الخلاب وصمتا لفترة.. استنشقا هواء البحر.ثم جاء صوت وحيد رخيمًا كعادته إذا ما سأل أسئلته المعتادة:

– نجاة.. هو إحنا ليه بننسى؟

– عشان نعرف نكمّل على ما أظن.

– يعني النسيان نعمة؟

– على ما أظن أه.

سكت قليلاً ونظر إليها:

– طب لو النسيان اتحوّل لغول كبير بياكل الأخضر واليابس؟

لم تنظر إليه نجاة وظلت مستمرة في النظر إلى البحر وارتسمت على شفتيها بسمة:

– بص يا وحيد، النسيان بيحمينا من الألم. الواحد مش حيقدر يتحمل الألم طول الوقت لما بتتعور في جسمك بتاخد وقت على ما الجرح يتقفل ويخف. الجرح النفسي مفيهوش دم ونزيف وخلايا بتتجدد وكل الكلام ده. النسيان هو اللي بيعمل كدة مع الألم النفسي، مع الوقت بتنساه.

كان وحيد يُنصِتُ لكلمات نجاة كطفلٍ لا يفقه شيئًا عن معاني الأشياء ويستمدها كلها منها، كان كصفحة  بيضاء خالية من أي كلمات. أدرك وحيد محاولاته في تمثيل دور الجاهل تمامًا رغم معرفته التي لا يستهان بها في هذا الأمر بالذات، وبسرعة استعاد نفسه بعد أن فرك وجهه بكلتا يديه وكأنه يضعُ قناعًا جديدًا على وجهه، ثم تغيرت تعابير وجهه واستأنف الحديث:

– مفيش ألم نفسي بيتنسى يا نجاة.. فيه ألم نفسي بنتجاهله فبنتناساه، لكن عمرنا ما بننساه.. اللي بننساه فعلاً هو الأرقام وأسامي الشوارع وأسامي المحلات وأسامي العلماء والكُتّاب وتواريخ الحروب! عارفة بننساهم ليه؟ بننساهم عشان ملهمش مكان من كُتر ما إحنا مليانين وجع.

انفعل وحيد بعد تلك الكلمات وذرف دمعة رغمًا عنه. مسحها سريعًا ما أن رأى النادل ينظر إليه بدهشة. أشار وحيد برأسه للنادل بعلامة: ماذا تريد؟ فأفاق النادل من دهشته للحظة ثم أردف قائلاً:

حضرتك يا فندم أجّلت طلبك لحد ما ييجي اللي حضرتك مستنيه، فات ساعتين ومحدش جاء فحبيت أتأكد إن حضرتك مش محتاج حاجة؟

قطب وحيد جبينه في عدم فهم، والتفت حوله فلم يجد الفتاة التي كانت قابعة أمامه منذ دقيقة. حاول أن يتذكر من كانت قباله، وبدأت شفتاه في الارتعاش وبرزت قطرات عرق على جبينه. ثم أخذ حقيبة ظهره ومضى.

36 thoughts on “شذا لاشين تكتب: نجاة (قصة قصيرة)

  1. حلوه اوووي ماشاءالله ودااايما من نجاح لنجاح ❤❤ للأسف ممكن الانسان يحتاج للنسيان في فتره من الفترات وتكون بدايه لحياة مثاليه خاليه من خزلان بعض الأشخاص ليه 💔💔

    1. شكرًا على القراءة والتعليق 🌹

      حسبما أظن، أن نعيش آلامنا بشكل كامل دون محاولة طمسها أو تناسيها هو بالفعل سبب في تعافينا منها.

    1. تحفة جداا والكلمات بسيطة بس معناها عميق ما شاء الله يا شذا دايما في نجاح يارب 👍👍

  2. الجميله شذى .. مش سهل تشدني قصه كثيره من كتر ماقريت ..بس انتي رائعه واسلوبك رائع ومشاعرك ساحره ⁦❤️⁩⁦❤️⁩⁦❤️⁩⁦❤️⁩

  3. بالتوفيق
    خطوات أولى في هذا الفن الأدبي
    تثبت الخطا بالمثابرة والجهد
    أسلوب جميل خال من التعقيد
    لغة سليمة
    شخصيات محدودة
    مكان محدد
    زمان محدد
    حوار سلس
    عقدة تحل بسؤال النادل
    العناصر محددة
    مزيدا من التقدم والتوفيق في إنتاج جديد

  4. جميل اوى اسلوبك يا شذى مشوق و بيخليك عايز تكمل عشان تعرف تفاصيل اكتر .. بالتوفيق حبيبتى ننتظر القادم ان شاء الله ❤❤❤

  5. محاولة جيدة، تبشر بالافضل القادم بإذن الله. تيمة جذابة، وموقف مكثف، وتصعيد وتنوير موفقين.
    فقط ربما كان من الأفضل البعد عن الرمزية المباشرة في الاسمين.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: