محمد سميح يكتب: ألوان منخفضة الجودة

في البدء كانت الألوان:

إن الرسومات والألوان تبدو شيقة جدًا على جدران الكهوف، صُنعت بواسطة إنسان بدائي بأدوات بسيطة، ولكن ما سيطر عليها هو روح الفن، ربما كان عالم التسعينات لأطفاله كهف الجد البدائي، ربما امتلأت الذكريات في أذهاننا بالألوان وبعضٍ من الصور والأصوات والروائح البعيدة.

ربما حكاية بصوت جدة تشبه المدن القديمة محفوظة شوارعها بالذاكرة وإن لم تعد موجودة، ربما أغنية لمطرب لم يستخدم جل الشعر، ولم يظهر مع موديل مثيرة، ربما اعتمدت أغاني التسعينات على الصوت أكثر من الشكل، ربما اهتمّت بوجود إيقاع راقص وإيقاع الصقفة لتضمن النجاح، أو بدلًا من ذلك اللجوء إلى الحزن المفرط على أصوات محمد محيي.

كان العالم مليء بدرجات الألوان الفاتحة وربما الأقل جودة، يمكننا رصد ذلك من خلال تطور شاشات التلفزيون ما بين أعوام 1990 و2000، يمكننا رصد ذلك أيضًا من خلال صور الفوتوغرافيا داخل ألبوم العائلة، كانت ألوان الحياة مختلفة، كانت صغيرة مثلما كنا صغارًا، لم تكبر إلى ذلك الحد الذي يجعل منها أكثر جودة وحياتنا أكثر تعقيدًا.

عن التسعينات حين أحكي فأنا لست مؤرخًا، قد كنت طفلًا عاش تلك الحقبة وحسب، هناك حنين ما داخل آلة الناي للقصبة التي خرجت عنها، وهناك حنين ما لكل أطفال تلك الحقبة حيث أول مرة تم فيها اكتشاف العديد من الأشياء في 

الحياة، من الصعب أن نكتب كأطفال، فهناك حالة من التعري عن ذلك القالب الذي أتُخِذ بعد كل هذه السنوات من الحياة.

تشكل العالم:

إن في النوستالجيا مرض ولكنه مرض مقبول، فحين ينفذ الهواء أمام شط البحر من شدة الحرارة في أغسطس، نبحث كثيرًا عن نسمات الهواء، ربما تلك النسمة هي ما تمنحنا الصبر على أن نستمر في تلك الحياة، ربما تزين الماضي دائما بأعيننا لأن فيه نسخة أقل تعقيدًا مما في حاضرنا نحياه.

لقد كانت الحياة بلا هدف غير الاستمرار، كان الأكل والشرب يكفي أن يسعد الإنسان الأول في بدايات بدايات الحياة، لم تكن هناك قيم مرهقة يضطر إنسان البدايات أن يحملها فوق أكتافه، وهكذا حالنا أطفال لا نبكي إلا من الجوع أو مهاجمة الأمراض، بخلاف ذلك لا يشغلنا أعباء أخرى بالحياة، إلى أن نبدأ في تعلم النظام، كما بدأ الإنسان الأول في تعلم نفس النظام بعد نشأة المجتمعات.

لقد جمعنا كأطفال في عالم التسعينات، قنوات تلفزيون محلية واحدة، القناة الأولى والقناة الثانية على التلفزيون المصري، كنا نشاهد شمس الزناتي في نفس التوقيت، بما أننا لا نملك إلا نفس القنوات، حتى مشاعرنا توحدت على كره المرشال برعي، والتعاطف مع عم سلامة الطفشان، ورغم أن التسعينات فترة انتشار شرائط الفيديو وألعاب الفيديو، إلا أن ذلك لم ينافس ألعاب الشارع، كنا أكثر تواصلًا في ألعاب الطفولة عن تلك الحبسة أمام شاشات الأجهزة في تلك الأيام.

كان المشايخ يخبرونا أن حلاقة الكابوريا حرام، لأنها حلاقة الكلب، كما أن حلاقة الطبق حرام، ربما أن الطبق صُنع للطعام، لم تكن الكلاب تذهب للحلاقة، ولم يكن أحد يأكل في طبق رأس زميله، ربما كانت موضة ليست الألطف، إلا إنها كانت منتشرة، كما كانت مكروهة بين الشيوخ، البِلْي أيضًا -كانت مكروهة بين الشيوخ- وكذلك لم يكن السبب معلوم، يقولون إنها قمار وإنها تجلب النحس.

ربما كان النحس الحقيقي بعد أن نجمع الجنيهات من بعضنا بعضًا لشراء كرة قدم تدهسها سيارة، أو يقوم بتقطيعها أحد البائعين في المحلات، كانوا أصحاب المحلات يروننا في هيئة حسونة الطفل الشقي بمسلسل بكار، وكنا كأطفال ننظر لهؤلاء البائعين على أنهم نفس شخصية مشرط الشرير الذي يفسد أجمل الأوقات.

لقد كان العالم صغيرًا نفرح فيه بهدف سُجِّل في مرمى صُنِع بوضع قطعتين من الحجارة، أو برصّ سبع طوبات دون أن تمسّنا الكرة، أو نجاحنا على شط البحر في أن نشد المنديل دون أن يلمسنا أحد من الفريق المنافس، أو صدفة إعادة حلقة كرتون في عالم لم نكن نعرفه في سبيس تون، لقد أخبرونا أن مسلسل البوكيمون مؤامرة على الدين، وأن تلك اللعبة بأكياس الكراتية تنقل عدوى السرطان.

ربما لم يهتم أحد بمهاجمة سابق ولاحق كما تم مهاجمة البوكيمون، ولا أحد يعلم أين كانت تُصنع تلك الإشاعات، لقد سأل أحد الزملاء بالمدرسة ميس الإنجليزي عن معاني أسماء شخصيات البوكيمون، لم تكن الكلمات لها معنى باللغة الإنجليزية، مما أسقط بأنفسنا نظرية مؤامرة صُنَّاع اللعبة ضد الدين.

بدايات صدمة الانفتاح:

لقد كنا أكثر الأجيال نشأة بين دعوات عذاب القبر، وعلامات قيام الساعة، كنا منذ البداية يسيطر على عالمنا الصغير أجواء النهاية، دائما ما أخبرونا بقرب نهاية وانهيار كل شيء، وأن صورة طارق عبد الجابر مراسل قطاع الأخبار من فلسطين، ستكون صورة كل بقاع الأرض، لأن الحرب العالمية الثالثة تقترب، وستكون حرب نهاية العالم ودمار كل شيء.

ومع تلك الصورة القاتمة عن مستقبل العالم، كان الناس دائما بالمصايف بأعداد كبيرة، لقد كانت الصورة بخلاف أفلام الستينات، أصبح البكيني موجود إلى جانب النقاب، ربما كنا أكثر الأجيال رؤية الحياة من زاوية التناقض، دعوات كبيرة جدًا للتدين والرعب من نهاية كل ما في الحياة، وحب شديد جدًا للحياة يملأ المصايف حتى بالمتدينين، وتلك الثورة على قناة دريم من الأغاني والرقص وبرنامج هالة سرحان في بداية الألفينات.

ربما خلق ذلك التناقض رغبة في الخلاص بالرهبنة ورغبة في استنفاذ مباهج الحياة، نحن الجيل الأخير في تلك السلسلة الطويلة من القيم عبر أبطال أعمال درامية مثاليين جدًا، شديدي الصدق والأمانة، والنخوة والأخلاق والأصالة، ربما كنا الجيل الأخير، قبل إعلان المطرب الشعبي طارق الشيخ الحداد على كل قيمة كانت موجودة يومًا بين المصريين، وإلى تلك اللحظة يظل جيل الأطفال الذين نشئوا بتلك الحقبة، على الأقل في غالبه يقع في مسافة رمادية حائرة لم تحب حالة الترهبن بالدين وتشعر بالخوف من الانفتاح بقوة على الحياة.

انفتاح الألفينات:

في بداية الألفينات تراجع التيار السلفي صلب الخطاب والمظهر لصالح تيار أكثر وسامة على مستوى الخطاب والمظهر وأكثر إقبالا على الحياة مع الداعية عمرو خالد، إلى جانب ذلك تنكسر الصورة النمطية في أذهاننا عن كليبات الأغاني، مع ثورة الفضائيات وظهور المغنيات اللبنانيات المتحررات، وظهور روبي كان أكثر صدمة، كان أمر غير مقبول، إلا أنه بعد حوالي 15 عام، أصبح ينظر إلى روبي كرمز أنثوي بريء، بعدما كان ينظر لها على إنها أيقونة جرأة وإغراء، حتى نانسي عجرم أيضًا، ربما كنا جيل الصدمات القوية -أخلاقيًا- التي طالما انتهت إلى لا شيء، ربما رسّخ ذلك في عقولنا بعضًا من مشاعر اللامبالاة.

لقد تعرضنا للعديد من الصدمات في مواجهات بين إسرائيل وفلسطين، لقد خرجنا نهتف، وملأنا الإذاعات المدرسية بالصراخ والغناء والحزن، حتى انتهى ذلك إلى لا شيء، لقد كنا أكثر الأجيال تعبئة للصراعات، لقد أخبرونا عن رسام يسيء للرسول، ولم ينتهي العالم، لقد أخبرونا أن الغرب يكرهنا، ولا يحب ديننا ويتآمر علينا، لقد هتفنا كثيرًا، وكالعادة لم نكن نملك إلا أصوات، ثم انتهى ذلك إلى لا شيء، ربما كنا آخر أبناء حقبة الخطابات القوية، ربما تلك القوى الحماسية المفرطة بدّلت اليأس محل الآمال.

نهاية العالم:

لقد كانت أحداث وتتابعات كثيرة تمر علينا، ربما كانت صعبة الهضم، ربما قادتنا الظروف إلى التناقض بين حب الحياة وخوف قيامتها، كما منحتنا مشاعر اللامبالاة واليأس، إلا أن كل ذلك لم يأتي إلا بعد أن تبدلت ألوان التسعينات إلى درجة أعلى جودة في الألفينات، بعد أن كبرنا لدرجة جعلتنا لم نعد نلاحظ ذاك المتجول بالزمارة رافعًا عصا عليها الأبيض والأحمر من حلوى غزل البنات.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: