أسماء عبده تكتب: نسكافيه في وسط البلد

مراجعة لغوية: مروة محمد

يَعُج المَكان بالضوضاء ورائحةِ الدخان التي تنفث من سجائر الجالسين فيه، ورائحة العطور النافذة جدًا، وكأننا في حفلِ زفافٍ لا مجرد كوفي شوب، ومع كل هذا الازدحام إلا أني أشعر بفراغٍ شديدٍ حولي. يبحث الجميع هنا عن عالمٍ ينتمون إليه، يهرب الجميع هنا إلى هذا المقهى برغم صِغر حجمه وعدد مقاعده التي لا تزيد عن عشر طاولات، تغيب أدوات إعداد القهوة ولا يحضر منها سوى الكنكة برفقة هذا البار المتسخ، يبقى المقهى ممتلئ دائمًا بالشباب من الفئات العمرية الصغيرة؛ رغم كل ذلك تملأ أصوات الأغاني خلفية كل الأحاديث والأحداث بالمكان. يتميز المكان بأمر آخر عن قائمة أغانيه، يتميز المكان بالحرية .. حقًا الحرية، لو أنت بعمر الخامسة والأربعون ربما ترى أن هذا المكان قذر وبه الكثير من التجاوزات، إذ تقوم الفتيات بتقبيل الشباب عند السلام بداية اللقاء، وتحمل ملابس الفتيات  معنى التمرد والاختلاف من أجل الاختلاف لا لمعنى أشد عمقًا من هذا، ويرتدي الشباب ملابس تختلف عن السائد بين الشباب ربما تظن أن أحد هؤلاء فتاة بسبب التعليقات الغريبة التي تشكل جزءًا من مظهرهم، كما لا تبدو وجوههم مألوفه هم يبدون مثل صور الأنستغرام ولكن بدون فلاتر.

أشعر أني غريبةٌ بينهم وربما ينتاب غالبيتهم الشعور ذاته خارج المقهى، أرتدي ملابس لا تبرز مفاتن جسدي وحجاب لا تخرج منه خصلة شعر واحدة وبنطال واسع؛ أجلس وحيدةً أراقبهم بنظرات مختلسة، يجعلني البعض أبتسم من هيئته و يجعلني البعض الآخر أفكر فيما قد يفكر، لا أرى أنهم مجموعة من الفتيات المنحلة أو الشباب السطحيين، قد يكونون أشباحًا يعيشون معنا ولكن داخل عالم خاص، يقدم لهم حرية يرغبون فيها، عالم يظهرون به كما يريدون من هيئةٍ وتصرفٍ وأخلاقيات بدون صراعات حول أفضلية اجتماعية، بداخلى جزءٌ يجمعني بهم، أمُرُ بيومٍ عصيب وأحاول أن أنظر للأمور بعمق. فأنا لي عالمي الخاص أيضًا ولكن لا أحد يشاركني به، تمنيت لو كنت بمثل هذه السطحية أجلس كل يوم في ذلك المقهى أتحدث وأدخن السجائر وأرتدي ملابس بوهيمية (غريبة الأطوار) وأضع مساحيق التجميل، أقابل أصدقائي وأقبل الجميع فتيان وفتيات وربما نحتضن بعضنا عند بداية كل لقاء يجمعنا، وَوددت أن لا أكترث لأحد ولا أهتم سوى …. لا أعلم حقًا بما يهتمون… ربما لا أهتم؛ مع أني أهتم وهذا أكبر تعقيد داخل منا نحن البشر، نفعل الخطيئة في الخفاء ومن ثم نحزن لأننا فعلناها، نرى أن التدخين لا يليق بالفتيات ورغم ذلك كنا ندخن في منزل صديقتنا، نرتدي ما يناسب يوم عمل مرهق… ومن ثم ننظر لهولاء الشباب بسخرية ونرى أنهم جيل من الفشل يسير على الأرض، نحن شباب بأعمارنا فقط، نريد التحرر ولكننا نستحي مازلنا نخاف الله مازلنا نستغفرـ مازلنا نريد الجنة ونعلم أنها ليست باقية مع أننا لا نريد الرحيل.

كنت جالسة أفكر بينما كانت عيناي تراقب ذلك الشاب الجالس أمامي مباشرة، يرتدي سماعة الأذن الخاصة، وتيشرت أسود وشعره كثيف ولا يمكنني رؤية عينيه جيدًا، أحيانًا يتصفح هاتفه وأحيان أخرى يضع يديه على الطاولة ويلقي برأسه عليها، لا يدخن ولا يتحدث، فقط يجلس كأنه في عزلة تامة بعيد عن كل شيء هنا، لم أتردد في التوجه إليه ربما هذه فرصتي للهروب من عالمي واكتساب أحد الأصدقاء الجدد، كانت المسافات متقاربة جدًا بين جميع الطاولات في المقهى فلم أخذ أكثر من خطوتين لأكون أمام طاولته.

-أهلاً

لم يلاحظ أو ربما لم يستمع لي كررتها ثانية: “أهلًا” فرد عليَّ: “أه.. سوري بتكلميني”

-أه بكلمك 

أيوه كنتي بتقولي أيه

-ممكن أقعد معاك؟ 

أه sure ..  قشطة

-أصل لاقيتك قاعد لوحدك وأنا كمان قاعدة لوحدي..  فقلت ممكن نسلي بعض 

تمام

لم ينظر لي وقام بتصفح هاتفه مرة أخرى لم يهتم بوجودي رغم أن وجهه ظهر عليه علامات التعجب ولكنه لم يتساءل حتى، إنسحبت أتراجع للخلف حتى وصلت إلى طاولتي، جلست أتناول الكابتشينو الخاص بي في صمت تام، كسره صوت قائلاً:

عجبك يا فندم؟ 

-أيه! أه.. تسلم ايدك 

تنبهت أني لم أجرؤ على الخروج من عالمي الخاص،  ولكن لا بأس ببعض الخيال المكبوت، نظرت في ساعة الهاتف وأدركت أن علي الرحيل والعودة إلى العمل، كانت مجرد ساعة أردت أن أحتسي بها الكابتشينو، ربما أخترت هذا الكوفي شوب اليوم لأنني أريد الهروب مثلهم ولكن لبعض الوقت. 

أخذت أسير في طريقي، وأفكر كيف أن التلامس هناك شائع جدًا، لصغر حجم المقهى فمن الممكن أن يرتطم بك أحدهم ولكن عليك أن تستقبل الأمر كما أستقبلته أنا أيضًا، لا أعتقد أنه تعمد ذلك، وتلك الفتاة تنتظره على الطاولة لا يمكنني أن أصفها، يجب عليك أن تراها لتعلم كيف كانت تبدو؟ 

One thought on “أسماء عبده تكتب: نسكافيه في وسط البلد

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: