كيف يمس Don’t Look Up حياتنا جميعا؟

يبدأ فيلم Don’t Look Up من مختبر فضاء، وتتبع حركة جرم سماوي، وما يميز الفضاء دوران كل الأجرام في فلكه، إذ استوحى جلال الدين الرومي رقصته المولوية من دوران الإنسان حول ذاته على نمط دوران أجرام الفضاء، كما استوحى مخرج الفيلم حركة الكاميرا التي تدور حول الممثلين، بإيقاع حركي سريع ينبأ أن الأوضاع لن تهدأ طيلة الفيلم.

تعتمد كادرات التصوير على تصوير close up ربما يتابع تعابير وجه أو حركة يد أحد الأشخاص، كما أن هناك اهتمام بوقع الأحاديث على وجوه الشخصيات لابراز التباين بينها، على أساس أنها لا تقف على أرض واحدة من المفاهيم.

عندما يذهب كل من ميندي وكيت إلى قصر رئاسة الجمهورية ليخبرا رئيسة البلاد بسر خطير، حيال جسم طائش بالفضاء سينهي الحياة على كوكب الأرض، لم يحصلا على أي أولوية اللقاء معها، بل انتظرا لساعات، من أجل أشياء تبدو أقل أهمية كالاحتفال بعيد ميلاد مثلا.

 

يبدو نموذج السياسي مستغل عندما يمنح كيت وميندي طعام مجاني ويحصل منهما على النقود، ولكنها تعود وتفسر أنه مهوس بالسلطة لدرجة ممارستها في أمر تافه، وكأن ما يشغل عنصر الهيمنة هو التلاعب بالعوام، وهذا يبدو جلي حين تكترث رئيسة البلاد للمشاكل السياسية أكثر مما تكترث لأمر يهدد الحياة، إذ أن الكل يدور حول البولتيكا في عالمها.

تمتاز شخصيات الفيلم بدرجات متفاوتة من السطحية والمبالغة في السذاجة، مما يعكس أداء انفعالي من خلال حركات اليد أو الرأس وربما الأقدام، ويخلق حالة عبثية مع كاميرا ترصد وقع كلام كل شخص على وجه الآخر، رعب فريق الفضاء مقابل لا مبالاة السياسيين.

يخبرنا جون بيوري مدرس التاريخ الروماني، أن سقراط ربما عاش أطول، لو كتم ما يجول في خاطره، لكن نفسية الإنسان لا تطيق كتم ما تشعر أنه مهم، ولهذا نجد ميندي المسالم يتمرد على أهل السياسة، ويلجأ إلى الإعلام، لتحذير المجتمع الأمريكي من الكارثة.

المكتب البيضاوي بقصر الرئاسة يبدو أصغر حجما في الطبيعة مما هو عليه من خلال الإعلام، كذلك المغنية أيضا بحسب تعبير ميندي أقل حجما في الحقيقة، وكأن الميديا تضخم الأشياء، مما يضيع مفهوم الحقيقة.

تبدو شخصية المذيعة شديدة السطحية، إذ قامت كيت بلانشيت بمجهود جبار لتبدو بمظهر أقرب لأصابع بطاطس ماكدونالدز الباردة، تشرب الخمر قبل الظهور على الهواء مباشرة من خلال برنامجها التلفزيوني، وكأنها تهرب من تشغيل عقلها، ربما همها الوحيد، هل يبدو صدرها المكشوف رائع أمام الكاميرات، وجل ما تبحث عنه هو إقامة علاقة مع رجل مهم.

 

فكما تفتخر بإقامتها علاقة مع رئيسين جمهورية سابقين للولايات المتحدة، انجذبت سريعا للدكتور مندي، الذي يبدو عِالم مارفل الرزين، القادم من أجل إنقاذ البشرية. تتمادى شخصية المذيعة في حالة قصوى من النفاق، بالرغم من اهتمامها أن تبدو لطيفة أمام الكاميرات، إلا أنها مزاجية متبجحة جدا خلف الكاميرات.

وهو ما ينطبق على المغنية التي تظهر بالبرنامج. في زمن جعلت الميديا فيه الحب درب من دروب المتاجرة، وهو ما يبدو جليا من المتاجرة بقصة هجران وخيانة حبيب المغنية لها، ثم ندمه والعودة لها من خلال البرنامج، وفي كلتا الحالتين تنتج المغنية نفسها أغاني عن الخيانة والحب والزواج كمرآة لأحداث حياتها التي تستخدمها من أجل شهرة وأموال أكثر. حتى بوقوع الكارثة تنتج أغاني عن نهاية الحياة. وتقيم حفلة نهاية العالم.

وعلى عكس ما يبدو للجماهير أن رئيسة الولايات المتحدة مهتمة بشأن كارثة تمس الحياة على كوكب الأرض، إلا أن هذا الاهتمام لم يأت إلا بدافع التغطية على فضحية جنسية وأزمة سياسية تلوح في الأفق، وكأنها غير قادرة على الخروج من قالب السياسة، وكأنها روبوت مبرمج على هذا.

 

https://www.imdb.com/title/tt11286314/

ربما كل ما يهمها هو مواجهة الناس بأنها تدخن السجائر، حتى الدكتور ميندي نجد أن شخصيته تختلف عند لعب دور أمام الكاميرات، فهذا العالم حبيس معمله، ربما يدير ظهره للحياة، إلا أن هذا نتاج كبت نفسي، وهو يشعر بأهمية من داخله لا يكتسبها من الآخرين، وهو ما سعى لاقتناصه عند توفر الفرصة، حتى لو تحول لمجرد أداة دعائية في يد الحكومة الأمريكية.

وبسبب بحثه عن دور البطولة أحب المذيعة، التي تبحث عن بطل في حياتها، وكأنها لن تحيا دون الحصول على هذه الحياة من رجل “مهم”. كما هو يحتاج بنفس القدر أن يشعر بأهميته، لم تظهر المذيعة المتهربة على حقيقتها إلا في مرتين، مرة أثناء معرفة زوجة دكتور ميندي بالخيانة، وهو ما كشف عن فلسفتها في الحياة أن الكل سيئ،. موجه نصيحة للزوجة لا تلعبين دور القديسة.

والمرة الثانية إبان نهاية العالم، إذ كانت تقضي الوقت مع الكأس وزجاجة الخمر، وعندما طلب منها زميلها المذيع إقامة علاقة فضلت شرب الخمر، وكأنها تختار أن تهرب بصدق حتى النهاية من ضجر ووحدة يحاوطون حياتها الفارغة. خاصة أن طالب العلاقة رجلا يفتقد دور البطولة.

على جهة أخر تنصاع رغبة مؤسسة السياسة لرغبة استثمار رجل الأعمال الأشبه بشخصية بيل جيتس، وبدل من تدمير النيزك، يبدأ العمل على محاولة الاستفادة من مكوناته، في تصنيع التكنولوجيا، لتنهي الحياة بسبب إتحاد مؤسستي السياسة والأعمال، ويلق كل شخص النهاية كما يستحق أن يحصل عليها.

نجد كيت مساعدة دكتور ميندي، تحصل على حب أفضل بصحبة شاب يرغب أن يبق جوارها حتى النهاية، بعكس الذي تخلى عنها ببداية الفيلم من أجل ترند على تويتر.

ودكتور ميندي يعود نادما لأسرته حتى لا يموت وحيدا، متمردا على نبوءة الألجوريزم بعدما أخبره رجل الأعمال أن كل الداتا تخبره أنه سينهي حياته وحيدا بلا قيمة.

يعد الفيلم صرخة في وجه تأثير عالم الميديا والأعمال على حياتنا، وكما وجدنا أن الشخصية الأكثر حقيقة “كيت” لم يكن مرحبا بها، عكس ميندي القادر على التنازل والتكيف مع عالم الأضواء، العالم السطحي الجميل، الذي يجب أن يكون مليء بالفلاتر كأغلب شخصيات الفيلم.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: