شذا لاشين تكتب: حداد (قصة قصيرة)

  • هو العزاء في مين؟

جلس المعزّون على شكل حرف U واجمين، مُطرقي رؤوسهم شاردين في همومهم، كلٌ يغني على ليلاه بداخلِ عقله. كان صوت المُقرئ يملأ المكان، فتداخلت كلمات فهمي بصوت القرآن حين قال:

نظر صقر بنظراتٍ شاخصة لفهمي وقال بصوتٍ حادٍ امتزج مع صوت القرآن:

  • إنت مش عارف العزاء في مين! العزاء على روح المرحومة.

“آه…اممم…آه”

جاء صوت تأوهات من جانبٍ بعيد ليتداخل مع صوت القرآن ونبرة صقر الحادّة اللاذعة في توبيخ فهمي على تقصيره في عدم فهم الأمر.

“كيف لا يفهم هذا الغبي؟!” قال صقر في نفسه. “إن الأمر في غاية الوضوح!”

ارتبك فهمي من رد صقر وأنزل بعينيه إلى أسفل وبلع ريقه بصعوبة حتى أنه سمع صوت حلقه المشدود وهو يبلع ريقه.

“آه…اممم…آآآآه…آه”

علا صوت المرأة التي تتأوّه في ركنٍ بعيد ولم يلتفت إليها أحد وكأنها غير موجودة وغير مسموعة. قام فهمي بهدوء من مكانه، وجلس بجوار رجل عجوز انحنى ظهره، وتظهر تفاصيل وجهه الحادّة على كل تجعيدة في وجهه. تفرّس فهيم ملامح الرجل الذي كان يرتدي نظارة ذات إطار أسود وصاحب لحية بيضاء خفيفة، وأكثر ما أثار دهشة وفضول فهمي هي دموع الرجل التي لا تنفك عن الهطول بأسى شديد، يجلس في مقعده بدون حراك ولكنه كعاصفة هائجة من البكاء والحزن. توسّم فهمي في هذا الشيخ قربه من المرحومة لشدة حزنه الظاهر عليه، ولربما عرف شيئًا عنها وحلّ لُغز تواجده في عزائها.

راح فهمي ينظر إلى السماء بعد أن اعتدل في جلسته بجانب الشيخ العجوز وكأنه يلتقط كلماته المناسبة منها حتى يستهلّ حديثه مع الشيخ.

  • المرحومة كانت عزيزة عليك، مش كدة؟

انطلقت كلمات فهمي من بين صوت القرآن وتأوهات المرأة التي علت أكثر باقترابه منها. مسح الشيخ بعضًا من أنهار دموعه وتمالك نفسه قليلاً وتنحنح وبلع الكثير من ريقه، ثم قال:

  • دي كانت روحي…

اختنق صوت الشيخ من جديد وأجهش في بكاء بلا انقطاع.

شعر فهمي بوخزةٍ مؤلمةٍ في قلبه ووضع يده اليمنى على صدره، بدأت عيناه الناعستان تدمعان، لا يبدو على وجهه أي فهم ولكن غلّفه الحزن وكأنه حمل نصف ما يحمل الشيخ الباكي، فيضع رأسه بين يديه لثوانٍ ثم يأخذ نفسًا عميقًا رافعًا رأسه لأعلى، من بين دموعه، رأى فهمي ولدًا مراهقًا يكابدُ مهرولاً ليصل إلى مقعدٍ خالٍ ليستريح، فرك فهمي عينيه حتى يتبين ما خطبُ الولد واقترب الولد وتبين أنه رثّ الهيئة، أشعث الشعر، أغبر الوجه وجريح! سمع فهيم صوت تأوهات الولد الخفيفة رغم سوء جرحه الذي بدا غائرًا وبليغًا. صاح فهيم بصوتٍ عالٍ طغى على صوت القرآن وكأنه اختفى تمامًا:

  • دكتووووووور يا جماااعة!! دكتووووووور!!

التفّ جمعٌ من الناس حول الولد حتى بدأ يتململُ في كرسيه ويقول بتفاخُرِ الصبيان وهم على وشك البلوغ:

  • يا جماعة أنا كويس، إيه الأوفر ده؟ 

من بين الجموع ومع اختفاء صوت القرآن تمامًا، جاء صوتها الرقيق الحازم بملامحها الهادئة الشافية ليقول:

  • إيه إللي حصل؟

وكان الدم ينسكب من كفّيه بغزارة، ومازالت تعلو وجهه علامات اللامبالاة. 

  • “انتي مين أصلاً عشان أقولك إيه إللي حصل؟”رد الولد باستهتار.
  • أنا دكتورة في المستشفى اللي ورانا وسمعت واحد بيصرخ محتاج دكتور، وبعدين إنت إزاي مستحمل؟

أمسكت بكفّيه، فصاح الولد ولكنه لم يبعد يديه عنها، ونظر في عينيها وكأنه بدأ يراها فقط الآن هي وجرحه الغائر.

قامت بفتح حقيبتها وطبّبت الجرح بعد أن عقمته جيدًا. جلس الجميع في أماكنهم، ونظرات الذعر لا تترك وجه فهمي، وصوت المرأة المتألمة يعلو أكثر فأكثر. ويخفت صوت القرآن قليلاً، ثم يعلو عند الآية:

(فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) 

يخرج الجميع ولا يسلّم أحد على الآخر، يخرج صقر أولاً، ثم يتلفّت فهمي يمنة ويسرة ويُمسك كفيه ويطقطق أصابع يديه، ويضع يدًا على فمه وكأنه يخفي شيئًا ما، ثم يدس يده في جيبه فيتحسس مفتاح فيتجاهله ما أن يشعر بملمس سلك وشيء مستطيل صغير، يخرجه ليجده سماعات وجهاز mp3 صغير، يضع السماعات في أذنيه ثم يتحرك من مكان العزاء، ويعلو صوت المغنّي:

🎶 حُزن يا بقّال ورا الجامع..

هات بنص ريال عسل في الكوز

ده اللي كان عيل بقا شاعر

واللي كان ضاحك بقا أراجوز 🎶

تظهر المرأة المتأوهة من وراء فهمي وتبدو وكأنها خرجت في التو من عملية ولادة عسيرة، تحملُ طفلاً رضيعًا بيديها وتضمه نحو صدرها، ويصرخ الطفل ولكن لا صوت يصل لأذني فهمي فضجيج الأغنية أعلى بكثير:

🎶. عدّى فيّ القمح سمّرني

عدّى فيّ الفجر صبّرني

عدّى فيّ الحزن غيّرني

عدّى فيّ العمر كبّرني 🎶

تقع المرأة على ركبتيها، لا أحد ينتبه لها في أول الأمر، تُحكِم المرأة لف الرضيع بلفته البيضاء، وبحرصٍ شديد تضعه على الأرض وتستسلم لإغماءةٍ طويلة. يجري من ورائها وليد ويداه الاثنتان مربوطتان، يريد أن يحمل الرضيع وينقذ المرأة ولكنه لا يقوى على ذلك. يتحامل ليرفع الصغير عن الأرض، فيصرخ من شدة الألم. يهدأ صخب الأغنية في أذني فهمي وهنا يتنبّه للصراخ الآتي من الخلف، فيجري بذُعرٍ وبكل ما يحمل من قوة ولكنه يجري عكس اتجاه المشهد، يلهثُ وترتعش أطرافه ويزيد من سرعته أكثر، يتلوّن وجهه بشحوبٍ واصفرار، وتتساقط حبات العرق من على جبينه ويواصل الجري، جرى فهمي حتى انقطعت أنفاسه.

بعد الكثير من الجري، وجد مدخل بناية بدى مألوفًا، دخل وصعد السلالم حتى وصل للدور الثاني، فوجد باب الشقة التي على الجهة اليمنى لونه بنفسجي، قرع جرس الباب ولم يفتح أحد، فدسّ يده في جيبه وأخرج المفتاح وفتح الباب وأغلقه بسرعة كالهارب من أسد. قرفص وراء باب الشقة وأخذ يتمتم ببعض الأدعية التي حفظها ثم بدأ بالنحيب:

  • أنا سِبْت الست والولد والطفل وجريت!!

راح يلطمُ خديه وهو يعيد تلك العبارة عدة مرات:

  • أنا سِبْت الست والولد والطفل وجريت!! أنا جبااان!! أنا ما أستاهلش أكون بني آدم!!

تخرج طفلة من باب الحجرة الداخلية لها ضفيرتان هُندِما بعناية، ذات عينين عسليتين كخرزتين من أحجارٍ كريمة تفركهما في تساؤلٍ وكأنها استيقظت من نومها الهادئ في التو. ملأت رائحتها المكان حتى اخترقت رائحة المسك الزكية أنف فهمي فأنعشته وأفاقته من صدمته قليلاً، قالت الصغيرة:

  • بابا! مالك؟ خايف كدة ليه؟

نظر فهمي في عينيها بشكلٍ مباشر، رأى وجهًا مألوفًا وملامح مطمئنة فحضنها حضن دام لبعض ثوانٍ أفرغ فيه بعضًا مما يحمل من خوف. ربتت على كتفيه وقالت:

  • ما تخافش!! أو خاف شوية يعني مفيش مشكلة… فين وليد وماما؟

أخذ فهمي يقرقض أظافر يديه ويسترجع ما حدث شيئًا فشيئًا ثم قال:

  • أنا سبتهم في الشارع!! وليد اتجرح وحياة ولدت… وهي دلوقتي تعبانة جدًا.
  • يا بابا إنت نسيتنا تاني؟!

قالت مِسْك بحسرة.

بدأ يسترجع فهمي الأحداث، فكلما مرّ الوقت في المنزل كلما عادت له بعض الذكريات ولكنه لا يقوى على الحراك بعد. أخذت مِسْك تمسحُ بكفّها الصغير على رأس أبيها:

“أنا حفضل معاك لحد ما تقدر تقوم.” همست مِسْك في أذنه.

أمسك فهمي بوجه مِسْك وشعر بملمس بشرتها الناعم وملأ عطرها صدره وغلّفه حتى أخمص قدمه وكأنه يسبحُ في بحر من المسك، قام وأخذ الصغيرة معه، خرج من المنزل وأحكم إغلاقه جيدًا ودسّ المفتاح في جيبه الأيمن الداخلي وتحسس بأصابعه المفتاح بعد إدخاله وأخذ نفسًا عميقًا. كان يتحامى في جسد مسك الصغير في الشارع الكبير فيتلافى التواجه مع المارّين من حوله حتى وصل للطريق الذي هرب منه ووجد أن وليد ما زال يتحامل ليدافع عن حياة والرضيع من كلمات صقر اللاذعة:

  • انتي ازاي تولدي في العزاء! ليكي عين؟! بعد اللي عملتيه فيها؟! أهيه ماتت بسببك! ما بقتش موجودة بسببك! كانت محتاجاني على طول! كانت بتسمع كلامي!

قاطع الشيخ العجوز صقر بدموعه المستمرة بلا انقطاع وقال:

  • كانت بتحبني!

واستكمل بكائه ومضى.

كانت حياة قد استفاقت من إغمائتها السابقة وجلست على كرسي بلاستيك على جانب الطريق وهي تحتضن رضيعها بحنانٍ وحرص، لا يبدو عليها أي تفاعل مع كلمات الرجلين من حولها فكل ما تفعله هو إحكام لفة الرضيع البيضاء من حوله حتى لا يكاد يظهر منه إلا أنفه. كانت تسدّ أحيانًا أذني الرضيع ما أن تحدّث صقر بنبرته الثاقبة.

جاء فهمي من بعيد، احتضن الرضيع بشوقٍ واحتفالٍ واحتفاء. لم ينظر ولا نظرة واحدة لصقر. أخذ فهمي حياة بعد أن توردت وجنتاها ما أن رأته، ووليد والصغير في أحضانه، ولفّت مِسْك يدها حول يد أمها وذهبوا جميعًا. وفي طريقهم إلى المنزل، لمح فهمي الشيخ الباكي على جانب الطريق، اتجه نحوه وربت على كتفيه وأشار إليه أن يحمل الرضيع قليلاً ليسلي عن حزنه. وبالفعل ما أن ضمّ الشيخ الباكي الرضيع حتى هدأت ثورته، وتوقفت أنهار دموعه، وارتسمت بسمة رضا على وجهه، ثم قال:

اللهم بارك.

أعاد الشيخ الرضيع لفهيم ومضى. أكمل فهيم وأسرته رحلتهم إلى البيت، ودخلوا جميعًا من الباب البنفسجي، تأمل فهيم الباب قليلاً، ثم دخل وأحضر دلو طلاء من اللون الأزرق الفاتح وراح يدهن بابه من جديد.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: