أية محمود تكتب: كرسي في الكلوب

 مراجعة لغوية: شذا لاشين

إنتي علمانية يا آية!

 علمت منذ وقت طويل أني سوف أصطدم مع الآخرين كثيرًا بسبب أفكاري التي لا أبحث لها عما يدعمها سوى فتوى قلبي. فمنذ سنة تقريبًا كنت جالسة مع بعض الزميلات فى مكتبة الكلية، كلهن محجبات باستثنائي ولكن لم يكن ذلك الاختلاف الوحيد بيننا ومهما كانت تلك الاختلافات، فهذا لا يعني أن طرف أفضل من الآخر. وعلى الرغم من كل الاختلافات، فهن محببات إلى قلبي بسبب شخصياتهن المرحة وبساطتهن في التعامل. تحدثنا في كثير من أمور الدنيا وسألتني إحداهن عن سبب عدم ارتدائي للحجاب حتى الآن، ومن هنا انجرف الحديث من الدنيا نحو الدين. جادلتهن في وجهة نظرهن عن العمل بالدين في المجال السياسي كأساس للدولة وقوانينها لحل مشاكل الأمم وعن نظرية استبدال قانون عقوبة الأفعال الفاضحة والآداب بالجلد أو الرجم كما كان الأمر في عهد الرسول، وعن رأيهن فى المثلية الجنسية بأنها ليست صورة من صور الخلل النفسي بل تجربة أكثر متعة وتنوعًا يلجأ إليها الرجال الذين ضاجعوا العديد من النساء ويرغبون فى إضافة إثارة إلى حياتهم الجنسية. امتلأت صدورهن بالغضب مني حتى قالت لي إحداهن باستياء “إنتي كدا تبقي علمانية يا آية!” هززت رأسي وقلت لها “وما خطب العلمانية؟” ثم حاولت دحض منطقها مبررة جدوى فصل الدين عن الدولة. فى النهاية غادرنا ولم تؤثر تلك المناقشة على ود الزمالة ولكن أصبحت العلاقة جامدة تقتصر على تبادل التحيات والكلمات التي لا تقطع ذلك الود. الأهم من ذلك أني تعلمت أن أُنهي المناقشة متى صار الدين موضوعًا لها.

حيّ على الكورونا.

 هذا المقال لتأريخ فترة لم يتفشى فيها المرض بقدر ما تفشت فيها مجموعة من التصرفات والسلوكيات هي في الحقيقة أقدر على فناء البشرية من الوباء نفسه. فخلق التجار حرب الكحول واستحوذت الأنا والأثرة علينا فخلقنا حرب المواد والسلع الغذائية بدورنا. ولكن عندما صدر قرار بإغلاق المساجد، اعتبر غالبيتنا أن تلك حرب على الإسلام. وطالبوا بتلاوة القرآن في المساجد طوال الوقت؛ ليبارك لنا الله في إيراد الكحول المخفف بالماء الذي بعناه بضعف ثمنه، وفي الطعام الحرام الذي اغترفناه من أرفف المتاجر في زيادة عن الحاجة. فتُقتل جرثوماتنا وتقوي مناعتنا وينتقل الڤيروس بعيدًا. كل ذلك ما هي إلا دلالات لبعض المشاعر والأفكار القابعة داخل نفس بعض المسلمين المعاصرين وهي:

 ١- الوصمة

 المسلم المعاصر شديد الحساسية؛ فهو يشعر طوال الوقت أنه ضحية ويؤمن بنظرية المؤامرة، وهو أمر طبيعي بعد البروباجاندا التي رسخت في وجدان العالم بأن الإسلام راع رسمي للإرهاب. فأصبح المرء لا شعوريًا يعتبر نفسه موضع اتهام أو في حاجة دائمة إلى التبرير. وقد يتطرف هذا الشعور إلى حد الهوس، فيتخيل أن العالم كله ضده أو أن أبسط الأشياء مسخرة لتهديد عقيدته، فلو رأى فيلم بطله قرر الإلحاد، يشعر بإهانة غير مبررة، ويصير مقتنعًا أن مغزى الفيلم هو الدعوة للشرك بالله مثلاً. ولذلك حتى قرار غلق المساجد أو إخلاء الحرم الشريف قد يتخذه على نفس النحو. لا شك أن الدين أو الإسلام على وجه التحديد استخدم لزعزعة أمم بحالها، ولكن ليس لعظمة أو كمال الإسلام في حد ذاته أو لخوف الدول الأوروبية من انتشاره لديهم، بل لأن الدول الكبرى ببساطة تبحث عما يمثل قيمة للأمم الأخرى وتسعى لتحويله إلى نقطة ضعف. ما يتم استخدامه أو اللعب به في الحقيقة ليس الإسلام ولكن سيكولوچية المسلم التي تنطوي على الجهاد في سبيل الله والفداء مما يمكّنه من تجنيد جيش كامل لن يكلفه قرشًا واحدًا لأن أجره الحقيقي هو الجنة إذا تم إقناعه بذلك، ولو كنا نقدس الخبز مثلاً أكثر من الدين لأصبحت الحرب على الخبز.

٢- الإسلام هو الحل.

 يعلم المسلم أن دينه هو أعظم الأديان وأنه ليس هناك ما يعيب سنته ولكنه لا يكتفى بإيمانه بذلك فهو يسعى دائمًا لإضفاء شرعية لتصرفاته مهما كانت بسيطة. حيث يتبارى ويزايد على الآخرين كي يجعل من الفعل الصح فعلاً أصح؛ فيرتشف الماء على ثلاث مرات سنة عن النبي على سبيل المثال. وتبدأ مشكلتي مع هذا النوع من السلوك عندما يبدأ البعض في تعقيد الأمور وتصعيبها على الآخرين، إذ تشارك في مباراتهم أطراف حائرة تحاول أن تفعل الصواب فتجد من يقول لها دائمًا أنها تخطىء. فقد ذهبت في إحدى الأيام أنا وزميلتي للصلاة في مسجد الكلية وكالعادة وجدنا مجموعة من الفتيات مقيمة هناك تدردش وتأكل مقرمشات ومجموعة أخرى تذاكر وتبيض محاضرات على الرغم من أن هناك مكتبة بالكلية. استأذنا وسرنا على أطراف أصابعنا من شدة الزحام ونحن ننتظر ليفسحوا لنا فتزحزحن قليلاً تاركين لنا مساحة تكفي للقوقعة على الذات أكثر من السجود ولم يكفوا عن الثرثرة فطلبنا منهن أن يخفضوا أصواتهن. وبعد تأدية الفرض اقتربت منا فتاة ليست بزميلة وقالت لزميلتى أنه لا يجوز أن تصلي وهى مرتدية بنطال على الرغم من أنها ترتدى الحجاب وملابسها فضفاضة وعندما ناقشتها قالت لها أنه لا يجوز أصلاً أن تصلي وهي مرتدية شىء يبين أن لها رجلين حتى لو كان لباس واسع. ثم التفتت لي وقالت أنه لا يجوز أن أسجد على طرف طرحة الاسدال وغيرها من فتاوى وأحكام تصدر كل يوم من مصادر مغمورة عن موضوعات ليست بعماد الدين ويتهافت الناس على تبادلها مع الآخرين ليكسبوا ثواب تنوير الجاهلين وعلى الجانب الآخر يسرع المتلقين في العمل بتلك الفتاوى دون التأكد من صحتها أو حتى التفكير فى جدواها ظنًا منهم أنها إن لم تنفع فهي لن تضر.

٣- الصدارة

 يتخذ البعض الدين ذريعة ليبيحوا أفعالهم، والتجارة بالدين دليل على ذلك وهى ليست معلومة جديدة ولكن استخدام الدين الذي أعنيه يتم على نطاق أضيق وليس بالشكل المعهود. فعندما يقوم صاحب المقهى المقابل لمنزلك بتنظيفه قبل شروق الشمس ويترك إذاعة القرآن مفتوحة ويرفع الصوت عاليًا لدرجة تجعلك تستيقظ من نومك وأنت تسمعه بوضوح فإنه يسبب لك إزعاج بالفعل ولكنه يضع أمامك كلمة الله حاجز رادع يمنعك من فتح فاهك للشكوى أو التعبير عن الضرر. هو فى ظنه يريد أن ينال مقدار من الحسنات على كل حرف يرتل ومن وجهة نظره أنه كلما كانت التلاوة فى الجهر كان ذلك أفضل دون أن يضع فى اعتباره أن الساكن يصله ضجيج لا يميزه في البداية وحالما يستطيع لا يجد فى وسعه ما يفعله. ولو أثار الموضوع حفيظتك بشكل كاف وقررت أن تبحث عن حقك -في ضوء نفس إسلام صاحب المقهى الذي لم يغفل عن حقوق الجار ومعاملته هو والبشرية في عمومها- فسوف يتصاعد الأمر إلى شجار يوقظ السكان جميعًا ولن تجد من يساندك بالمناسبة عندما يبدأ صاحب المقهى في تكفيرك لأنهم سيكونون منقسمين على أنفسهم، قد تؤيدك في السر فئة قليلة ربما تكون من الساكنين غير المسلمين مثلاً وينتابهم نفس شعورك على استحياء أو من نفس الملة ولكنهم يخشوا أن يوصفوا بالكفر بينما الغالبية الباقية تحوقل وتستغفر وهم يشاهدون بلاد فيها مسلمين بلا إسلام. حتى في افتتاحات المحلات والمتاجر لا ينزعج أحد طالما أن صوت الفنان هشام عباس يجلجل في مكبر الصوت وهو يؤدى أسماء الله الحسنى ولكن لا يلبث أن يقول نارى نارين حتى يبدأ السكان في إرسال حارس العمارة إلى صاحب المحل ليهنئه ويقول له إن “عندنا شغل ومدارس الصبح” رغم أن صوت المكبر لم يتغير مع تغير الأغنية.

٤- الصراع.

 تثير الغيبيات الخوف لدى المسلم كالعالم الآخر الخاص بالجان ويوم القيامة وعذاب القبر، فمهما علمنا عن تلك الأشياء يظل الله وحده أعلم بها. وعلى الرغم من أن كثير من المسلمين نادرين الشك في العموم إلا أن أكثر ما يحيط الشباب المسلم بالخوف ويثير شكوكهم هو الموت المفاجئ أو الموت في عمر صغير، عندها فقط كل ما يسيطر على تفكيرنا هو الحساب وتمر أمام أعيننا كافة الآثام كبيرها وصغيرها التى اقترفناها ويغيب عن بالنا أن رحمة الله واسعة لعلها تشفع وتغفر من ذنوب ما نعتقد أن حمض الكبريتيك (مياه النار) لا تمحيه. الكل يفكر كيف يحصن نفسه ويشعر أن الأمر شخصي جدًا عندما يجد على بوستات تنعي شاب أو شابة وافتهم المنية سواء يعرفهم أم لا. ويبدأ فى تمرير المنشور لأصدقائه ونشر الأدعية ليس فقط لأن الدعاء للمتوفى مطلوب ولكن لأنه يشعر بتقصير داخلي يجعله يتخيل نفسه في كفن هو الآخر ولا شيء يحول بينه وبين لقاء ربه وكفة سيئاته لا تزال ثقيلة. وازع داخلي يخبره أن فعل الخير حلقة مفرغة وأنه بقدر ما يفعل فسوف يعود إليه فى يوم من الأيام. ومن هنا يبدأ الصراع على الثواب ويتجلى هذا الصراع في المبالغة الشديدة في كل شيء، فقد تجد أدعية كاملة على فيسبوك فقط من أجل الوقاية من موت الغفلة بشكل مكثف جدًا أو مثلاً منشور يحتوى على آيات قرآنية لها قدر معين من الثواب ومكتوب عليها “شير بنية النجاة من موت الغفلة” فتكتشف أن الخوف الحقيقي من المفاجأة وليس من الموت نفسه، الخوف من عدم الاستعداد رغم أن المرء مهما قدم في حياته لن يكون مستعدًا للقاء ربه فى النهاية. أصبحت العبادة المشروطة أمرًا منتشرًا جدًا وتزداد المغالاة في المواسم والأعياد حيث نجد البوستات والأدعية تتزايد عامًا عن الآخر كما لو كان رمضان القادم آخر رمضان بل إنك تجد مزيد من الإرشادات عن كيفية استثمار الشهر أو الأيام المفترجة في تحصيل الأجر والثواب كما لو أن الناس تحاول الترويج للمناسبات الدينية كما تفعل الجمعيات الخيرية، فتجد مانيفستوهات كاملة وملخصة عن خطوات صلاة أو صيغ للدعاء بنية تحقيق شيء معين. وعادة ما تبدأ تلك البوستات بالصيغة الآتية “دلوقتى إحنا داخلين على أيام مباركة ربنا يعودها علينا بالخير ان شاء الله وإحنا خلصنا امتحانات وفاضيين إيه رأيكوا لو عملنا كذا…” ثم تنهال عليك إملاءات لا حصر لها ولا عدد.

تذكر أن الرسول اختار بلال دائمًا.

 يمكننا في ضوء الأفكار السابقة تقييم أحداث الجهاد فى سبيل مكافحة الكورونا خلال الأسابيع الماضية. فانطلاقًا من محاولات المسلم المستجدة دائمًا ليطعم تصرفاته بالصبغة الدينية قررنا التكبير من النوافذ بدلاً من الغناء كما فعل الإيطاليون فهكذا أفضل بالطبع. ومن الإحساس كما لو أن الدولة قد جنت عند قرارها بإغلاق المساجد وتعليق خطبة الجمعة كانت أصوات المكبرين بتلك العلو ونبرات أصواتهم بتلك الحدة كأنهم يريدون إخبار العالم أنهم لازالوا موجودين مهما حاولوا طمس نور الهدى وحرموهم من الالتجاء إلى الله في ظل تلك الظروف رغم أن كل الوسائل لذلك متاحة والإله الواحد ليس بأصم حتى لا يسمع دعوة الداع حتى لو كان في بطن الحوت. ثم كان الاعتقاد أن الدين فوق كل شىء الذي سمح للبعض أن يتسلل في سواد الليل إلى أحياء لا يسكنوها ليجوبوا شوارعها وهم يصيحون باسم الله ويعلمون أن لا سلطة قادرة على توجيه تهمة لهم إذا ما فكروا بنفس منطق صاحب المقهى. وأخيرًا لا حاجة للتأكيد على أن الطمع في عفو الرحمن ورضاه دافع جوهرى لمثل تلك الأفعال.

أستطيع القول بملء فمي أن أصحاب المانيفستو(مخطط) من تجار الدين كانوا أكبر المستفيدين من ذلك الحشد إن لم يكونوا هم من وراءه، فكانت البداية بالابتزاز العاطفي الذي يملأ الأفئدة عندما يسمعوا “الله أكبر” من كل مكان إلى ما لا نهاية ثم تحول ذلك الشعور لطاقة هوجاء طافت شوارع المدينة لعل كان الغرض أن تنتشر من خلالها أعمال شغب على يد مجموعة مندسة مثلاً أو على الأقل لفت نظر السلطات إلى الحاجة لفرض حظر كامل حتى تتعطل الفئات التي تبدأ عملها في الليل أو تطول ساعات عملها عادة فتثور تلك الفئات بدورها.

لم يكن المشهد مؤثرًا وكانت الصيحات نباح وانقلب السحر على الساحر في نهاية الأمر وخلال ساعات أصبح الموقف موضع للسخرية على الأقل من السكندريين وصولاً إلى الذين استنكروا هذا السلوك في العموم ومنهم من دلل على موقفه بأحاديث تؤكد على أن الرسول قد نهى عن ذلك وأجوب الخشوع والتضرع في الدعاء دون حاجة للاستعراض الذي حدث، ولعل هذا يلقننا درسًا أن ليس كل فعل لوجه الله هو بالضرورة مناسب، إذا كان الرسول نفسه فضل بلال عن عمر بن الخطاب ليؤذن.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: