عودة مريم (قصة قصيرة)

استيقظت علي صوت والدتي ذلك الصوت الذي يمد روحي بالسعادة الغامرة ويطمئن قلبي كثيرا أمي تلك المرأة القادرة على استيعاب العالم متى تعقد بعقلي؛ تملك قوة خارقة تستطيع مداواة أي جرح يمس القلب.

جلست في سريري ثم دعكت في عيني لاجدها انها السادسة فنظرت إليها وتمنيت أن يجري الوقت وتصبح الثامنة، فهو موعد وصول صديقتي من السفر، إنني حقا اشتقت ليها كثيرا، أكره السفر الذي يخلق مسافات وأبواب حواجز بيننا وبين الأشخاص الذين نحبهم، قرأت مره في كتاب”بأن لا شئ يعادل نظرة في عين”.

انتبهت علي صوت أمي، وهي تقول لي: “ليه ده كل ده سرحانة! سرحانة في إيه كده، ريهام .. ها!”

– ولا حاجة يا ماما بس مريم وحشتيني وبتمني الوقت يجري بقى

عارفه يا ريهام مشكلة جيلكم إيه. أنه مش صابر!

– يا ماما أنا بس بقالي ٣ سنين مشفتهاش وانتي عارفة أنها أقرب أصحابي. وأقرب الناس ليا بس خايفة يكون السفر عمل حواجز بنا أو نكون كبرنا والعمر جري بينا لسه فاكره أننا البنتين المراهقين اللي حضنوا بعض. واتفقوا أنهم مستحيل ينسوا صداقتهم. خايفه كل ده يكون أتغير، وراح.

محدش بيحبك هيتغير يا ريهام. اللي بيحبك هيفضل طول عمره زي ما هو. وبعدين انتي هتفضلي تكلمي كتير كدا اتفضلي يلا اجهزي. قبل ما صحابتك تيجي

ذهبت إلى غرفتي لارتدي فستاني، هذا الفستان الهدية من أمي في عيد مولدي الثالث والعشرون، نظرت بالمرآة أتحقق من مظهري، تذكرت كيف تعرفت علي مريم، الفتاة الناضجة التي تعلم كل شئ عن الحياة مع أنها بنفس عمري، ويفترض، ألا تملك الخبرة الكافية عن الحياة في ذلك الوقت. كانت تستطيع أن تسمع دون مقاطعة، تفهم حتي تعبيرات وجهي حين أتحدث معها، لم أكن بحاجة للجهد والشرح وسرد التفاصيل.

– لو سمحتي، أنتي في سنة كام؟
أنا في سنة تالتة
– وأنا كمان. بس أنا جديدة، تحويل من جامعة تانية، ممكن رقمك، عشان أعرف منك المواعيد، النظام، حاجات كده
أه طبعا

كان الأمر بتلك السهولة، ومع إبتسامة عريضة جمعتنا من أول لقاء، أصبحنا أصدقاء، بل أقرب أصدقاء، فتحت باب غرفتي وخرجت.

الله الله إية الشياكه دي كلها

– حاجة بسيطة كده يا ماما. قوليلي ناقص إيه أساعدك فيه.

ولا أي حاجة أنا خلاص خلصت كل حاجة. أنتي بس روحي رصي الأطباق على السفرة.

بعد أن وضعت الأطباق على السفرة، وقفت في البلكونة، انتظر كأنني عصور معلق ومحبوس داخل، ينتظر لحظة فتح القفص.

أخيرا. وجدت مريم تشير لي، صرخت بانفعال قائلة: “ماما يا ماما مريم جت”

طيب يا حبيبتي بشويش طيب. حمدالله على سلامتها يا حبيبتي
سارعت إلى الشارع، قمت بالجري نحوها وحضنتها

– وحشتيني أوي يا ريهام
وأنتي كمان اوي.

تدخلت أمي: يا سلام. وأنا بقى مليش حضن ولا إيه
ردت مريم: لا أزاى ليكي أحلى حضن. وحشتيني أوي
علقت أمي: أنتي كمان أوي يا حبيبتي حمدالله على سلامتك

جلسنا نتناول الطعام، وحكت مريم ما حدث معها في سفرها، وكم كانت الحياة صعبة عليها في البداية طريقها، بعد ذلك تركتنا أمي حتى نتحدث بحرية.

احكيلي بقي. عملتي إيه من غيري في بلاد برا؟
مفيش حاجة مهمة. بس بحاول أطور من مشروع الرسم شوية وبقت بعمل لوحات وأبيعها وساعات بدي كورسات.
أمم. تعرفي وأنا في المطار. شوفت نادر.

-بجد؟
لسه فكراه يا ريهام؟

– أكدب لو أقول اني نسيت مع أني أتنسيت. بس الذكريات في دماغي مكتوبة بقلم حبر مش بيتمسح. فاكره كل شارع مشينا فيه، وكل ضحكة بينا وكل مشكلة حصلت. أنا لسه فاكره ملامحه وصوته ونظرته.

لسه بتحبيه للدرجاي ياريهام؟
انا دايما بعيش قصة علشان اعرف ارسمها، سابني قبل ما تنشف ألوان الرسمة، كان انبهار يمكن وراح لحاله. كنت بنت صغيرة بتدور على بطل في حياتها، بس مكنش فيه بطولة كان في اختلاف كبير بينا وبغمي عنيا عنه.

أوقفتني مريم، ونظرت داخل عيوني بقوة، كأنها تريد نقلها لي قائلة: “هي دي الحياة أوقات كتير بنضيع الوقت في حاجات كتير يمكن مكنتش مناسبة ومكنش لازم نعملها، بس دي حاجة بيبقى صعب نعملها من غير ما نجرب، حاولي متندميش على تجربة لأن الندم ممكن يبقى أكتر لو هربنا من التجارب.

– أنا كنت محتاجة رجوعك جدا يا مريم، عشان مفضلش حاسة أني لسه واقفة بالزمن جوا الماضي، كنت محتاجة وجودك عشان أتحرك في الحياة من جديد.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: