مصريات شاركن في صناعة التاريخ

في عهد الفراعنة الذين امتدت حضارتهم إلى أكثر من خمسة آلاف عاما نجد التاريخ الفرعوني يتحدث عن الملكة حتشبسوت التي حكمت مصر الفرعونية من 1508 إلى 1458  قبل الميلاد، وكانت امرأة عظيمة تفوق أقرانها من النساء بل ومن الرجال، تولت حكم مصر بعد وفاة والدها تحتمس الأول، ومما يذكر أن هذه المرأة كانت تتشبه بالرجال في مظهرها وملابسها حتى يتقبلها الناس كخليفة لوالدها وقد استمر حكمها لمدة 21 سنة، وهي من أطول فترات الحكم في العصور الفرعونية، واتسم عصرها بالسلام والرخاء الذي عم أرجاء البلاد شمالها وجنوبها، وفي مستهل فترة حكمها قادت الجيوش للحرب ولكنها بعد ذلك اقتنعت بأهمية السلام من أجل الحفاظ على الدولة واستمرار رخائها وازدهارها فاتجهت نحو توطيد العلاقات التجارية مع البلاد المجاورة، مما عاد على مصر وأهلها بالثراء والرخاء، وأدى ذلك إلى ازدهار فنون العمارة وإنشاء مشروعات ضخمة لم يعرف التاريخ القديم مثيلا لها.

وفي نهاية عصور الفراعنة نجد امرأة أخرى حكمت مصر من سنة 69 إلى سنة 30 قبل الميلاد برغم أنها ليست من أصول مصرية وهي الملكة كليوباترا ذات الأصول الإغريقية؛ حيث كانت من أسرة البطالمة الذين حكموا مصر بعد موت الإسكندر الأكبر وتعتبر آخر فراعنة مصر، شاركت أخاها -الذي كان نفسه زوجها-الحكم، ثم ما لبثت أن تخلصت منه وانفردت بالحكم بمفردها. وقد اشتهرت كليوباترا بسلسلة من العلاقات العاطفية بهدف الحفاظ على استقلال مصر عن الإمبراطورية الرومانية. وتعلمت لغة المصريين ودعمت اقتصاد الدولة بالتجارة مع بلاد الشرق مما ساعد على تقوية وضع الدولة، بعد أن أضعفتها الحروب الداخلية. وتشير المصادر التاريخية أنها كانت محبوبة من شعبها؛ فيقول بلوتارخ: ” لم يكن جمالها ملفتا يبهر الناظر إليها، ولكن حضورها كان طاغيا، وكانت شخصيتها وأقوالها وأفعالها شيء ساحر حقا”.

ويمضي التاريخ حتى يصل محطة دولة المماليك، فنجد أن التاريخ يتوقف عند شخصية ملكة لا يمكن أن يتجاهلها، وهي شجرة الدر وكانت في البداية جارية خوارزمية الأصل، اشتراها السلطان الصالح نجم الدين أيوب، آخر حكام الدولة الأيوبية، وحظيت عنده بمكانة عالية فأعتقها وتزوجها وأنجبت منه ابنها خليل، وعندما مات زوجها الملك الصالح أيوب أثناء مقاومة البلاد للغزو الصليبي بقيادة لويس التاسع _ملك فرنسا_ لعبت دورا تاريخيا هاما أثناء الحملة الصليبية السابعة على مصر، وخلال معركة المنصورة حيث أخفت خبر وفاة زوجها حتى لا تتأثر معنويات الجيوش، وبعد انتهاء الحملة الصليبية تولت عرش مصر لمدة ثمانين يوما بعد أن بايعها المماليك وأعيان الدولة، إلى أن اطمئن لتأييدهم تولي ابنه توران شاه للحكم، وعندما أدى انعدام كفاءة توران شاه إلى مقتله بواسطة مماليك أبيه؛ اتفق المماليك وأعيان الدولة على اختيار شجرة الدر لتكون ملكة عليهم، وما أن جلست شجرة الدر على العرش حتى تحكمت في زمام الأمور وأحكمت إدارة شئون البلاد، وعملت على تصفية الوجود الصليبي في البلاد بالاتفاق مع الملك لويس التاسع الذي تم أسره وسجنه في دار القاضي ابن لقمان في المنصورة بعد هزيمته على أيدي المصريين، اتفقت معه على تسليم دمياط واخلاء سبيله وسبيل من معه من كبار الأسرى مقابل فدية كبيرة قدرها ثمانمائة ألف دينار، يتم دفع نصفها قبل رحيله والباقي بعد وصوله إلى عكا مع تعهد منه بعدم العودة إلى سواحل البلاد الإسلامية مرة أخرى. وعندما استنكرت دولة الخلافة العباسية وجود امرأة على رأس السلطة في مصر، عندئذ اختارت شجرة الدر عز الدين أيبك لتتزوجه ويشاركها الحكم لكنها احتفظت بمعظم الخيوط في يدها وعندما علمت أنه متزوج بغيرها دبرت لقتله وبعد قتله بثلاثة أيام انتقمت له زوجته الأولى بأن قتلت شجرة الدر ضربا بالقبقاب كما تم تصوير ذلك في واحدة من أشهر روايات الفلكلور المصري.

اقترن النضال النسائي في مصر دائما باسم هدى شعراوي، فعقب عودتها من مؤتمر نسائي في أوروبا عام 1923 نزلت هي وزميلاتها نبوية موسى وسيزا نبراوي من القطار في محطة مصر بالقاهرة وخلعن حجابهن، فتملكت الدهشة حشود النساء اللائي كن في انتظارهن بالمحطة ليسود بعدها الصمت للحظات قبل أن يبدأ الجميع بالتصفيق لهن بل وأقدمت بعض النساء الأخريات في خلع حجابهن أيضا، ولم يكن خلع الحجاب هو القضية الرئيسية التي شغلت هدى شعراوي؛ فقد كرست كل جهودها في الدفاع عن حقوق المرأة خاصة الحقوق السياسية وحق المرأة في التعليم والعمل.

ولدت هدى شعراوي في أسرة أرستقراطية وكان والدها محمد باشا سلطان، وتزوجت من زعيم وفدي مرموق هو علي باشا شعراوي. وكانت بداية نضالها من أجل قضايا المرأة قبل واقعة خلع الحجاب، ففي عام 1914 أسست الجمعية الفكرية للمرأة المصرية، وأثناء ثورة 1919 -وكان ملهمها سعد زغلول الموجود بالمنفى- تقدمت صفوف النساء في المظاهرات التي تطالب بالاستقلال التام لمصر عن بريطانيا، فكانت هذه أولى المظاهرات التي شاركت فيها النساء.

وبعد عودتها من المؤتمر الدولي لحقوق المرأة الذي تم عقده في روما عام 1923، أسست الاتحاد النسائي المصري، وكانت أول رئيسة له. وتمثلت أهم أهدافه بالتأكيد على حق المرأة في التعليم والدعوة لتغيير بعض قوانين الأحوال الشخصية، وفي عام 1924 قادت وقفة نسائية أمام البرلمان أثناء انعقاده وقدمت عريضة تحمل بعض المطالب التي تجاهلها حزب الوفد؛ مما دفعها للاستقالة من لجنة النساء بالبرلمان، وفي عام 1938 نظمت هدى شعراوي مؤتمر نسائي للدفاع عن فلسطين كما دعت إلى تنظيم الجهود النسائية من جمع للمواد الغذائية والملابس والتطوع للتمريض والإسعاف، وفي 29 نوفمبر 1947، صدر قرار تقسيم فلسطين من قبل الأمم المتحدة، فأرسلت هدى شعراوي خطابا شديد اللهجة للاحتجاج إلى الأمم المتحدة، ثم توفيت هدى شعراوي بعد ذلك بحوالي أسبوعين في 12 ديسمبر 1947 .

وهل يمكن للتاريخ أن ينسى أو يتجاهل ” أم المصريين “، الرمز الثوري الذي عرفت به صفية زغلول ابنة مصطفى باشا فهمي، التي سلكت طريقا غير تقليديا في حياتها عندما تزوجت رئيس وزراء مصر وقتها وهو سعد زغلول. وكان رجلا من عامة الشعب، تقدمت صفوف الثوار المصريين في حياة زوجها وبعد وفاته فقد كانت مشاركة النساء في ثورة 1919 مع الرجال لأول مرة، وكانت صفية زغلول وهدى شعراوي على رأس المشاركات.

حين احتشد جموع المصريين أمام بيت سعد زغلول عندما أرسل للمنفى، ألقت صفية زغلول، عن طريق سكرتيرتها البيان التالي أمام هذا الحشد: ” إن كانت السلطة الإنجليزية الغاشمة قد اعتقلت سعدا ولسان سعد فإن قرينته وشريكة حياته السيدة صفية زغلول تشهد الله والوطن على أن تضع نفسها في نفس المكان الذي وضع زوجها العظيم نفسه فيه من التضحية والجهاد من أجل الوطن، وأن السيدة صفية في هذا الموقع تعتبر نفسها أما لكل أولئك الأبناء الذين خرجوا يواجهون الرصاص من أجل الحرية “، ومنذ ذلك اليوم لقبت صفية زغلول بلقب ” أم المصريين ” كما لقب بيتها وسعد زغلول ب” بيت الأمة “.

صورة أخرى لم يتجاهلها التاريخ لامرأة مصرية عظيمة وهي السيدة سميرة موسى التي كان صراع أمها مع مرض السرطان الدافع الرئيسي وراء اتجاه سميرة موسى إلى دراسة العلوم بهدف التوصل لاستخدامات نافعة للطاقة النووية، خاصة في مجال الطب.

ولدت سميرة موسى عام 1917 في بلدة صغيرة بمحافظة الغربية، التحقت بالكتاب وهو مقر دراسي بسيط معروف لدى المصريين لتعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم، وبسبب نبوغها شجعها والدها بعد ذلك على الاستمرار في الدراسة، فالتحقت بمدرسة بنات الأشراف الثانوية التي أسستها نبوية موسى واحتلت سميرة المركز الأول على مستوى الجمهورية في امتحان البكالوريا ” الثانوية العامة ” عام 1935 فاستحقت منحة التفوق الحكومية واستغلت نبوية موسى ذلك لإنشاء معمل ” مختبر ” لسميرة موسى، وبعد ذلك تخرجت سميرة بتفوق مع مرتبة الشرف من كلية العلوم وساندها الدكتور مصطفى مشرفة عميد الكلية فأصبحت أول امرأة تحاضر في الجامعة ثم حصلت على درجة الماجستير وسافرت لإنجلترا، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في الإشعاع الذري. وآمنت سميرة بالاستخدام السلمي للطاقة الذرية، خاصة لعلاج مرض السرطان. وفي الخامس من أغسطس عام 1952 وأثناء زيارتها للولايات المتحدة الأمريكية لتفقد عدة مراكز بحثية، ظهرت إحدى الشاحنات الكبيرة المسرعة فجأة لتصطدم بسيارتها وتسقطها من أعلى الطريق الجبلي وتلقى سميرة موسى حتفها في الحال، بينما استطاع السائق الذي كان بصحبتها القفز من السيارة قبل اصطدامها بلحظات واختفى للأبد، وهذا ما أثار الشبهات حول مصرع العالمة العظيمة الذي ظل لغزا حتى اليوم.

يذكر التاريخ أيضا بكل تقدير السيدة مفيدة عبد الرحمن لكونها أول محامية في مصر ومن أولى خريجات جامعة فؤاد الأول ” جامعة القاهرة حاليا ” وأول من تخرج منهن في كلية الحقوق، وإلى جانب كونها ناشطة وعضوة في عدة منظمات ونائبة في البرلمان لأكثر من سبع عشرة عاما وفي الوقت نفسه كانت زوجة وأما لتسعة أبناء، والقضية الأولى التي ترافعت فيها كانت قضية قتل خطأ، وكسبت القضية وذاع صيتها كمحامية بارعة فأسست مكتب محاماة خاص بها بعد عدة أعوام، واشتركت مفيدة عبد الرحمن كعضو في لجنة لإجراء بعض التعديلات على قانون الأحوال الشخصية في الستينات ولتشجيع دخول المرأة لميدان العمل ومشاركتها في الحياة العامة.  

كما يذكر التاريخ الأميرة فاطمة إسماعيل التي كان لها الفضل الأكبر في تأسيس أول جامعة في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، لذا تعرف فاطمة إسماعيل بلقب “راعية العلم” وكان مشروع بناء الجامعة يواجه أزمات مالية كبيرة وعجزوا عن سداد إيجار المبنى، وتم استبداله بمبنى آخر كمقر مؤقت للجامعة، وظل المشروع يعاني من مصاعب مالية لما يفوق العشر سنوات إلى أن تلقى دفعة قوية ودعما كبيرا من الأميرة فاطمة التي قررت التبرع بقطعة أرض شاسعة تملكها في الجيزة لبناء مقر دائم للجامعة عليها، وتبرعت أيضا بمعظم ما تملكه من مجوهرات للإنفاق على إنشاءات الجامعة، ولكي تضمن الأميرة استدامة المشروع أوقفت عليه 600 فدان من أطيانها لتغطية نفقاته السنوية.

وأخيرا أجدُ أنه مازال هناك الكثير والكثير من النساء المصريات العظيمات اللائي ضربن أعظم الأمثلة في كافة المجالات بجهودهن وامكاناتهن التي لم تقل أبدا عن جهود وامكانات الرجال. 

                                    

               


*تدقيق لغوي: نسرين علي بلال

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: