قراءة في رواية شرخ الماء.. لعبد الرحمن الخضر

للوهلة الأولى عندما تقرأ رواية شرخ الماء ستعرف أنها روايةٌ بايوجرافية أو أوتوجرافية، ولكن مع التعمق أكثر في الرواية يتضح أنها رواية تاريخية من الأدب السياسي، التي تجمع بين التاريخية والطابع الانتقالي في الرواية بالتركيز على سلسلة من الشخصيات الرئيسية لإظهار الواقع التاريخي بأسلوبٍ مقارن. يسعى فيها الكاتب بدخوله في بداية الرواية كشخصية معايشة للتأكيد على واقعية القصة التي عاشها مع رفاقه وراقبها.


يمكن للتاريخ أن يكون شكلاً أدبياً متى ما لازمت تأريخه لمسة العاطفة، وهي ما يمكن إحساسه في شرخ الماء التي توثق واحدة من أهم حلقات المجتمع والدولة اليمنية الحديثة، الحقبة اليسارية المفقودة من تاريخ الحراك السياسي كأن لم تكن مع ما خلفه هجين اليمين والرجعية واللاأيدولوجيا، في طورٍ ينقل الصورة التاريخية من سرد تارخيٍ رقميٍ جاف لمعايشة اجتماعية شخصية في مستواها الأضيق في نماذج متعددة من الأبطال الذين يقدمهم الخضر في شرخ الماء.


ينجح الكاتب بصورة رائعة في توريط القارئ في تجربةٍ تاريخية مؤلمة يمارس فيها نقداً تاريخياً لاذعاً بأسلوبٍ سياسيٍ مقارن في قالبٍ أدبيٍ بتقديم نماذج خاصة عبر شخصيات الرواية التي يجسد فيها مظاهر الحياة السياسية والإجتماعية والفكرية. يمكنني القول وبثقة بأن هذه الرواية من الأعمال الأدبية التي تجبرك على الغرق فيها حتى الإنتهاء من أخر حرفٍ منها.

عن الرواية

الرواية من النوع المفكك الطابع ذو القصة المركبة التصميم تربط مكوناتها علاقةٌ منطقية تتشخص في إطار الصراع الخارجي الحادث بين أبطال الرواية والمجتمع من جهة وبينها وبين الأنظمة السياسية من جهةٍ أخرى.


هذا التفكيك يمكن أن نشاهده في قصة العشق بين حسام وهديل ثم قصة تعاطي المحليين في مجتمعٍ بدائي أمام دخول الجيش المصري والتحولات الاجتماعية التي قدمت معه، انتهاءً بالقصص المتفرقة لبقية الأبطال كنماذج يسارية ارتبطت ببعضها في فكرة اليسارية، الصراع الداخلي المرتبط بالمبادئ والأفكار، والمصلحة الشخصية أمام صراعاتهم الخارجية التي يخوضونها، وخيبات الخواتم التي انتهى فيها مصير أبطال الرواية.


يمكن ملاحظة هذا التفكيك والغرض منه في تعمد الكاتب تشتيت القارئ بين ماضي وحاضر الشخصية “مراد” في صورةٍ تستدعي تماسك الأحداث في ذهن القارئ وربطه فيما بينها لأغراض أظنها تتعلق بالصراع الداخلي التي تعيشه شخصيات الرواية، ومرادٌ واحد من هذه الشخصيات التي تتشارك ذات الصراع الداخلي في ظروف قمعية ومفسدة يصبح فيها الفساد طوق النجاة الوحيد.


فيما جمعت بين الطابع الانتقالي في تتبع سرد الأبطال والمكونات السردية المفككة التي تربطها علاقةٌ منطقيةٌ شديدة المتانة وهي مجدداً العلاقة الصراعية في الحبكة.

ومن ناحية التصميم السردي، الكاتب رغم تقنعه في تدخلاته المباشرة تعمد الحضور في القصة بشكلٍ لا يمكن ملاحظته إلا عند قراءة التدخلات المباشرة التي يسرد فيها موقفاً خاصاً به مع طفلته (وهو يسرد معاناتها مع المناهج المدرسية بصورةٍ مقارنة لسرده طبيعة المناهج الدراسية التي كان يدرسها هو) يمكن أن يكون خارج سياق الرواية.

لكنها كرواية تفكيكية التصميم أظن هذا التدخل المباشر بحدثٍ خارج السياق كان مهماً لاكتمال صورة الصراع الخارجي بين أبطاله والمجتمع والنظام كسفرٍ زمنيٍ للمستقبل يقدم التبرير الحقيقي لأهمية ذلك الصراع الذي خسره أبطاله كرمز للخسارة اليسارية في الصراع مع القوى الرجعية التي تصدرت المشهد في نهاية المطاف، ولذلك أظنها شخصياً جزءاً فائق الأهمية في مركبات الرواية. والأهم أنه نجح في الحضور السردي كراوٍ على لسانه دون تقمص لسان شخصيات روايته وبطريقةٍ غير مزعجة للقارئ أو مشتتة له عن الانغماس في القصة.


الوسط وروح العصر بارزة بحدةٍ في الرواية، كما هو الجنس الأدبي أيضاً، وأقصد به مزاج البؤس الذي ورثه اليمنيون عن وسطهم، يجسد فيها الخضر ذلك بالحرمان الذي عاشه اليمنيون أمام صدمة الحضارة التي رأوها في الجيش المصري، والهزيمة النفسية التي تلقاها أبطال الرواية في الاستسلام لعدوهم في الصراع الداخلي.


من الناحية التمثيلية للأشخاص، فهناك سيطرة مستمرة للكاتب على الشخصيات إلا أنه نجح في تمثيلها الفوتوغرافي والعاطفي بشكلٍ يجعلها أكثر حقيقةً من حقيقتها، تعاطفت وشعرت بالشخصيات كأنها شخصياتٌ واقعية تعيش صراعاتها الداخلية وتبحث لنفسها مبررات تحولاتها وهفواتها السابقة في سعيها للتصالح مع نفسها.

كنت ظننت أن شخصية عبد الستار مجرد حضورٍ غير لازمٍ رغم أهميته التي ظهرت في الرواية بالهالة الميتافيزيقية التي أضفاها الكاتب على شخصية عبد الستار منذ أول مشهدٍ يحضر فيه، دعم ظني ذلك ظهورها في مقام الشخصية الرئيسية الأكثر أهمية فيما لم تحتل طابعاً انتقالياً واكتفى بحضورٍ طفيف في السردية.

إلا أن الخضر يستمر في إدهاش القارئ بالخاتمة التي ينهيها “عبد الستار” كمخلوقٍ لا يمكن أن تكون الرواية بذلك الجمال لولا حضوره بتلك الطريقة التي أصبح فيها شخصيةً يمكن أن أشبهها بين حقيقية وماورائية الوجود، ككائنٍ رمزيٍ في الرواية للحرية والذات الناقدة والخسارة معاً، أضفَت حضوراً وخاتمةً من الدهشة الخالصة التي تعيد حضور الأحداث جميعها كعرضٍ أخير لرجلٍ يرى حياته على فراش الموت.

في بنية القصة

لم يغب عني التساؤل وأنا أتقدم في الرواية، هل قتل ذروة الحبكة في مشاهد الفصل الأولى؟ لكن لماذا لم أفقد شغف المتابعة؟ او بالأحرى أستمر في التلهف أكثر لمعرفة بقية القصة؟ أريد التعرف على حسام، ومن هو حسام، من هو عبد الملك؟ كيف يتغلب الكاتب على كل توقعاتي حول موضوع الرواية، طبيعة القصة، وتنبوءي بأحداثها؟

كنت أظن بأن عرض مشهد هديل وحسام في بداية الرواية يشكل قتلاً لها بعد أن قدّم الكاتب خاتمة قصة أحد الشخصيات الرئيسية، الأمر الذي يمكن اعتباره بأنه يفقد القارئ لذة التشويق لمعرفة نتيجة صراع حسام وهديل ورغبة الشيخ الزواج منها. قد أعتبر ذلك محاولةً في البداية لشد القارئ، إلا أنها بالتأكيد ستفقد القصة عنصر التشويق لاحقاً، إذ أن القارئ سيتوقع في الأخير نهاية سعيدة رأى منها مشهداً في المقدمة وتظهر معظم الرواية كمشاهد بتقنية الفلاش باك.

لاحقاً، يكتشف القارئ من جهةٍ آخرى بأن القصة ليست مجرد قصةٍ رومنسية تحكي قصة حبٍ ما، قتلها الراوي في البداية بعرض مشهدٍ من المشاهد الختامية، وإنما تجعل من تلك القصة مجرد حدثٍ هامشيٍ يترافق مع سلسلة أحداث تشكل في مجموعها الموضوع الرئيس للرواية ومحور سردها، والذي يظهر بأنه سياسيٌ اجتماعي بحت. أما شخصيات القصة فهي أشبه بالأحجية التي يستمر القارئ في تكميل تركيب قطعها حتى المشهد أو الحدث الأخير منها. مثلاً يتعمد الكاتب تشتيت القارئ بين ماضي وحاضر الشخصية “مراد” وعبد الملك في صورةٍ تستدعي تماسك الأحداث في ذهن القارئ وربطه فيما بينها، فيما يتعمد تعتيم الرؤية في بعض المشاهد كتلك التي وصف فيها ظروف احتجاز عبد الملك والإفراج أخيراً عنه، بشكلٍ يدفع لتعاطفٍ كبيرٍ مع الشخصية، ثم في المشاهد الأخيرة يعيد المشهد بصورةٍ أكثر واقعية وحضوراً للأحداث التي تدفع لتحقيق تعاطفٍ أكبر مع الاعتراف بالهزيمة الذي يقدمه البطل في القصة.

اقرأ أيضا: رواية عندما بكى نيتشه: بين تداعيات القلق والعلاج النفسي

السيتينج 

الرواية تحضر في مسار زمني تتنقل فيه القصة في النصف الثاني من القرن العشرين بين زمن ثورة العام 1962م وما بعد اغتيال الرئيس الحمدي والمرحلة التي تلتها انتهاءً بحرب العام 1994م. فيما تحضر قفزة سريعة لحاضر الكاتب التي يصور فيها مشهداً له مع ابنته تصور نتيجة العبث السياسي وانحراف العملية السياسية وفشل التجربة اليسارية في واقع هذا المشهد.

تأتي معظم أحداث الرواية في منطقة تهامة اليمنية والعاصمة صنعاء، في مدينة الحديدة على البحر الأحمر وقرى تهامة ومدينة صنعاء وسجونها السرية والرسمية

الصراع الخارجي:

يتمثل الصراع الخارجي في حبكة الرواية في صراعٍ تعيشه الشخصيات الرئيسية، أبطال الرواية، مع السلطة السياسية والدينية وسلطة الحزب الأيديولوجية، وصراعٍ آخر مع المجتمع.

تلك مع السلطة السياسية التي تستمر فيها مراكز قوى تقليدية بقيادة البلاد نحو دوامات صراعٍ ما إن ينتهي أحدها حتى يبدأ آخر. صراع الأيديولوجيا التي تعيشه شخصيات القصة الرئيسية مع أدوات النظام والمخابرات التي تتركهم تحت الرقابة يقضون لياليهم تملصاً من العسس وفراراً لنجاةٍ ليومٍ آخر من السجن. في فرارات الشباب اليساريين وعبدالستار وإخفائهم للكتب واحتمائهم بمنزل الزعيم الذي يتكئون عليه.


هي أخرى في الصراع مع السلطة السياسية في المعتقل وطريقة معاملتها لعبد الملك وترويضه وإخضاعه، ثم هي في مراكز أعمال اليساريين في مؤسسات الدولة كما يظهر في قصة مراد وسامية، ابتداءاً من صراعه لأجل الحصول على شهادة حسن السيرة من الأمن الوطني وانتهاءً بتضحيات سامية لتجنيبه خطر الاعقتال أو التشرد.


على المستوى الاجتماعي فهذا بلدٌ سيصر على إفسادك في الأخير، كل شيءٍ من حولك فاسد، هنا الشخصيات في صراع مع كل شيء، والفساد بحد ذاته قيمةٌ سامية في مجتمع كهذا يرى بأن نظام الرشوة في البلاد واحدٌ من رفاهياته التي تسهل شؤون الناس، وأن رشوة شرطة السير أفضل من الحصول على رخصةٍ للقيادة، سيروضك حتى تستسلم… قصة عبد الملك والسجن والمنصب والمزرعة، قصة مراد وترك العمل كمحاسب من أجل المبادئ وظروف العمل في البنك حتى تحول حياتهم مع سامية في الأخير.


هي دوائر صراع مكثفة لا يمكن لها أن تتوقف في الخارج إلا بالاستسلام، في حين تتحول عند الخضوع والاستسلام لصراعٍ داخلي لا ينتهي يقض كيان الشخصية إلى أن لا يبقى هنالك متسع سوى التصالح مع كل القيم والأفكار الشخصية التي تؤجج هذا الصراع، تتحول هنا الصراعات الخارجية لعملية كاملة لمسخ الشخصيات الرئيسية في القصة التي تخسر جميعها صراعاتها.


أما الصراع مع السلطة الدينية فيتمثل في الصراع الأيديولوجي الذي يحمله أبطال الشخصيات اليسارية مع هجين الدين والسياسة القبلية في السلطة، كوجهان يريان أن لا وجود لأحدهما بدون الآخر، فيما يقف اليسار في موقفٍ متشددٍ وصداميٍ معهما. من جهةٍ أخرى هي في دور الدعوة الدينية في تعميق جهل المجتمع وانغلاقه والتشديد عليه، لتحوله فيما بعد لعصا حربٍ في سبيل الله.


أما الصراع مع الحزب فتتمثل في السرد الذي يورد انتقائية الحزب في انتخاب وتحديد متاحات قراءات شبابه والتعديل على أدبياته وقصها وحذفها وتقديمها بصورة المسلمات غير القابلة للنقد والمراجعة، في حين تظهر الذات النقدية التي تقف وحيدةً في هذا الصراع في شخصية عبد الستار الذي ينتقد فشل التجربة الاشتراكية بممارساتها الشمولية وخسارتها أمام خصمها الرأسمالي “سيارة فولغا سوفييتيه تعادل معدن عشر سيارات أميركية”. عبد الستار الذي يتجاوز حدود سلوك الحزب وأيديولوجيته لما وراء برامج الحزب الذي أصبح كاهناً بنسخةٍ يسارية.

الصراع الداخلي

فكرة الصراع بين المبادئ والمعتقدات والمصلحة والسعادة، من سيناصر منهما من سيتغلب على الأخر، وهل يمكن أن يتصالحا مع بعضهما ويغيب تأنيب الضمير والإحساس بالذنب

بالنسبة لي كقارئ على المستوى الشخصي، فالصراعات الداخلية هي أكثر ما يستهويني في العمل الروائي الناجح. كيف يستطيع الكاتب أن يجسد هذه الصراعات بذلك الشكل الذي تنجح في إقناعي بعثرات أبطال القصة وانكساراتهم وهزائمهم. شرخ الماء ليست رواية سياسية تاريخية فقط. فالسرد الذي صنعه الكاتب باختيار شخصياته ونقل موضوع الرواي الرئيسي للمستوى الشخصي الذي نعيشه مع أناس قلائل يشبهوننا، يعيشون مثلنا ويصارعون تلك القيم التي يتبنونها ويضحون لأجلها والإجبار على التخلي عنها والإنقلاب عليها.

تظهر جميع الشخصيات في عزلة داخلية يصارعون فيها ذواتهم لوحدهم. يصارعون فيها اعتقاداتهم وانتماءاتهم وحالة من العبث في الخارج الذي لا يعي أشخاصه ما يعيشونه في داخلهم. وكيف يتحول العبث نفسه لسلاحٍ يرفض حقيقة أن يكون أبطال القصة مختلفين، ويرفض أيضاً أن ينهي وجودهم. هي حالة من الامتهان والإذلال الذي تعيشه الشخصيات الرئيسة، حلقة من الذل والعذاب الذي لا ينتهي إلا مع أن يتحولوا لمسوخ آخرى تشبه هذا العبث. فيكتبها عبد الملك في نهاية الرواية اعترافاً بالهزيمة والخضوع في جدران لا تتسع لاعترافه بأنه أيضاً أصبح نسخةً من المجتمع المسخ.

يتخلى أبطال الرواية مع صراعٍ مرير عن قيمهم. يظهر مراد شاباً يسارياً يرفض ما يسد به رمقه لأن ذلك سيخالف قانوناً من القوانين وسيسرق حقاً عاماً عندما يتهرب التاجر الذي يعمل معه كمحاسب ضريبياً. ثم تنتصر الحاجة للأمان، للحب، للبقاء مع من يحبهم، ويتجنب مصير أصدقائه لأن يتخلى عن قيمه ومبادئه، ثم يتخلى عن نفسه ورجولته، ويتخلى أخيراً عمن يحبهم في سبيل ذلك، ويتخلى لاحقاً عن تأنيب ضميره، ويقيم علاقة مصالحةٍ بين نفسه كمراد وبين مصلحته كما هي حال بقية أشخاص الرواية.

أما نهايات الرواية فليست تقليديةً لها علاقة بسعادة أو تعاسة النهايات التي تنتهي فيها حياة أبطالها، بل تركز أكثر على الخسارة المشتركة التي يجنيها أبطالها في صراعاتهم الداخلية والخارجية في صورةٍ قد لا يتحامل فيها القارئ عليهم بقدر ما يغرق في تعاطفه مع شخصيات الرواية بقدر العاطفة المبررة بتقنية السرد التي تستطيع حمل هذه المشاعر بالعرض المحترف لتراجيديا الأحداث. يمكن ملاحظة هذا في الإبهام الذي يلاحق خروج عبد الملك من السجن، الذي تحول بعدها للنقيض من شخصيته التي كان عليها إلى الرأسمالي الانتفاعي ورجل السلطة التي عذبته ورفاقه، بعد إثقال القصة بالمعاناة التي لاقاها في السجن، انتهاءً بكشف السبب، الذي كان استسلام عبد الملك، في نهاية القصة، بعد أن خلق الكاتب جواً من الآلفة بين القارئ والشخصية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: