عندما بكى نيتشه: بين تداعيات القلق والعلاج النفسي

كتبت: شذا لاشين

“ماذا لو قال لك شيطان ما إنك يجب أن تعيش هذا الحياة، الحياة التي تعيشها الآن والتي عشتها في الماضي مرة أخرى، وعددًا لا يحصى، وأنه لن يكون فيها أي شيء جديد، وسيعود كل ألم وكل بهجة وكل شيء مهما صغر أو كبر في حياتك إليك، كلها نفس التعاقب والتسلسل؟”

كل خيار اخترته، وكل خيار لم تختره سيخلد إلى الأبد، كل ألم ألمّ بك، كل بهجة زارت قلبك، وكل رعشة خوف سرت في جسدك، حتى حسراتك على ما لم تختره، حتى ألم ضميرك هذا الذي اعتمر صدرك يومًا ما أو لا زال يؤلمك، كل شيء لن يُضاف أي جديد لحياتك التي عشتها والتي تعيشها الآن، تخيل كل ذلك يتكرر من جديد ما أن ينتهي.

تخيل أحداث حياتك كحبات رمل في ساعة رملية تتساقط الآن حبتين منها وأنت تقرأ هذه الكلمات، وما أن تنتهي الحبات حتى يأتي أحدهم ويقلب الساعة لتُعاد من جديد نفس الحياة بتفاصيلها تلك وبنفس الاندهاش الذي واجهت به أحداث حياتك في المرة الأولى تواجهها بنفس الشغف والاندهاش والحزن والألم. وهكذا ستعاد وتعاد حياتك ملايين المرات: ما أن تنتهي حبات الرمل حتى يأتي أحدهم ويقلبها  لتعاد من جديد وإلى الأبد!

هل تخيلت الفرضية السابقة؟ هل تخيلتها بكل كيانك؟ هل أعجبتك الفكرة؟ هل ارتحت لتخليد اختياراتك الماضية من حياتك واختياراتك الحالية؟ هل أنت واثق من اختياراتك حد تخليدها إلى الأبد؟

كان هذا سؤال نيتشه لبروير في رواية “عندما بكى نيتشه” التي صُنّفَت كرواية تاريخية حيث إن أبطالها شخصيات حقيقية عاشت في أوروبا عام 1882 بالفعل وبعضهم عاش في فيينا تحديدًا حيث تدور أحداث الرواية. لكن يالوم، كاتب الرواية، أستاذ الطب النفسي بجامعة ستانفورد، ابتدع حكاية جمعت بين تلك الشخصيات مع الإلمام بوقائع حقيقية عنهم. تناولت الرواية حقول العلم برهافة فنان يدقُّ بريشته دروب الأطباء والصيادلة والفلاسفة ليصنع لوحته الرائعة.

برع يالوم في وضع أساسات العلاج النفسي ببساطة في سرد روائي جميل، وعبّد بقلمه دربًا مليئًا بالأشواك، وتناول في روايته العلاقة المعقدة بين الطبيب المعالج والمريض النفسي التي بها الكثير من المشاعر المرتبكة والمختلطة خاصة وإن كان طرفي العلاقة فريديريك نيتشه، الفيلسوف الذي سبق عصره بأفكاره ونثره البديع، والطبيب المرموق جوزيف بروير، الذي كتب التاريخ عن إنجازاته الطبية وأبحاثه التي لم تقتصر على صحة المرضى الجسدية بل عُرف بأنه هو أول من عالج مريضة بالهستيريا عن طريق “العلاج بالكلام.”

 يتلاقى كل من نيتشه وبروير في علاقة معقدة للغاية حتى لا تكاد تعرف من الطبيب ومن المريض، يسعى فيها الفيلسوف المصاب بداء الشقيقة في ظاهر الأمر إلى الشفاء من مرضه ويضمر في نفسه سعيه الحثيث نحو الحقيقة. لم يتردد نيتشه للحظة في مسعاه إلى الحقيقة حتى وإن كان ذلك على حساب عذابه وألمه الجسدي والنفسي الذي زعم أنه يعينه على الوصول للحقيقة بشكل أدق؛ فبداخل الألم تكمن الحقيقة. بينما يلهثُ الطبيب بروير وراء ما سُيّر له وهو علاج زائره المريض في ظاهر الأمر، ولكن يتضح أنه هو من يحتاج المساعدة.

فبعد أن طلبت لو سالومي صديقة نيتشه من د.بروير أن يعالج نيتشه من اليأس دون علمه لأنه لن يستجيب للعلاج النفسي أبدًا لعدم ثقته بالناس، وضع د.بروير خطة لجرّ نيتشه للحديث عن يأسه وهو أن يدّعي هو نفسه بأنه هو من يعاني من اليأس. ولكن يتضح لبروير أنه حقًا يائس ومصاب بالقلق أيضًا.

 في بداية السرد الروائي تجد نفسك غارقًا في وساوس بروير تجاه لقائه مع لو سالومي وتتفاجأ بعد ذلك عندما ترى أن ذلك الطبيب له مركز مرموق وزوجة جميلة محبة وهو مخلص لها تمامًا، يشوب هذا الإخلاص سنتين من أحلام اليقظة بمريضته الشابة المصابة بالهستيريا، وانجذابٌ مؤقت نحو لو سالومي التي لم يستطع أن يرفض طلبها الغريب بأن يعالج مريضًا يأبى العلاج.

تبقى كقارئ أسير نظرة د.بروير لجميع الأحداث حتى يظهر نيتشه من خلال زيارته لبروير ولكن لا يظهر صوت نيتشه كاملاً إلا من خلال الملاحظات التي يدونها بعد كل جلسة مع بروير. وتجد شخصًا آخر تمامًا في رسائله للو سالومي! تجد شتائم وغضبٌ حانق لا تراه في وجه ذلك الفيلسوف الصبور الحكيم الخلوق الذي يحرص كل الحرص على مشاعر بروير الذي استعان به في أن يعالجه من يأسه.

تنشأ صراعات دقيقة بين بروير ونيتشه لتعبّر عن مقاومة كل منهما لمواجهة حقيقة أنهما يعطيان وساوسهما المتمثلة في لو سالومي لدى نيتشه وبيرثا، مريضة الهستيريا التي خُيّل لبروير أنه وقع في حبها، معانٍ أضخم بكثير مما هي عليه في حقيقة الأمر. فتجد بروير بدون وعي منه يحمّل بيرثا معنى أم تحب ابنها حبًا غير مشروط، ويتنبه بمساعدة نيتشه أن حتى الفتاة تحمل نفس اسم والدته! كان يرى فيها معنى غير ملائم لما تحمله في الحقيقة. وكذلك نيتشه في آخر الرواية، بعد أن يعين مريضه اليائس من قلقه ووساوسه، يواجه حقيقة نفسه التي يحمّل فيها كل غضبه تجاه الحياة للو سالومي.

لكن كبرياء نيتشه يستدعي الوقوف عنده والتسليم بطبيعته تلك التي منعته من استقبال أي مساعدة من أي أحد وهو في أمس الحاجة إليها. كبرياء عظيم تقف محتارًا أمامه بين دهشةٍ وإعجاب، ومن هذا المنطلق يمكننا تخيل شعور المريض النفسي الذي يلجأ للمعالج ويكشف عن أسارير نفسه ودواخلها الخفية ويعرّي نفسه أمام بشر مثله ويتخلى عن كبريائه. كان يعلم نيتشه أنه لن يستطيع تحمّل عواقب الأمر وكان من الضروري أن يعيش تلك التجربة مع بروير الذي آثر الإفصاح عن دواخله دون تقديس لكبريائه، حتى يطمئن نيتشه ويفضي بما في جعبته. ومن هنا قد نتساءل هل يحتاج المريض النفسي بعض المشاركة الحقيقية من جانب المعالج حتى يتمكن من الكشف عن سريرته؟ يتبين من خلال علاقة نيتشه وبروير أنه أمر مفيد للغاية يبني جسرًا من الثقة بين كلا الطرفين.

وإذا نظرنا من جانب د. بروير اليهودي الذي نشأ نشأة محافظة ولا يشوبها أي نوع من أنواع الاختيار الحر، فلقد تم اختيار تفاصيل حياته له من قبل والده. ربما قدس بروير العلم وادعى أن إلهه العلم لكن شيئًا ما كان يربطه بالتقاليد الدينية التي اعتادها منذ صغره. ومناقشاته مع نيتشه قادته إلى التساؤل حول حرية إرادته واختياراته، هل هو حر الإرادة أم لا؟ كان سؤالاً مؤلمًا للغاية أن تأتي لرجل جاوز الأربعين من عمره وهو طبيب وباحث وزوج وأب لخمسة أبناء ومكبّلٌ بمسئوليات لا حصر لها تجاه أسرته ووظيفته أنه لم يختر تلك الحياة التي عاشها. سبب ذلك المزيد من القلق لبروير والمزيد من الألم النفسي. ويتضح بعد الخوض داخل أغوار نفسه أن القلق المعتمر في صدره ووساوسه بمريضته بيرثا ما هي إلا غطاء لألمه وقلقه من الزمن، الزمن الذي يمضي دون رحمة ويكسح كل ما امتلك من صحة وحرية وشباب.

كان رد فعل نيتشه تجاه كل قلق ساور بروير وأراد له مسكن أو أي نوع من الإلهاء ردًا تجاهليًا عنيفًا! كلما استغاث بروير بنيتشه لتخليصه من ألمه النفسي، تجاهل نيتشه ذلك ومضى بثبات في أعماق مسببات الألم. وكأن نيتشه الفيلسوف يؤكد على حتمية وجود الألم كجزء من الحياة لا يمكن التملص منه. ولكن يشير بقوة نحو إن كان الألم لا فرار منه فليكن ألمًا ذا معنى سام وليكن حقيقيًا، لا غطاءً لما نخفيه تحته، بل ألم حقيقي تجاه قضية وجودية حقيقية. نظرة نيتشه للألم ملهمة بشكل يصعب شرحه!

والآن بعد أن عشت مع نيتشه وبروير آلامهما واختيار كل منهما لنوعية الألم الذي سيتعايش معه، هل فكرت في آلامك أنت؟ وهل معركتك تستحق بذل كل هذا الألم؟ وإذا افترضنا جدلاً بصحة فرضية التكرار الأبدي الذي اقترحها نيتشه، هل ستسعد لتلك الفكرة؟ هل اخترت معاركك بعناية حد تخليدها؟ ألألمك معنى واضح وجلي لدرجة أنك قد تتألم له للأبد؟ إن كانت الإجابة لا؛ “إذًا عش بالطريقة بأنك أحببت الفكرة!”

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: