رغد كمال تكتب: تذكار ألاباسكا

استيقظ مذعورًا الساعة السابعة والنصف صباحًا، فقام مسرعًا لارتداء ملابسه، لكن عندما مر بجانب المرآة لاحظ أنه نام الليلة الماضية دون تبديل ملابسه، حاول تذكر عدد ساعات نومه لكن؛ لم يذكر.

قام برميها في سلة الغسيل بعد تبديلها، ثم ألقى نظرة سريعة على الشيء الدائري الغريب فوق الطاولة، لكن ليذهب للعمل أولاً، وقبل فتحه باب الشقة  للاتجاه للمصعد انقطع التيار الكهربائي. خبط كفه على جبينه:

-يا بوي، سبع دوار!

نزل جريًا وبعد وصوله إلى الشارع شعر ببرودة في أصابع قدميه، فانتبه أنه ما زال يرتدي الخُفْ!! تأفف ثم عاد إلى المبنى، وكان يقف عند كل طابق للراحة، فمرة يضع يده على الحائط مع حني ظهره، ومرة يجلس على الدَرَج، وأحيانًا كان يقف دقيقتين ليلتقط أنفاسه، حتى وصل إلى وجهته، دخل لارتداء الحذاء، لكن بسبب إرهاقه الشديد، وتأخره أخذ إجازة من العمل.

أخذ حمامًا دافئًا، وارتدى منامَته لإكمال نومه، لكن قرر أن يأكل أولاً، فصنع لنفسه شطيرة جبن ثم ذهب إلى الشرفة، وشعر بالبرد فارتدى سترته، وبدأ في أكل الشطيرة، تذكر كُرته العجيبة التي تسببت في إرهاقه الليلة الماضية دون أن يعرف استعمالاً لها، فأخذها إلى الشرفة وتأملها بدقة وهو يستمع إلى أغنية حمود الخضر كن فضوليًا: (كن فضوليًا وأكثر السؤال.. إسأل وستجد جوابا..) ثم قذف بها من باب الشرفة إلى السرير بغضب، أين الجواب يا حمود، لماذا لا تعمل؟ أطفأ الأغنية بانزعاج ووضع نفسه على الكرسي الهزاز وغفلت عينه وما زال صوت الهواء يختلط مع كلمات “كن فضوليًا” التي علقت في ذهنه.

————-

أفاق بعد ربع ساعة ويده اليسرى تمسك شبيهة الكُرة: دائرية، حجمها حجم كف اليد، لونها بني فاتح، عندما هزها استمع لصوت غريب بداخلها، وبها ثقبان على جانبيها، كل ثقب محاط برسمة تشبه رسمة كرة التنس مع اختلافات طفيفة، وعندما أمعن النظر إليها، رأى كلام محفور عليها بخط صغير: صنعت في كندا!. وجدها هادي فوق خزانته، وأثاره الفضول وهو يحملق بها. أخذها ومسح ما عليها من تراب، ثم تسائل إن كانت مجرد كُرة قديمة؟ أم لها استعمالات أخرى؟

 تذكر جَده الذي كان يؤمن أن: كل شيء له معنًا ما وقيمة، إن أغلب العلماء ساروا وراء فضولهم الذي خذلهم آلاف المرات حتى وصلوا..-

حاول بشتى الطرق فتحها: جرب ببطء الضغط على كلا الثقبين فخاب ظنه، وضع دبوس داخل الثقب فلم يفلح، فكر باستخدام دبوس الهاتف الخلوي الخاص بالشريحة، علها تخرج شريحة ما ففشل، مسح بأصابعه عليها كأنها مصباح علاء الدين وبالطبع لم ينجح!، بقي على هذه الحالة حتى استغرق في النوم!.

وحدسه يخبره أنه سيفتحها بطريقة ما، لكن كيف؟ لا يعلم، ولم ينفره كونها قديمة، لكن الصوت داخلها يخبره بأهميتها.

بقي على هذه الحالة مدة، حتى أصبح والكُرة أصدقاء، يصطحبها معه للعمل والسوق، والبحر، وكل مكان يذهب إليه، يخرجها يتأملها لوقت، ثم يعيدها إلى الحقيبة ويكمل ما بدأ به.

فكر في أخذها لخبير ما عله يخبره قيمتها، لكن لمن يأخذها؟ وإذا كانت ذات قيمة، لماذا وجدها مهملة فوق الخزانة؟ 

نظر إلى الصورة المعلقة على الحائط والتي تجمعه مع جده، وهو في العاشرة. وحدق في وجه جده الوقور ذو البشرة البيضاء، والأنف الصغير، والطول المتوسط، فلم يمنع دمعته من النزول، فرغم الفارق العمري بينهما إلا أنه تعلق به تعلق مَرضِّي، أحيانًا كان يلوم جده لإنه كان متاح دائمًا، دون أن يخبره أنه سيغيب يومًا..

ثم تسائل وهو يحدق في الصورة:

ربما تكون لعبة كجومانجي مثلاً؟! مع اختلاف الشكل والحجم بينهما؟ 

-ما رأيك جدي؟

———-

عندما أتى يوم الخميس أنهى عمله بسرعة واتجه إلى المنزل بعد تأكده من وجود صديقته في الحقيبة، وعند وصوله لمدخل المبنى واتجاهه إلى المصعد وجده معطلاً!، صعد الدَرَج بصعوبة، وبسبب الألم الذي يلازمه في قدميه وإرهاقه الشديد؛ ألقى جسده على الأريكة واستخدم الهاتف الخلوي لطلب البيتزا غير مبالي بنصائح الطبيب عن الطعام الصحي، وكالعادة أخلد إلى النوم مكانه. وبعد نصف ساعة أفاق على جرس الباب فقام بتثاقل وفتحه، لقد وصلت البيتزا، أخذها من عامل التوصيل، أغلق الباب ثم تذكر أنه لم يحاسب، ففتح الباب معتذرًا بعد أن أعطى البيتزا للعامل لإحضار المال، أعطاه النقود ثم أخذ البيتزا ووضعها على الطاولة الموجودة منتصف الردهة، وذهب إلى غرفته ليبدل ملابسه لكن الحلم الذي رآه لم يغب عن باله، فأخذ مذكراته ودَون: 

هذه الكُرة العجيبة لم تغب عن بالي منذ أن وجدتها، أعلم أن لها قيمة، ما دام جدي قال أن لكل شيء قيمة، فهو صادق، ولكن لا أدري ما هي؟، أشعر أني أعرفها لكن لا أذكر ما صلتي بها. اليوم نمت قليلاً وحلمت أنني في شارع واسع، به أشجار على جانبيه وأنا أسير فيه، ثم أتَجه إلى شجرة على يميني، أحفر في مكان قريب منها لأجد كرتي العجيبة ويظهر جزء من حقيبة صغيرة جدًا تحتها، عند فتحي للحقيبة أجد بها عملات ذهبية ثم أستيقظ..

وقبل أن يستمر في كتابة مذكراته فكر في البحث فوق الخزانة حيث وجد الكُرة؟ ربما هناك قطعة مفقودة منها؟ كمفتاح يفتحها ليخرج منها ذهب، أو بداخلها خارطة تدله على مكان جواهر؟ أم يبحث تحت السرير؟ 

وقف على حافة السرير وبدأ بالبحث فوق الخزانة دون جدوى، بحث تحت السرير فلم يجد أي شيء يذكر، شعر بالإجهاد الشديد وتذكر أنه لم يأكل ولم يأخذ دواءه، قال له الطبيب أن سبب نومه المستمر وقلة تركيزه: هو قلة الحديد في جسده، ذهب إلى الطاولة وتناول قطعة بيتزا صغيرة، ثم فتح الدرج الذي يتوسط طاولة الطعام لإخراج الدواء، لكن لفت انتباهه قطعة حديد كسيخ الشواء: عامودية، طولها قريب من طول الكرة، ولها رأس دائري كرأس المسمار لكن أصغر بكثير، وعندما أمسك بها وجدها تطول وتقصر، كانت هنا دائمًا لكنه لم يعرها اهتمام، أخذها وعقله مع الكُرة، أحضرها ثم قام بإدخال السيخ داخل الثقب وما توقعه حدث؛ كأنها صنعت مخصوص لكُرته بل هي لكُرته، أصدرت صوت يشبه صوت تدوير المفتاح في الباب، وبسبب رعشة يده سقطت منه الكرة، وعند الثقبين فتح شيء كالباب أدرك فيما بعد أنهما جناحان، أما الجزء الذي يتوسط الجناحان من الخلف خرج ذيل! والذي يتوسطهما من الأمام خرج رأس كرأس البطة! بل هو رأس بطة ويتحرك حركة منتظمة: فتارة يرتفع وتارة ينخفض!، ولم تكن بأقدام، ومع حركة الرأس تتحرك البطة كحركة الكرسي الهزاز، وتصدر صوت بطبطة لكن منخفض ومتقطع!!

جلس على الكرسي بعدما قام بتشبيك يديه ووضعهما تحت ذقنه وكان يتأملها وكأنها بطة حقيقية في بحيرة ألاباسكا! 

-بطة يا جدي؟! 

-ألم تعجبك؟

فرد بخيبة واضحة:

-بلا، لكن..

-يومًا ما ستدرك قيمة هذا التذكار!! 

وقبل أن يكمل جدال ويذَكِّر جده أنه في العاشرة، تراجع بسبب نظرة أمه، فشكر جده ولعب فيها قليلاً خوفًا من والدته ثم تركها.

ابتسم بحزن وهو يلتفت إلى صورة جده على الحائط:

-أدركت الآن يا جدي..

ثم أجهش في البكاء وهو يعاود تأمل البطة حتى نام مكانه -مجددًا-، لكن هذه المرة رأى جده يبتسم له ويلوح مودعًا.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: