منة فاروق تكتب: طفولة في عالم بالغ


عندما أستمع لكلمة الطفولة، ينتابني إحساس غريب، صُنِّفت الطفولة على أنها مرحلة حتى سن معين وتنتهي من حياة الأنسان ولكن بالنسبة لي لم تنتهي، فأنا مازلت طفلة بطريقة ما حتى يومنا هذا، فلم تترك الطفولة جسدي أو عقلي حتى الآن وقد أثْبَتّ هذا في العديد من المواقف والأفكار، فمثلًا مازلت أبكي حين لا أحصل على ما أريد كالأطفال الذين لا يدرون مدى قسوة العالم ولا يعرفون أن الحياة لا تعطينا دائمًا ما نتمناه، و مازلت أفرح بشدة من أعماق قلبي حين أحصل على لعبة مع وجبة “هابي ميل” من مطعم ماكدونالدز، ومازالت أغاني قناة “سبيستون” عالقة في ذاكرتي حتى الآن بكل عروض الكرتون التي تُذاع عليها، وما زالت أغنية هزيم الرعد هي المفضلة بالنسبة لي.

دائمًا كان أصدقائي يتعجبون أنني أحب كوكب أكشن وكوكب الرياضة أكثر من كوكب زمردة، فأنا أحب أدغال الديجيتال وعهد الأصدقاء عن أي كرتون أخر للبنات، كنت أشاهد باتمان وفرقة العدالة وأحبهم عن كرتون فلة والفتيات الخارقات، أعتقد بشكل كبير أن هنالك خلل في عقلي، وبشهادة جميع من حولي، أنا لم أنضج بعد، لم أصل لمرحلة النضج المطلوبة التي يجب أن تصل لها فتاة تبلغ من العمر 23 عامًا، مازالت الطفلة التي كنت عليها ترفض ترك جسدي وروحي ومتشبثة بالبقاء لمدة أطول.


بالرغم من أن الطفولة تُعدّ من أجمل وأنقى فترات معيشة الإنسان الحي على الإطلاق، إلا أنها تعد مرحلة مخادعة، تخدعني الحياة عن طريق عدم المعرفة، وأعتقد أني قادرة على فعل كل شيء ثم أستيقظ على الواقع الأليم وهو البلوغ أو النضج وهي مرحلة المعرفة، أنا الآن أعرف كل شيء وأعرف أن الحياة ليست سهلة كما بدت وأنا صغيرة وأعرف أن العالم لن يفتح لي ذراعيه ويحتضنني حين أشعر بالحزن.

قد لا يوجد تعريف ثابت للنضج في وجهة نظري، فما زلت لا أعرف متى يحدث ذلك النضج الكامل، وأعتقد أنه لا يحدث أبدًا لأن الحياة تستمر في إعطاء المرء دروس وتُريني أن الخبرات الحياتية ليس لها نهاية، فأنا أنضج أو بمعنى أدق أزداد نضجًا و لكن لا يمكن قول أنني نضجت، والجدير بالذكر أني أشهد تغيُّري كإنسان خلال مراحل حياتي كأني أشاهد فيلم وثائقي، فأرى نفسي اتغير منذ سن الطفولة حتى النضج، وأتحوّل من الشخص البريء إلى الشخص المتمكّن ثم إلى الشخص ذي الخبرة في جميع مجالات الحياة المختلفة.

أثق تمامًا أن مرحلة الطفولة موجودة لسبب واحد فقط وهو الرجوع لها عند الشعور بأن الحمل قد زاد على عاتقي، فمع النضج تثقُل الأعباء، أُصبِح مسئولة عن نفسي ولا يوجد مجال للهروب من الروتين والضغط المستمر على عكس فترة الطفولة، وأيام الطفولة، فأنا لا أفكر ولا أخاف ولا أحزن، أعتقد لهذا السبب يحدث للبالغين فقط أزمات نفسية ونوبات اكتئاب مستمرة، فهُم في صدمة من التغيُّر الجذري الذي حدث بعد النضج ومعرفة أبعاد الحياة الحقيقية.

الأن أنا لا أعيب على أمي وأبي، فعندما كنت صغيرة، دائمًا ما كنت أعتقد أنهم مُملّين و مُتعبين، لكن الآن أعرف السبب، بكل بساطة أنها الحياة.

الآن أشعر بالنوستالجيا لأيام كانت فيها الأرواح خالية من الكراهية وكانت الشخصيات نقية وكان الشعور بالسعادة أمر سهل يمكن أن يحدث كثيرًا، فلماذا توقفت الآن عن الشعور بالسعادة ولماذا أصبحت مصادفة المشاعر النقية أمر نادر الحدوث.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: