بين مخاوف الوحدة وبؤس الهروب منها (قصة قصيرة)

استيقظت كالعادة في تمام السابعة صباحا، لم أجد أي رسالة، صندوق بريد الفيسبوك فارغ، أحيانا أحتاج أن يخبرني شخصا ما، “صباحك سعيد”،ولكن لا أحد يفعل، أنا لا أستيقظ من أجل أحد، في الواقع أخجل من رفض الآخرين، ولهذا أبتعد عن الناس قدر ما أستطيع، أدعي دوما أنني سعيد، ولا أطلع أحد على وضعي العاطفي، ربما من باب الكاريزما. يجب علي أن أخفي كل هذه الحاجة والفوضى والفراغ بداخلي.

أرتدي ملابسي الكلاسيكية، قميص أبيض، وبنطال رصاصي غامق وجاكيت بدلة، هكذا أبدو في كامل أناقتي يوميا، أنظر للنساء في الشارع بثقة متناهية، كأني عمر الشريف، ولكن في الواقع هم لا يرونني هكذا، لكني أتجاهل ذلك.

أشرب كوب القهوة بكافيه ديليس أشعر أني أحد أرستقراط المدينة، مع أني بالواقع فلاح، لكن أحاول الحصول على صباح أشبه بصباح الأجانب الموجودين هنا، أو أولاد الناس، كنت ابن ناس أيضا، لكنهم ناس فلاحين، وأنا كذلك.

في تمام الثامنة أذهب لمحل عملي، الذي لن أستطيع أن أصرح به، أجد زملائي يمسكون كرواسون وأكواب الشاي بالحليب، يعدون هذا فطارا، لا أستطيع التصريح لهم بعدم قدرتي على تناول هذا لأنه بالنسبة لمعدتي لا يعد وجبة إفطار، أيضا لا أستطيع إخبارهم، أني أفطر على عربة الفول قبل تناول قهوتي بدليس، يعلمون أمر القهوة لأني يوميا أشارك صورتي هناك كل صباح، حتى في أيام الجمعة، مما يجعلني وسط زملائي، بكل قوة أدعي أني لا أستطيع تناول شيء سوى القهوة بالصباح.

أنهي يوم عملي وأشعر أن النساء في الشوارع ينظرن لي كباسم سمرة، أنا نفسي أشعر جدا أني باسم سمرة، الوضع ليس جيدا بعد ساعات العمل تلك، أحاول أن أحصل على قسط من الراحة، أنام ساعتين تقريبا، ثم أذهب لتناول الغداء، منذ سنوات لم أكن أحب تناول الأكل بالمطاعم وحدي، دوما حلمت بامراة تشاركني الطعام، أفضل مشاركة العشاء مع امرأة، أكثر من الغداء، ربما أتخيلها دوما تدخل معي السينما ونتناول الواين في آخر الليل، وتتركني أشعر بالحيرة، هل أقبلها؟ أم أقيم معها علاقة ساخنة؟ ولكن إن كانت باردة فأنا لن أعترض، أعتقد ذلك.

بعد تناول الغداء، لا أجد ما أفعل إلا أن أجلس بمقهى بلدي، أدخن السجائر ككلب يعلق صاحبه، يتعبني الإفراط بالتدخين في ذلك الوقت من اليوم، لا أجد شخص يحدثني، لا أحد يسمعني، ولا يوجد أي شخص يود التواجد معي، أتابع منشورات الفيسبوك في صمت، والتقط سكرين شوت، لصور الفتيات المثيرات، أجمعها على أمل أني في يوم سوف أقيم علاقات مع كل هؤلاء النساء.

ما قد ينقذني من هذا اليأس والإحباط والوحدة، هو ماتشات الدوري الانجليزي، في الواقع أهتم بمشاهدتها، أكثر مما يهتم بمشاهدتها محلل بين سبورت، ربما هي عمل بالنسبة له مهما أحبه يبقى وقت عمل، أما بالنسبة لي وقت ونس، منذ أن ماتت أمي لا أعود إلى المنزل إلا بغرض النوم، لا أتقبل أمر وفاتها، وإلى اليوم أهرب من عدم وجودها، ببساطة لا أعترف به، ولم أخبر أحد بهذا السر، حتى لا يتهمني شخص بالتجديف في حق الله، وأنا حقا لا أعترض على إرادته، لكني حزين جدا لدرجة أن أأبى التصالح مع هذا الأمر. وأتمنى أن يسامحني الله.

لا أعلم إن كنت سأدخل الجنة أم النار؟ ربما أنا شخص جيد، مع أني إلى اليوم لا أستطيع الالتزام بنصيحة أمي على مزاولة الصلاة، ولا أعرف السبب، ومع هذا أبدو رجلا صالحا لم أمارس الزنا في يوم من الأيام، ولم أحبب إلا فتاة واحدة، وهجرتني، أخبرتني أمي أن كل ما يعلق القلب غير الله لا يدوم، وهذا جزاء تعلقي بفتاة، ومنذ ذلك اليوم، لم أكررها، أو ربما لم أجد فتاة تقترب مني، كانت دعوة أمي دوما: “روح يابني ربنا يبعد عنك ولاد الحرام”. ومن يومها لم أجد ابنة حرام واحدة في حياتي، ولا ابنة حلال، لا أحد يقترب، وكأني مكتوب فوق جبهتي ممنوع الاقتراب أو التفكير في الاقتراب، هذا شخص وحيد، وحيد حتى تحترق النجوم، وتفنى السماء.

أبحث عن جنيهات في جيبي وأخرجها قبل أن أطلب من القهوجي حساب ما شربت في اليوم، كان يحببني لاستمرار جلوسي فترات طويلة يوميا مما يعني مزيد من المشروبات، بخلاف تركي بقشيش له، وسيجارة أل أم أحمر من علبتي، خلقت مدوامة الجوار بيننا نوعا من الألفة، كان القهوجي بمثابة أمي الثانية، فمنذ أن ماتت لم أتناول كوب شاي من يد أحد غيره.

أخرج من المقهى وأشتري زجاجة بيرة وطعام، وأعود للمنزل، أرتمى على الكنبة بمجرد أن أخلع حذائي، وكأن جسدي بحاجة لبعض الراحة، وأثناء تلك الراحة، أقلب بين منشورات الفيسبوك، هناك فتيات كثيرات جميلات، لكن لا أعرف كيف أتقرب إليهن، فكرت في مرة ترك أغنية لفتاة على صندوق الرسائل الخاص، في الواقع لم ترد، أرسلت نفس الأغنية لفتاة أخرى، قامت بعمل بلوك لي، أما الثالثة فقد ردت بقلبين، ولكني عرفت فيما بعد أنها لم تستمع إلى الأغنية من الأساس.

لا أجد ما أفعله عن العودة للبيت أشاهد بعض الأعمال على نت فيلكس، أشعر بالملل، أفتح فيسبوك، أنظر لصندوق الرسائل لا يزال فارغا، حتى علامة الإشعارات لا أجدها أبدا حمراء، هناك غياب تام للأحداث، للأشخاص والأحاديث.

النساء معقدات جدا وأنا غير صالح لفك هذا التعقيد بسهولة، أشعر أن الأمر متأزم أن هناك سوء تفاهم لا يحل، أنا أشعر بوحدة شديدة، أود الخروج منها، أرغب في لطف بسيط، بعضا من الونس، ولكني كلما تقربت لفتاة أجد عليي حمل إثباتات عدة، سأكتب إقراراً بعدم الجرح والأذى، وإقراراً بعدم الخيانة، إقرار بعدم الرحيل، إقراراً بأن تكون علاقتنا كمسلسل رومانسي تركي.

أنا شخص وحيد أريد تبادل الحديث، ومشاركة طاولة العشاء بإحدى المطاعم، أنا لا أريد أن أشتري قطعة أرض، لا أريد السفر للمريخ، لا أريد اكتشاف الذهب في باطن الأرض، أحاول استهداف الفتيات اللاتي يشعرن بالوحدة مثلي، وكلما تقربت من فتاة، أشعر أنها لا تستحق الخروج من وحدتها، بسبب العناء الذي علي أن أبذله، لمجرد أن تفكر في منحي فرصة، كأنني أطلب تأشيرة إلى أمريكا.

تتركز كل تلك الأفكار في عقلي ليلاً، في آخر الليل يتشتت عقلي تماما، ويتبعثر نظامه، داخلي شيء يصرخ من الوحدة، شيء مكبوت بقلبي، قلبي الذي لم يعد يقبل هذه الحياة بعد أمي، تقتلني أمنيتي البسيطة في أن أستبدل صوت ونس التلفزيون بامرأة، ربما ليس لي إلا صوت التلفزيون يؤنس وحدتي.

أقوم وأفتح زجاجة البيرة، أصورها عدة صور، وأنشرها في ستوري فيسبوك، مخصص للفتيات اللاتي لا أعرفهن، ربما جذبت انتباه واحدة منهن، في الواقع أمارس تلك الحيلة منذ شهور، ولم أجني منها أي شيء، أغسل وجهي بالبيرة، وشعري حتى لا أشعر بالندم التام على سعرها، أستخدمها في تفعيل قانون الجذب، أشغل إضاءة ملونة مختلطة ما بين الأزرق والأحمر تسقط معا على الطاولة الموجود فوقها زجاجة البيرة، وبعض المكسرات والفواكه، وعلب سجائر دافيدوف.

أملك المكان وأملك أدوات المزاج، وما ينقصني امراة، أتخيل وجودها معي كل يوم، ولهذا أشتري زجاجة بيرة جديدة، وأجدد الخيال وأجدد الأمل، تجاوزت منتصف الثلاثين من عمري، ولازلت انتظر حضور النساء في حياتي، كل هذا الانتظار جعلني أرغب في ثلاثة نسخ من النساء، امرأة بها طيبة أمي التي تساعدني على بلع الحياة، امرأة أخرى تكون حبي الأسطوري كتلك القصة المأساوية التي جمعت جاك وروز بفيلم تايتنك، وامرأة ثالثة تعيش معي كل الليالي كالعاهرات.

في الواقع لا يوجد بحياتي أي واحدة من هؤلاء النساء، هناك امرأة واحدة تحضر بسهولة، من شاشة الموبايل عبر الموقع الأزرق، أظل أتخيل ليلي معها، حتى يتوقف عقلي عن العمل وأنام.

استيقظت في تمام السابعة صباحا، تفحصت صناديق الرسائل الفارغة بحساب فيسبوك، وواتساب، أقول لنفسي بالمرآة أن صباحي سعيد، أشرب القهوة، أخرج العلبة الدافيدوف من جيب البدلة الداخلي، أضعها بجوار فنجان القهوة، لألتقط صورة الأستوري للفيسبوك، أذهب للعمل في قمة النشاط، بعد طبق الفول والقهوة في الهواء على رصيف ديليس.

أحمد الله أن مكان عملي يمنع التدخين، كل ما يمكنني شربه سيجارة دافيدوف أثناء البريك، حتى أعود للمقهى وألتهم سجائري الإل أم، أتصفح اليوتيوب، أفتح فيديو عن أسرار الجاذبية، يظهر على الفيديو إعلان، ينصحني بتحميل تطبيق للتعارف هذا، هه. حتى يوتيوب يشعر بمأساتي ويحاول مساعدتي.

حملت التطبيق وبدأت في تبادل الرسائل مع فتاة.

– أنتي كام سنة؟
21 وأنت؟
– 34.

كنت أفكر ما الذي يدفع فتاة بمقتبل العمر للتقرب مني، فهمت أنها تشعر بالوحدة مع من حولها، أيضا يبدو أنها تبحث عن والدها في أحد الرجال، ربما تجده، ولله أعلم برغبتها، هل تبحث عنه بدافع منح الفوضى والانتقام، أم الحب ومنح النظام لحياته.

– إيه رأيك نتقابل الخميس؟
حلو. الخميس تمام فاضية
– بتحبي الباستا؟
أه حلوة
-في مطعم اسمه سانت بيني.. لو تسمحي اعزمك على الغدا؟
– أه أسمح جدا كمان
أتفقنا
– أتفقا

 

تناولنا الباستا الإيطالي، كان الطعام جيدًا، والمذاق وحتى الحديث، أشعر أن بيننا ألفة بسيطة، ربما حب على نار هادئة. تحدثنا بشغف عن الأفلام التي نحبها وعن الموسيقى كنت أحب أنغام ومدحت صالح، وكانت تحب ويجز ومروان موسى ولم أكن أعرف من هؤلاء.

– بص هما بيغنوا تراب
تراب إيه مش فاهم؟
– تعرف الراب؟
أه.
– التراب ده تطور لمزيكا الراب

تبدلت حياتي في أقل من أسبوعين. لم أكن أعرف ما هي علاقتنا ولكني كنت سعيد جدا بوجودها. أصبحت أستمع إلى مروان موسى لأني أفهم كلمات أغانيه أكثر من ويجز، أحبب ذلك الكوبلية الذي يقول فيه: “أحمر ع الشفايف أحمر ع الضوافر..سهرة طول الليل حب متواصل” لأنه يعبر ببساطة عن طموحاتي في الحياة.

– أنا معجب بيكي
أمم.. مش عارفة..
-مش عارفة إيه؟
مش عارفة أرد أقلك إيه

بعد هذه المحادثة على واتساب أرسلت وجوهًا مبتسمة حاولت تجاوز الأمر، أشعر بحيرة لا أعرف ما الخطأ، وكيف تقترب مني؟ لا لا أستطيع التفسير.

توقفنا عن الحديث، كنت أشعر بالحرج، من بعد رفضها لي، أفتقد الصخب الذي أحدثته في حياتي، عاد صندوق رسائل فيسبوك وواتساب لحالة الركود قبلها، لكن بعد عدة أيام، وجدت رسالة منها، تخبرني، أني شخص سيء ومتلاعب وجرحت مشاعرها، حاولت أفهم ماذا فعلت، زادت عصبيتها وكأننا نخوض خناقة، لم أكن أفهم شيئا، وبعد ثلاث ساعات من الهراء أنفعلت، فكتبت أنا معجبة بيك يا غبي..

عدنا ثانية للخروجات والأحاديث، دخلنا السينما معا لأول مرة، وأثناء خروجنا من السينما، حاولت مسك يديها، في الواقع كان رد فعلها تلقائي، سحبت يدها بشكل سريع، لم أكرر المحاولة، فقط شعرت بالخجل من رفض لمستي. مرت الأوقات بيننا، ليست مثالية ولا تطابق خيالي، لكني بحاجة لوجودها في حياتي، لم أشكو منها، حتى لا تنزعج.

أستيقظت في تمام السابعة والنصف، لم أعد أشرب القهوة بدليس، توقفت أيضا عن شراء البيرة، و الدافيدوف التي أستخدمها في الصور، دخول إمراة في حياتي، أجبرني على خفض مصاريفي، ومع هذا أشعر أني أصبحت حقيقيًا أكثر، لم أعد مضطرًا للذهاب إلى العمل بأغلى نوع سجائر، أو تصوير أغلى فنجان قهوة، حتى صور البيرة، لم أعد مضطرًا للفت الانتباه نحوي، ربما لوجود من يهتم لأمري أخيرًا.

أصبحت مبتسمًا داخل مكتبي، أعمل بجد ونشاط أكبر، وتحسنت في التواصل مع زملائي، أشعر أن شيئا ما بداخلي تحرك ويكسر عزلتي، وأصبحت أدخن في البريك سجايريي الإل أم بكل حرية.

– فاضي نتقابل بعد الشغل؟
أه فاضي.
– في تريانون؟
لأ. خلينا في قهوة.
– من أمتى بتقعد في قهاوي؟
من دلوقت.
– طيب.

بدأت أشعر أني أكثر حرية، بعد وفاة والدتي كنت هشًا جدا، أحاول أن أبدو دوما بأفضل حال في عيون الناس، حصلت على وظيفتي منذ أربع سنوات، بعد أن توفت بستة أشهر، كنت أتمنى أن تعيش حتى تراني أعمل بهذا المكان، كانت ستفرح جدا، عشت هناك سجين التمييز الطبقي، أحاول التظاهر لأبدو بنفس مستوى زملائي العمل، أحاول التظاهر من أجل نيل إعجاب فتاة، وفي لحظة ما كان يجب أن يتوقف هذا الهراء، لا يجب أن يكون محرك حياتي كلها هو الخوف من الرفض. ربما لم يكن غياب والدتي هو الدافع للتظاهر، ربما حبي السابق.

ذهبنا إلى المقهى بعد انتهاء مواعيد عملي، وخضنا خناقة غير متوقعة.

-أنت مش بتحبني
ليه بس شايفة كده
– ما هو مفيش واحد بيحب واحدة ميحاولش يمسك، إيدها. يلمسها. كرهتني في نفسي
مش قاصد، أنا آسف.. موضوع مش كده.
– لا قاصد ولا مش قاصد. أنا زهقت وهقوم أروح سلام.

شعرت بالذنب بسبب غضبها مني، مع أني حاولت الإمساك بيدها، لكنها سحبتها، في الواقع لست متأكد، ربما خوفي الدائم من الرفض جعلني أتوهم، أعتقد أني مخطئ، أرسلت لها رسالة اعتذر فيها وأخبرها أني ذاهب للقاهرة من أجل مأمورية بالعمل، وسأعود الجمعة، وعندما أعود يجب أن نلتقي، في الواقع كنت أكذب، كنت أشعر أن المشكلة تحتاج إلى عدة أيام من البعد لتحل.

خرجنا يوم الجمعة تسكعنا بالشوارع، قررت أن أمسك يدها، لم تحاول سحبها، كانت يد ناعمة لكنها باردة بلا روح، لا أشعر بشيء مميز، لم تدفعني مشاعر لحك جلدها، لا توجد في عقلي أفكار خليعة نحوها، أشعر أنني بصحبة طفلة مزاجية غير مثيرة، لن أجني منها إلا النكد والخناقات، تسحبني إلى عالم مشوش وغير مفهوم، عالم يشبه عقلها الذي لا أستطيع تفسيره. لم نتحدث ولم نتلق ثانية بعد هذا اليوم، عدت وحيدا.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: