محمد هلال يكتب: الحب أن تقود دراجة في عمر التسعين

ما الذي يمكن أن يهديه رجل وحيد إلي نفسه في عيد ميلاده التسعين؟

ليلة حب مجنون مع مراهقة عذراء، هكذا بدأ ماركيز روايته ” ذاكرة غانياتي الحزينات ” بفكرة دونية لرجل شهواني أمضى سنوات حياته في أحضان العاهرات والغواني، بطل الرواية (مجهول الاسم ) كاتب صحفي لم يحقق شهرة ذائعة، يكتب في صحيفة قومية منذ أربعين عاما، تراقب الحكومة كل حر فيها، مازال يرسل، بعد تقاعده ،مقال أسبوعي إلى الجريدة ، يُنشر كل أحد. يرسله في موعده دون تأخير ولا تغيير في أسلوب الكتابة التقليدية الذي يحافظ عليه رغم موجات التجديد في الكتابة الصحفية.

لم تتح له غانياته وقتا للزواج كما يقول

الشخصية الرئيسية الثانية “روسا كباركاس” ، قوادة في الثمانين أو أكثر، تملك بيتا سريا للدعارة يرتاده أغلب رجال الدولة في المدينة . وهي الشخصية الليبرالية الوحيدة في الدولة كما يصفها البطل.

الشخصية الثالثة : الطفلة ذات الأربعة عشر عاما، العذراء التي وفّرتها روسا القوادة  للبطل بناء على طلبه .. لم يذكر اسمها أيضا في الرواية وإن كان البطل قد أعطاها اسما هو ديلغادينا، تلك الطفلة، دفعها الفقر للبغاء. تعمل في مصنع لتركيب الأزرار تقضي فيه نهارها ثم تعود لمنزلها لتقطع المدينة مرة ثانية بدراجتها المتواضعة إلى بيت روسا.

الشخصية الرابعة هي داميانا خادمة البطل الوفية التي أحبته. كان يهوى ممارسة الجنس معها، دون رغبتها، من الخلف، واحتفظت بعذريتها وخدمتها له حتى المشيب وفاءا لحبها له من طرف واحد.

” لم أضاجع امرأة قط دون أن أدفع لها، والقليلات اللواتي لم يكنّ من نساء المهنة، أقنعتهن بالحجة أو بالإكراه، بأن يأخذن النقود ولو لمجرد رميها في القمامة.”

بهذه الكلمات يوصف البطل علاقاته النسائية. حتى محاولته الوحيدة للزواج بدافع الشهوة وكيد الفتاة قد تخلّي عنه قبل أن يتم الزواج . لكن على الرغم من شهوانيته كانت له أخلاقياته الخاصة كما يقول : “لم أشارك قط في عربدة جماعية، ولا في معاشرات عامة، ولم أشاطر أحدا الأسرار، ولا رويت لأحد مغامرة من مغامرات الجسد أو الروح “.

في الرواية تعرّض ماركيز لنقض النظامين العالميين، الاشتراكية والرأسمالية، نجد الرقابة الشديدة على كل حرف يُكتب في الجريدة من قبل موظف حكومي، ونجد نفوذ روسا في الدولة يتدخل لإنقاذها من حادثة قتل حدثت في بيتها، نجد أيضا الفقر يمس كل فرد في الرواية من الطفلة الفقيرة، عاملة تركيب الأزرار، حتى البطل نفسه، سليل العائلة الثرية الذي يعيش في أفضل مقاطعات المدينة، بالكاد يجد ما يكفي احتياجاته الأساسية بعد ضياع ثروة العائلة منذ زمن طويل، تمثل روسا الرأسمالية التي لا قلب لها، توفر كل شئ وأي شئ في سبيل مقابل مناسب دون حساب أي تبعات على المتضرر، رغم ذلك تحترم إلتزاماتها في الاتفاقيات والعهود كأي تاجر يسعى للحفاظ علي سمعته التجارية.

لكن ما الذي بقي للبطل بعد أكثر من خمسمائة إمرأة ضاجع كل منهن مرّة واحدة علي الأقل سوى هديته في عيد ميلاده التسعين مع تلك الطفل؟ تكررت محاولات البطل عدة مرات لجماع الطفلة لكن خوفها كان يمنعه من إتمام الجماع، مع التكرار اعتاد أن ينام فقط بجوارها، يمسد شعرها، يقبل جسدها، يغني لها حتى تنام ، ومع الوقت تجسدت أسطورة ديلغادينا الطفلة التي أحبها أباها الملك حد الجنون فيهما.

حين انقطعت الطفلة عن التردد لمنزل روسا تملّكه القلق عليها والخوف من فقدها، ليبحث عنها في عناوين أخبار الحوادث ومصانع تركيب الأزرار، هو لم يعرف لها اسما  سوى ديلغادينا -التي أحبها أباها حد الجنون- كما أسماها، وحين ظهرت بعد فترة تبدّت في شكل جديد، مظاهر الأنوثة قد بدأت في الظهور عليها لتبدأ مرحلة جديدة من التعلق، مرحلة تعلق رجل بفتاة لا طفلة.

تتغير كتابات البطل في مقالاته ليحتل الصفحة الأولى، يتجدد أسلوب الكتابة وتصير مقالاته أرهف حسّا ورومانسية، بعد حادثة قتل حدثت في بيت روسا تعود روسا وديلغادينا مرّة ثانية بعد غلق البيت مدة طويلة، تظهر ديلغادينا -التي لم تعد طفلة- في ثوب غانية بحلي وأساور كثيرة، ليجرب البطل مشاعر الغيرة للمرة الأولى ويقرر هجرها، تلك الغانية التي قدمتها روسا قربانا لأحد الأكابر مقابل الخروج من القضية كما صورت له هواجسه.

لا تموت قبل أن تجرب الحب .

بتلك النصيحة من غانية قديمة يعرفها، قابلها مصادفة، عاد للبحث عن ديلغادينا حتي وجدها، ليقرر وروسا ترك كل ما يمتلكانه لها بعد موتهما، وليدرك من روسا أن الطفلة وفية فعلا في حبها له، ينهي ماركيز الرواية على لسان البطل بقوله

“خرجت إلى الشارع المشع، ولأول مرة تعرفت على نفسي في الأفق البعيد لقرني الأول في الحياة، كان بيتي الصامت والمرتب، في الساعة السادسة والربع، قد بدأ ينعم بألوان فجر سعيد، كانت داميانا تغني بأعلى صوتها في المطبخ، والقط الذي استعاد الحياة، حك ذيله بكعبي، وواصل المشي معي حتى منضدة كتابتي، وهناك كانت مرتبة أوراقي الذابلة ودواة الحبر، وريشة البجعة، في الوقت الذي اندلعت فيه الشمس بين أشجار اللوز في الحديقة، ودخلت سفينة البريد النهرية، المتأخرة أسبوعا بسبب الجفاف، إلى قنال المرفأ وهي تطلق الجؤار، إنها الحياة الواقعية أخيرا، بقلبي الناجي والمحكوم بالموت في حب طيب، في الاحتضار السعيد لأي يوم بعد بلوغي المئة”.

فهل كانت غانياته الحزينات هن فعلا نساء ضاجعهن؟ أم سنوات عمره التي قضاها في شهوات جسدية لم تعرف الحب قط؟ وكيف كان الحب هو المُطهر والمخلص والدافع للتغيير؟ لا سبيل سوى الحب وحده، تلك خلاصة جابريل جارسيا ماركيز في ذاكرة غانياتي الحزينات.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: