الصور النمطية.. الاختلاف.. وعالم اليوم

تترواح مشاعر الإنسان منذ بداية خلقه بين مشاعر سيئة وأخرى جيدة، أو هكذا صُنفت. تتمثل المشاعر الجيدة في السعادة والإطمئنان والامتنان، أما المشاعر السيئة فهي الحزن والألم والخوف، ومنذ بداية خلق الإنسان، يحاول المرء دومًا الحصول على مشاعر جيدة طيلة الوقت ويحارب السيئة منها ظنًا منه أن هذا سيجعل حياته أفضل.

هكذا بدأت أول حرب داخل ذات الإنسان، وتتالت، إبتداءً من مشاعره وماهية وجوده وكينونته، إلى من حوله، ثم نمت هذه الحروب إلى أن أنتجت لنا ما يسمى “بالإنسان المعاصر” الذي يشن حربًا على كل ما يشعره باختلافه وقد يغطي على رغبته في الظهور، وما يسمى بـ “عالم اليوم” الغارق في الضغط وصراعات أزلية مع الصور النمطية. 

الاختلاف أم رغبة في الظهور

تحدد الصور النمطية الجانب الأبيض والجانب الأسود من شيء ما، إلا أن هذين اللونين يختلفان حسب الشخص المصور. سيتساءل واحد منكم كيف ذلك؟.

لقد رسخت لسنوات الأفلام والكتب ووسائل الإعلام الأمراض النفسية والشخص المصاب بها كشخص منبوذ ومعزول عن المجتمع ولا يستحق العيش إلا أنها حاليًا قولبت في نمط آخر، نمط يدل على مدى عمق تفكير الإنسان ودرجة إبداعه وتميزه وذكاءه، وإن هذا الأخير ليس رد على الفعل الأول ودفاعًا على وجوده  ورغبةً منه لترسيخ مكانه.

وهناك الكثير من الأمثلة الأخرى في المجتمع والتي نصادفها يوميًا في حياتنا ونقرأها على وسائل التواصل، فمثلا ينتقد الشخص الغني ي الشخص الفقير ويتهمه بالكسل والطماع، بينما الآخر يتهمه بالسرقة والاحتيال، تنتقد المحجبة المرأة غير المحجبة وتتهمها بالفسق، بينما تتهم غير المحجبة المحجبة بالزيف والتخلف، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يشمل الزواج والعلاقات الحرة، الإنجاب واللاإنجاب، الأخلاقيين واللأخلاقيين، ونمط الحياة أيضا.

 وهذا لا يصيب فقط طبقات مختلفة، بل إنه يصيب طبقة واحدة ويخلق داخلها تصدعات عديدة ، مثال على هذا طبقة المثقفين التي نجد بينهم من ينتقد الجيل الجديد من المؤلفين وينعت أعمالهم “بالأدب السيء” بينما ينعت المؤلفين الشباب المؤلفين القدامى أعمالهم بـ “بالأدب المتخلف” وينعت الواقعيين من الكتاب المؤلفين الذين يتناولون مواضيع الحب والقصص بالمثالية بالمتوهمين بينما ينعتهم هؤلاء بالتعساء.

وبقدر ما هذه الأمثلة تبرز مدى رغبة الإنسان في الدفاع عن وجوده وكيانه وترسيخ مكانته إلا أنها أيضا تبرز مدى رغبة الإنسان في خلق نسخٍ شبيهةٍ منه ليسير العالم بشكل “صحيح” حسب رأيه وبطريقة غير واعية أحيانًا، وأحيانًا أخرى واعية.

في هذه السنوات الأخيرة، تضخمت هذه الصراعات والانتقادات، وأصبح ينبثق من كل موقف صغير وفطري آلاف الأصوات التي تهتف بما هو “صحيح” وما هو “حقيقي”، وأكبر دليل على ذلك هو ما حدث في حفل الأوسكار الماضي عندما صفع الممثل “ويل سميث” المقدم جراء إهانته لزوجته وانقسم الجميع بين مؤيد ومعارض ومهاجم وساخر.

يقال أن اللذة تكمن في خطوات الرحلة لا النتيجة، وهكذا هي الحياة تكمن في هذه الصراعات والاختلافات وفي كل الجوانب الرمادية والبيضاء والسوداء، وهذا التنوع هو مجرد برهنة على وجود الإنسان ودليل على حياته وتفاعله مع ذاته ومع كل ما يحيط به، لا على من هو أفضل وجيد، ولا يجدر به أن  يشكل كل هذا الضغط على الجيل الحالي.

أخيرًا، مثلما يتعامل الإنسان مع مشاعره فهو يتعامل مع من حوله ومع نفسه أيضًا، وكل ما يختلف عنه هو “سيء” ويهدد وجوده، فيحاول أن يبرز نفسه على حسابه. ببساطة كل ما يختلف عنه ولا يناسبه يسعى إلى التخلص منه، مثلما يحاول التخلص من مشاعره السيئة. يظن أنه يخلق أشياء جديدة لكنه في الواقع هو يقف في مكانه ويكبر نفس الدائرة، ويظن أنه  يبسط حياته إلا أنه يجعلها أكثر تعقيدًا.

تقول الشاعرة الفلسطينية نورة صالح في إحدى قصائدها:

“حين تعود ذات يوم

ستكتشف بأن كل الأشياء

 بقيت كما هي

لا شيء تغير.

ساعات الليل، تعادل ساعات

 النهار،

والأزهار تنتج دائمًا براعم

خضراء جديدة، تطل بخجل برأسها

إلى العالم 

أزمة السير تجري بذات 

الوتيرة البطيئة

خطوة واحدة كل نصف ساعة.

يستمع الناس لذات الأغاني

لا أعلم لماذا يصرون على

أن تقول فيروز عنهم كل شيء

يشتكون من ذات المشاكل

البطالة والخيانة الزوجية والتنمر.

ويرتكبون الأخطاء ذاتها

السرقة والتسرع وإهدار الوقت

ويموتون لنفس الأسباب التي لا يعرفها أحد

ويولدون دون أسباب  كافية،

وينهزمون مرارًا

ينكسرون ويبكون”.

منذ ملايين السنين، يعاني الإنسان من نفس المشاكل في محيط مختلف، كل المواضيع مكررة في الأفلام والبرامج والكتب، إلا أنها مكررة في صور مختلفة. إن حديث جورج أورويل عن السلطة والفساد، لم يوقف الفساد في العالم (على الرغم من وعي الجميع به)، وحديث دوستويفسكي الذي كتب عن الشقاء والبؤس والنفس البشرية التي تمثل اليين واليانغ، لم يجعل الناس أكثر تقبلًا للآخر أو فهمًا له، وثيربانتس الذي كتب عن المحاربة في اتجاه خاطئ، لم يساعد الناس أيضًا على التخلي عن أوهامهم وحروبهم الزائفة، وإن كل المحاضرات الأخلاقية والتربوية لم تمنع أحدًا من الكذب أو الحكم الآخر أو القتل، وكل هذه التكنولوجيا لم تمنع الإنسان من الشعور بالتعاسة في النهاية، وكل الانتقادات والصراعات قد منحتنا شعورًا لحظيا بالتميز والقوة إلا أنها لم تمنح لنا إجابة واحدة جديدة مسلم بها.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: