محمد لخديم يكتب: الخطيئة الأولى

مراجعة لغوية: شذا لاشين

في غرفتي الصغيرة اتخذتُ جلستي المعتادة متوجهًا نحو النافذة المفتوحة. بعد أن أغلقتُ عليّ الباب ولففت سجارتي وأمسكت بالقلم وشغّلت الموسيقى وبدأت أكتب أغنيتي التي سأُسمعها لزملائي في الفصل كما اعتدت. فجأة قاطع تركيزي اتصال، ألقيت نظرة على الهاتف بجانبي فإذا بها هي. استمر الهاتف بالرنين ولم أكلف نفسي حتى أن أسكته أو أن أقطع الاتصال، مستمرًا في الكتابة التي كانت صعبة على مراهق مثلي رصيده التعبيري يكفيه فقط للحصول على علامات متوسطة. توقفت بعد أن بدأت القوافي تفلت من سيطرتي وكانت السيجارة اقتربت من نصفها، لاحظت حينها أنها تركت رسالة صوتية، فتحتها لأستمع. استغربت من صوتها الخافت كأنها توشك على البكاء قائلة:

  • آلو ويليام إن لم تتصل بي سأقتل نفسي… 

غير مكترث، كتبت لها رسالة نصية: لا وقت لدي للحديث معكِ، إلى اللقاء. 

في اليوم التالي وصلتُ إلى المدرسة متأخرًا، لم تسنح لي الفرصة أن أقوم بدعايتي المعتادة قبل أن أُطلع زملائي على ما كتبت. دخلت الفصل معتذرًا من الأستاذ قبل أن أتّخذ مكاني. في الفسحة علمنا أن لور انتحرت. جائت مديرة المدرسة إلى فصلنا لتخبرنا ولم يتأثّر إلا قليلون، فقد كانت مرمى التنمر في الفصل. أما أنا فلم أكن مهتمًا لا أعرف لماذا. 

كان الراب يسيطر عليَّ في تلك الفترة، مهربي من ضيم الحياة التي عشتها. أذكر جيدًا هروبي أنا وأمي من جحيم الحرب. الجثث المتناثرة ونظرات الرعب على وجه أمي وأبي الذي تركنا ذات يوم بعد أن نفذ الأكل والماء من بيتنا ولم أره ثانيةً. لا أنسى رحلة هروبنا من حيّنا الذي كان قد تغيرت رائحته وتشوهت معالمه وبعد أن كان من أرقى أحياء كينشاسا، أصبح أقرب إلى حظيرة فتك بها وباء. رحلة أوصلتنا إلى ضواحي بروكسل لتطوي كل آمال وطموحات الماضي. تعرفت خلالها على حياة الشارع وعشت مع هؤلاء مثلي؛ الهاربون من ويلات الحروب والفقر. كانت أمي تحاول بكل قواها أن لا أحس بالزلزال الذي قلب حياتنا لكنها كانت مغلوبة على أمرها. قد تراجع دخلها بعشرة أضعاف وقد غلت عليها الحياة أضعافًا وأضعافًا. وكنت أنا آخذ حريةً في حياتي الجديدة. تعاطيت المخدرات وخضت شجارات خرجت منها منتصرًا، وأصبح لي اسم في شارعي ومدرستي. كنت أسعى أن أكون مغني راب كجلّ أبناء الحي الّذين يكبرونني سنًا. كنت أشعر بكثير من السعادة وأنا في غرفتي، التي تملؤها صور توباك وإيزي إي، لأكتب كلماتٍ أرتجل ألحانها أمام الجميع في فسحة المدرسة لألقى صيحات الإعجاب. 

كانت لور أكبر المعجبين بي، أحبّت كلماتي وقوافيّ. كانت تشبهها بأشعار لافونتين(la fontaine) الذي لم أكن أعرفه. كنت أسعد بنظرات الإعجاب التي كانت بريئة من عينين زرقاوين استقرتا في وجهٍ يسُرُّ الناظر، كساه شعر ذهبي ناعم كفرو الخيول. كانت رقيقةً لها صدر صغير ومؤخرة مسطحة جعلت جسمها محل منافسة للمتنمّرين. لم أكن منهم لأنني أجيد استخدام يدي أكثر من لساني. عبّرت لي في يوم عن حبها وصبغت كلامها بعبارات رومانسية اقتبستها من قصائد لافونتين وأنا واقف لا أعرف كيف أرد، وجدت نفسي أمرر يدي حتى استقرت أسفل ظهرها وأنا أسحب جسمها بخفة وأقبّلها بهدوء، لتتركني وتمضي في خجل. 

لم أعلن علاقتي بها، وكنت أستغلُّ ذهاب أمي إلى الكنيسة يوم الأحد لآتي بها إلى غرفتي لنمارس ما كانت تسميه الحب وكنت أسميه الجنس. بعد شهر عرف الجميع بعلاقتنا، فخفت على سمعتي فقلت أنِّي أرافقها لاستهلاكها جنسياً. وصلتها الأخبار مع كمٍّ مضاعف من التنمر، كان بعض الفتيات يقلن أنها لا تصلح إلا للجنس الفموي. حبست نفسها في المنزل خوفًا من أعين الناس وألسنتهم. وأنا أصابتني ربكة لم أعرف سببها جعلتني غير قادر على أن أكتب بيتًا، وبدأ الأصدقاء يسألوني عن جديد. انغمست في تدخين الحشيش بحثًا عن نشوة الكتابة لأجدها تتصل بي يومها.

بعد انتحارها لم أعد أحبذ الذهاب إلى المدرسة فقد سئم الجميع من الاستماع إليّ، كما أن معاملة بعضهم تغيَّرت. أصبحت غريبًا هناك، فوجدت نفسي مع أصدقاء الحي تتبادلنا الشوارع، نتعاطى الحشيش والماريجوانا ونتاجر بهما. وفي أحد الأيام كنَّا نتجول في وسط المدينة في ساعات متأخرة من الليل، أردت شراء بيرة فدخلت دكانًا صغيرًا، التقطت زجاجة وتوجهت للبائع ليفاجأني برفضه أن يبيعني لأنّي قاصر، أصريت، لينهرني وينعتني بعبد الحقل ويشبهني بفضلات الكلاب، لم ينهي كلامه حتى أنزلت الزجاجة على فكه ليقع أرضًا، بسرعة أخذت أمواله من الصندوق المفتوح وانطلقت مع أصدقائي لنختفي في الشوارع الضيقة. أول جريمة سرقة أرتكبها عن غير قصد. 

توالت الجرائم فيما بعد لكي تزيد من خوفي، لم أكن أخاف من السجن ولا على نفسي حتى، ولكن على أمي التي مزقتها الأحزان وهي ترى ابنها الوحيد يضيع يومًا بعد يوم. أصبحتْ عجوزًا في عقدها الثالث ومرضت حتى عجزت عن العمل وتعيش على المعونة الاجتماعية التي بالكاد تكفي الأكل. أخاف أن أدخل السجن فلا تجد من يهتم بها وتموت ولا يعلم بها أحد حتى تتعفن. لكن رغم مخاوفي استمريت في حياتي الشوارعية وفي خدمتها حتى فارقتني وأنا في العشرين. وأصبحت وحيدًا، كنت أعيش من توزيع الكوكايين في النوادي الليلية وعدا ذلك فالشرب والحشيش والنوم، وحتى هذا لم أعد أنعم به.

كأي مجرم كانت نهايتي السجن بسبب وشاية من شخص أراد مكاني. ولم تكن حياة السجن بأحسن من سابقتها إلا أنني تطهّرت فيها من كثير مما قمت به وخرجت منه شخصًا آخرًا يسعى لحياة يعمها السلام. صليت كثيرًا لأنسى ما عشته ونسيت الكثير لكنني لم أستطع أن أنسى أني قاتلها. أحياناً أصلي أن أفقد ذاكرتي لأعود كآدم قبل التفاحة أو أن أعود بالزمن لأنجو من هذه الخطيئة الأولى التي لا أزال أدفع ثمنها في كل لحظة من حياتي. 

اليوم يا أبونا، قررت أن أعترف، لعلك تعينني على أخرج من هذا الألم. لم أعد أستسيغ شيئًا في هذه الحياة، فقدت اللذة. لولا أملي أن الرب سيغفر خطاياي لكنت التحقت بها. لا أعرف كيف لم أحس بحزنها وهي تحاول أن تجد بين أحضاني دفئًا يحميها من الذئاب التي لا ترحمها. لقد فقدت الشعور بكل شيء جميل منذ انتزعت الحرب مني والدي وبيتي لترميني في أرض غريبة مع أمي التي تركت روحها هناك. لم أحزن على وفاتها لأنني أعلم أنها كانت ميتة منذ زمن، وأنا كذلك. 

One thought on “محمد لخديم يكتب: الخطيئة الأولى

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: